اختبرت ذات يوم تجربة اقتراب الموت، لم أستطع إخراج صوتي لأنني فقدت القدرة على التنفس، كنت أسمعه في داخلي، خلال جسدي، أفتح عيني بشدة -ليس من ألم- بل لمحاولة الحصول على بصر من حديد. كنت أبحث عن رسل الموت وفلاشات الذاكرة. لم أرى سوى ضوء أبيض. أبيض ساطع لدرجة العمى.
أكره الأبيض.
لا أتحدث عن ماضيّ بأي طريقة. توقفت عن فعل هذا منذ ثلاثة أعوام تقريبا. أعيش حاضري المكثف المضغوط حتى التخمة.
فوجئت الأمس بنفسي أتحدث عن أحداث ماضية، شعرت حينها أن تلك الأنا ليست لي. هذه شخصية أخرى، وجه آخر. ارتبكت، ما عدت أعرف كم كبرت، أو كم نسيت.
منذ تلك اللحظة، أنا ظل سمردياكوف الذي اخترق الحائط، أرتعش في ظل اللهب الراقص للشمعة، لا تتلفني رطوبة الجدار العفن، تذيبني مأساة صوفيا، وأضل في جنون راسكولينكوف. لا يجب رمسنة المأساة، ومع ذلك، هذا ما يجعلها مقبولة، ويكسبنا القدرة على التجاوز.
هل يصدق حدسنا عندما نشعر بارتباط مصيرنا بقصة ما، أو حدث؟ أشعر بهذا منذ لحظة تكون وعيي، أنني أرتبط بقصة محددة. لا أستطيع حتى الآن معرفة كيف، لا أستطيع ملاحظة أوجه تشابه. لكن، على الأقل، هذا الظن يواسيني.
زميلة العمل تخشى أن تفصح عن نفسها، تتوتر عندما تتحدث عما تحب لأنه عادي وتقليدي وقديم، أظن أنها لا تستطيع التأقلم على هذه السرعة. نحن أيضا لا نستطيع التأقلم، لكن، أظننا لا نهتم.
يذكرني الطريق بك، بوقتي الضئيل معك، بالمرات المحدودة التي رأيتك فيها. ومكان عملي، حيث التقينا للمرة الأخيرة قبل ذهابك للأبد، أرى به ظلك.. بقميص أبيض، هادئ كما كنت، تنظر إلى بعيد، وقد قل كلامك، وكثر صمت، وامتلأت وحشتك أنسًا، ونحن لا ندري.
أخاف من التصديق الكامل أثناء عيش لحظات طيبة، ليس هذا من باب سوء الظن، لكن، من معرفة داخلية أن هذا فيض وكرم الله علي، وليس لأني أستحقه.
أخاف طول الوقت ألا أكون من الشاكرين.
تناولت قهوة منكهة هذا الصباح، بدا كل شيء هادئ، لأن أمي سمحت أخيرا بفتح النافذة دون الخوف من الغبار. أقايض كل عمري مقابل أن يضئ نور الشمس عينيّ فور الاستيقاظ من النوم.
اليوم،
لا كآبة.
على الأقل سأحاول :)