سيأتي يومٌ تخفت فيه كلُّ أصوات الدنيا،وينطفئ من حولك ذلك الضجيج الذي استنزف قلبك، وتغادر كلَّ ما ألفتَه ومضيتَ خلفه، متوجّهًا إلى لقاء الله… فردًا، لا تحمل معك إلا ما قدَّمت.
وحينها ستتكشّف لك الحقائق كاملة؛ فكم من معركةٍ ظننتها مصيرية، لم تكن إلا حدثًا عابرًا، وكم من خصومةٍ أرهقت روحك، لم يكن لها في ميزان الآخرة أيُّ وزن، وكم من انشغالٍ سرق أيامك وأبعدك عن الاستعداد لحياتك الحقيقية.
فلا تنتظر لحظة الرحيل حتى تدرك ذلك متأخرًا؛ أدركه الآن، وأنت لا تزال تملك مهلة العمل، وفرصة التوبة، والقدرة على إصلاح ما مضى.
خفّف تعلّقك بما يفنى، واعمُر آخرتك بما يبقى: بصلاةٍ خاشعة، وتوبةٍ صادقة، وقلبٍ نقي، وكلمةٍ طيبة، وأثرٍ من الخير لا ينقطع.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
لا سكينةَ إلا بك، ولا تعويل إلا على جُودك، ولا سعادةَ إلا منك، أنت الذي لولا فضله ورحمته لهُتِكت أستارنا، وفُضِحَتْ أوزارنا، وأظلمت أنوارنا، لا إله إلا أنت، أنت البر الرحيم، الحَيِيُّ الجميل الكريم، سبحانك وبحمدك لا نُحصي ثناءً عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسك.
"ما أفلتُّ يدًا صافحتني
ولا تركتُ نفسًا ناصَفَتني
ولا هجرتُ مكانًا فيه مُحبٌّ
فإنَّ أصحابي قِلَّة، وحرصي عليهم اعتقادٌ ومِلَّة
وأعلمُ أنَّ العِوَض قليل، والأيام عجلى
ولا أوحش من انفراد بعد اجتماع
ولا أمرَّ من اشتياق بدل التلاقي
وأنَّ الطريق أكدارٌ لا يقِيك فيه إلا من صفا"
شيء من نعيم الدنيا أن تدرك منزلتك في عين من تحب، وتعلم أنه يحمل في قلبه مثل ما تحمل، ويشعر بمثل ما تشعر، فيكون الحُبّ بينكما كفافًا متكافئًا لا عليك ولا لك