جزء كبير من حياة الإنسان يُهدَر في المقارنة بين خيارات كلها جيدة بما يكفي.. نتردد في اتخاذ القرار لأننا نخشى الندم المستقبلي: "ماذا لو اخترت هذا عن هذا"، وفي الحقيقة كل هذا وذاك جيدة بما يكفي، والفرق بينهما لا يستحق هذا العناء والتعطيل..
إِذا كُنتَ ذا رأيٍ فكُنْ ذا عزيمةٍ
فإنَّ فسادَ الرأيِ أن تتردَّدا
أحيانًا لا نكتفي بتفضيل شيء، بل نُضفي عليه بُعدًا أخلاقيًا. نُحوِّل "ما أفضِّله" إلى "ما يجب أن يكون".
هذا ما يُعرف بـ Moralizing Preferences
كأن تفضّل السفر بهدف التعرّف على الثقافات، ثم ترى من يسافر للاسترخاء أنه سطحي أو غير ناضج.
مجرد أسلوب سفر.. تحوّل إلى تفاضل أخلاقي
تعرّفتُ اليوم على مصطلح جديد وهو: المفاخرة بالانشغال Busy bragging ويطلق عليه بعض الخبراء التفاخر بالإجهاد Stress bragging. هذه الظاهرة تزايدت في العصر الحديث، ونلاحظها في كثرة الحديث عن أعباء العمل والتباهي بالمهام حتى البسيطة منها، وفي الوقت نفسه لا ينجز أولئك بقدر ما يتحدّثون. صار الكثير من الناس يبالغون في التعبير عن درجة انشغالهم وعدم قدرتهم على إيجاد الوقت لأي عمل إضافي، في حين أن انشغالهم لا يتعدّى كونه ظاهريًّا.
وجدوا عدّة أسباب وراء هذه الظاهرة، منها ربط القيمة الذاتية بدرجة الانشغال، الأمر الذي يدفع الشخص إلى التظاهر بالانشغال تجنّبًا للشعور بأنه بلا قيمة. فأن يكون مشغولًا يعني أنه شخص مهم، وكلما قلّ انشغاله قلّت أهميته، وزادت القدرة على الاستغناء عنه، وهذا ما قد يؤدي إلى شعوره بانخفاض في تقدير الذات.
وقد يكون ادّعاء الانشغال وسيلة للتهرّب من تحمّل المسؤوليات، أو استلام مهام، أو حجة للمتلّص من المناسبات والالتزامات الاجتماعية. أو يكون الدافع هو الرغبة في الاندماج بالمجتمع، في محاولة لخلق انتماء إلى جماعة مشغولة.
وفي بعض الحالات يكون هذا الانشغال مجرّد وهم نفسي، فالشخص يشعر بالانشغال وضيق الوقت، لكن السبب يعود إلى سوء إدارته للوقت وفشله في تنظيم المهام اليومية.