لهذا تبدو الحياة شديدة التعقيد لمن فقد مبدأه؛ فالمبدأ لا يمنحك الإجابات بقدر ما يضع حداً للأسئلة. أما حين يغيب، يصبح كل شيء ممكناً، وكل شيء مرغوباً، وكل شيء ناقصاً في الوقت نفسه. وعندها لا يعيش الإنسان بين ما يحتاجه وما يريده، بل بين ما هو عليه وما أُقنع بأنه يجب أن يكونه.
ليست مأساة الإنسان المعاصر أنه يستهلك كثيراً، بل أنه بات يطلب ذاته من الأشياء التي يستهلكها. كلما ظنّ أنه اقترب من الاكتمال، اكتشف أن ما ناله لم يكن سوى وعدٍ جديد بالنقص. ولهذا لا تتوقف الرغبة؛ لأنها لم تعد تبحث عن شيءٍ محدد، بل عن فراغٍ لا يعرف صاحبه اسمه.
الرأسمالية الحديثة لم تَعِد الإنسان بالسعادة، بل أقنعته أن هويته مشروعٌ غير مكتمل دائماً، وأن عليه أن يشتري نسخةً أحدث من نفسه في كل مرة. وهكذا تحوّل العمر من رحلة بحث عن المعنى إلى مطاردةٍ لا تنتهي لصورةٍ مثالية تتراجع كلما اقترب منها.
في داخلي يقينٌ لا أعرف مصدره، يجعلني أعبر الاحتمالات الثقيلة بخفّةٍ لا تتناسب مع غموض الطريق. لا أعيش على أمل الأشياء، بل على شعورٍ خفيّ بأنّها ستستقرّ حيث ينبغي لها أن تستقر. ولهذا أبدو أحياناً وكأنّني أملك ضماناً سرّياً للمستقبل، ضماناً لا يستند إلى دليل ومع ذلك نادراً ما يخيب.
بالمناسبة… اليوم أتممت عاماً جديداً من الحياة. عامٌ يُضاف إلى العمر، وطموحاتٌ تكبر، وأهدافٌ تتسع، وما زلت أؤمن أن أجمل ما في الرحلة لم يأتِ بعد، وأن الوجهة أكبر من كل التوقعات.
المجهولُ ليس نقيضَ الفهمِ، بل حدُّهُ الأخيرُ. فكما أنَّ النسقَ لا يقومُ على امتدادٍ وحيدٍ صِرفٍ، لا يقومُ الوجودُ على يقينٍ ثابتٍ. وحدها الانحناءاتُ تُظهرُ المعنى، وتمنحُ المعادلةَ اتّساعَها.
@RayanMAljohani1 الكمالية ليست حبًّا للكمال، بل خوفٌ نرجسيّ من التصدّع، إذ يصنع الإنسان لنفسه صورةً مثالية، ثم يعيش مرعوبًا من أيّ شرخٍ قد يكشف هشاشتها، لأن العار أقنعه مبكرًا أن الحب لا يُمنح إلا للكامل.
الإنسانُ كائنٌ خُلِقَ على سِعة، لا على ضيق. وما يحدُّه ليس الواقع، بل الحدود التي يبنيها في عقله ثم يسكنها. فإذا اتّسع يقينُه، اتّسعت له الحياة، وإن آمن بأنّ الممكن لا ينتهي، انفتحت له أبوابٌ ما كان يراها من قبل.
أرى أن الجمال لا يقوم على تمام الاتساق بقدر ما يقوم على انكسارٍ خفيفٍ فيه، فلو جاءت الأشياء على استقامةٍ مطلقة لبهت حضورها في النفس، إذ لا تُدرك الروح معناها إلا حين يختلّ التوازن بما يكفي ليوقظ الانتباه ويمنح الوجود عمقه.
الفكر مهما اتسعت مساراته وبلغ من الدقة ما يبلغ، يظل معلقًا في فراغٍ جاف إذا لم يسنده قلب حي، فالحكمة لا تُولد من العقل وحده، بل من لحظة التقاء صامت بين صفاء الإدراك ونبض إنساني يمنح المعنى روحه.
كنت أظن أن الإلهام يسبق الفعل، لكن تجربتي كشفت العكس. كلما التزمت بالعمل رغم الفراغ، ظهر الإلهام كأثر جانبي للجهد لا كشرط له. اليوم لم أعد أنتظره، أبدأ فيأتي.