اللهم ارحم من فقدنا رحمة واسعة ، واغفر لهم ، وأنر قبورهم ، وآنس وحشتهم ، واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة.
اللهم اجعلهم من أهل الفردوس الأعلى ، واكتب لهم من دعاء المحبين نورًا ورحمةً ورفعةً في درجاتهم.
كلما ابتعد القلبُ عن الله،رأى أن الحياة جافة المعنى؛ركض خال من دوافع العيش،وسير متخبط ،وظمأ لا تكاد ترويه بحار الدنيا،كل ذلك لا يرويه إلا تحقيق توحيد الله،والقرب منه؛بأن يعود هذا القلب إلى رحاب ربه، خالقه، ومدبر أمره،وملاذه الآمن.فهو تعالى أعلم بما يؤنسه وينجيه من ثقل هذه الحياة!
مهما ضاقتْ الدنيا بك، لا تنس أن الله لا يخلق أبوابًا بلا مفاتيح، ولا عسراً بلا يُسر، إنه فقط يمتحنُ عباده ليطرقوا بابه، بابه وحده سبحانه، ومتى ما رأى الله تعالى أنْ لا أحد أكبر منه في قلب عبده أَذِن له بالفرَج، فعلِّقُ قلبكَ بالله.
يقول ابن القيم رحمه الله:
« أن الرب سبحانه وتعالى لا يمنع عبده المؤمن شيئًا من الدنيا إلا ليؤتيه خيرًا منه وأنفع له
ولكن العبد لجهله بمصالح نفسه، وجهله بكرم ربه جلَّ وعلا وحكمته ولطفه، لا يعرف التفاوت بين ما مُنع منه وبين ما ذُخر له، بل هو مولع بحب العاجل وإن كان دنيئًا »
توفي قبل أيام العمّ الفاضل الشيخ محمد بن عبد الله المفلح - رحمه الله - .. ومِن حقّه عليّ - وهو مِن الأعمام في أُسرتنا الكُبرى - أنْ أشير إلى شيءٍ من سيرته العطرة، وفضائله وآثاره .. وأنا أعلم يقينًا أنه لن يقبلَ ثناءً أو مَدحًا منّي أو مِن غيري لو كان حيًّا يَسمع ما يُقال عنه.
عرفتُه - رحمه الله - متواضعًا عفيفَ اللسان هادئَ الطبع، رزينًا تجري الحكمة على أقواله وأفعاله.
جمَعَتْه بوالدي - رحمه الله - علاقةُ قَرَابة وودّ وأُلْفة ومحبّة، فلا أذكُر أنه جاء ذِكْرُه عند والدي إلا أثنى عليه ثناءً كثيرًا، وعَدّد محاسنَه وحِرْصَه على أُسرته وجمَاعته وأقربائه.
كُلّ مَن تعامَل معه - رحمه الله - وجَدَ عنده كرمَ النفس، وطِيب الخُلُق، وحبّ الخير، ونَفْع الناس .. يذكُرُ الأستاذ عبد الله الفصيلي - مستشار سمو أمير منطقة عسير - أنه زامَلَه في ديوان الموظفين أواسط التسعينيات الهجرية السبعينيات الميلادية وما بعدها - وكان الشيخ محمد آنذاك رئيسًا لقسم الوظائف في ديوان الخدمة المدنية - فرأى فيه - رحمه الله - الجِدَّ والإخلاص في العمل، وتَفوّقه الوظيفي والإداري، ومعاملته الأخوية الحسنة لموظفيه، والحرص على توجيههم وإرشادهم، والأخذ بأيديهم كي يؤدّوا أعمالهم على الوجه الأمثل، وكان يعاملهم بصفتهم إخوة وأبناء.
