اقتربتُ من منصة الحكم.
نظرتُ إلى اسمها.
ثم محوته.
حمايةً لذاكرتي.
فالأسماء التي أحببناها لا يليق بها أن تُكتب في محاضر الإدانة.
أغلقتُ الملف.
ومزّقتُ الحكم قبل أن يُولد.
تركتُ القاعة كما يدخلها الغرباء .
كلما همَّ الحبر أن ينطق بالحكم، تقدّم القلب خطوة.
يحمل ما تبقى من صورتها.
كان يخسر.
مرةً بعد مرة.
بهدوءٍ يليق بمن يعرف أنه يدافع عن قضيةٍ انتهت قبل أن تبدأ.
(الجلسة الاخيره)
هذه الليله
لم أجلس لأكتب.
جلستُ لأحاكم عمرًا كاملًا.
كان الحبر يرتدي ثوب القضاء، والأقلام مصطفةً كأنها تعرف أن الحقيقة ستخرج منها، لا من أفواهنا.
أن يصبح وجهي مقبرةً متقنة البناء.
لا يخرج منها صوت.
ولا تسقط منها دمعة.
ولا يعرف احد ،
أن تحت هذا الهدوء،
يرقد إنسانٌ قضى عمره كله يستأذن قلبه بالبكاء،
ليعود كل مرة، حاملًا الرفض نفسه.
الهواء ؛
يمر على وجهي مثقلًا، كأنه يحمل أنفاس الذين ماتت مشاعرهم واقفين.
أشعر به.
أشعر أنه يعرفني.
يعرف عدد المرات التي وقفتُ فيها أمام الناس بوجهٍ هادئ، بينما كانت روحي تتهاوى في الداخل بهدوءً يليق بمدينةٍ كهذه.
في مدينتي ،
الأرصفة تملك حق البكاء.
كل مساءٍ أراها مبللة.
أعلم أنها لم تبتل بالمطر.
بل بمن مروا فوقها حاملين أعمارًا كاملة، ولم يجدوا مكانًا يضعون فيه أحمالهم.
مدينتي التي يمنع فيها البكاء
هنا…لا يُكسر الانسان …
لكنهُ يُدرَّب على إخفاء صوت انكساره.
هنا، إن سقط قلبك، عليك أن تلتقطه قبل أن يراه أحد.
إن ارتجفت روحك، فارتجف إلى الداخل.
وإن امتلأت عيناك، فارفع رأسك حتى تعود الدموع إلى مكانها.