ويذكر الأستاذ عبد الله أنه - رحمه الله - كان محبًّا لموظّفيه كريمًا معهم، ويسعى إلى تشجيعهم ودعمهم وتكريمهم، فلم يُعرَف عنه أنه رَدّ طلبَ أحد، أو وقف في طريق أحد، وكان دائمًا ما يقول:(الموظف أبخص بمصلحته) .. كان - رحمه الله - يُراعي الجانب الاجتماعي مع موظفيه، ويحاول دائمًا أنْ يَخرج من رِبقة العمل الوظيفي، فلا تكاد تمُرّ مُدّةٌ من الزمن إلا ويدعو كافّة موظّفيه إلى وليمة في بيته أو أحد المتنزّهات، وكان يَتكفّل بالوليمة وحدَه، ولا يسمح لأحد أن يُشاركه فيها، ويستمرّ في هذه المناسبات عدة مرّات في السنة.
الشيخ محمد - رحمه الله - مِن خريجي كلية الشريعة بالرياض، ووفقه الله لتَسنُّم عددٍ من الوظائف المهمة في القطاع الحكومي، وآخرها تكليفه مديرًا عامًّا لشؤون الموظفين في مجلس الأمن الوطني على مرتبة عالية، وبَقِي فيها حتى تقاعده - رحمه الله - عام 1430هـ .. وكان له دور كبير في تطوير هذه الإدارة التي أمضى فيها عشرين عامًا، حيث طوّر إجراءاتها وأنظمتها، واسْتقطب لها الكفاءات، وكان يَهتمّ في كلّ ما فيه مصلحةٌ لموظّفي المجلس، ويتابع ترقياتهم الوظيفية، و تنقّلاتهم، وحتى معاملات نهاية خدمتهم وحقوقهم التقاعدية .. وكان يُكلّف مندوبًا من المجلس لمتابعتها وإنجازها، وفي أحايينَ كثيرة يذهب بنفسه إلى وزارة الخدمة المدنية آنذاك لمتابعة معاملاتهم المتأخرة .. وهذا بلا ريب من إخلاصه وحسن عطائه وبَذْله - رحمه الله -.
لن يبقى للإنسان بعد موته إلا الذِّكْر الحسن، ولعل الشيخَ محمدًا مِن هؤلاء الذين أمضوا حياتهم في طاعة الله، وسَخّروا أنفسهم في خدمة الناس ورعاية مصالحهم فيما استرعاه اللهُ عليه من أمانة الوظيفة التي تحمّلها، ونرجو أنه أدّاها على ما يرضي الله تعالى، فرحمه الله رحمة واسعة، والعزاء لأبنائه وبناته وزوجته وأُسرته الكريمة.
الحمد لله على زوال الشدَّة؛ فما بعد الضيق إلا الفرج، وما بعد العسر إلا يسر، خزائنه لا تنفد، وخيره واسع، فلا تقف متحسراً على أبواب أُغلقت، وفرص فاتت، مادمت تؤمن بخير الله وجبره، وقدرته، وفضله الذي لا راد له، فلن تخيب ولن تعود إلا والخير الذي يسرّك ملء يدك، بقلبٍ مجبور وروحٍ راضية.
الحمدلله الذي يُنعم ويتفضل ويُكرم ويحمي ويُعطي، ويفتح على قلب المرء ويجبر كسره، ويطلّع على سريرته فيصرفُ عنه ما أهمّه، حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه.
فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت.
اللهُمَّ أصلح دِيننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، ياحي ياقيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
من ألطاف الله على الإنسان أنْ يَصرف عنه من الشرورِ ما يسعى إليه بنفسه ، ويُجاهد في الحصول عليه، والوصول إليه، وكُلَّما فتح إليه بابًا سَدَّهُ اللهُ في وجهه بما لا يخطر له على بال؛ فحينئذٍ يوقِن العبدُ أنَّ المقادير أسرار، وأنَّ ألطاف الله الخفيَّة نعمةٌ تُشكَر.
اللهم أبعد عنا صحبة السوء، وكل من قصد الفتنة أو أراد الإفساد، واصرف عنا أصحاب الآراء والمقترحات التي تضرنا في ديننا أو دنيانا، وارزقنا صحبةً صالحةً تعيننا على الخير وتدلنا عليك.