ستبلُغ من النضج ما يُغشّيك حكمة المُسنين، حينها سيغمُرك الرِّضا تماماً، وتكُفّ عن القتال، لا تستهويك الأضواء، ولا تُغريك الكثرة، توَدّ لو تترك بصمتك في حياةِ كُل من مررت بهم، تنوي الخير وتفعله؛ رجاءَ أن تُرفع من أجلكَ الأكُف يوماً ما.
سيأتي يومٌ تخفت فيه كلُّ أصوات الدنيا،وينطفئ من حولك ذلك الضجيج الذي استنزف قلبك، وتغادر كلَّ ما ألفتَه ومضيتَ خلفه، متوجّهًا إلى لقاء الله… فردًا، لا تحمل معك إلا ما قدَّمت.
وحينها ستتكشّف لك الحقائق كاملة؛ فكم من معركةٍ ظننتها مصيرية، لم تكن إلا حدثًا عابرًا، وكم من خصومةٍ أرهقت روحك، لم يكن لها في ميزان الآخرة أيُّ وزن، وكم من انشغالٍ سرق أيامك وأبعدك عن الاستعداد لحياتك الحقيقية.
فلا تنتظر لحظة الرحيل حتى تدرك ذلك متأخرًا؛ أدركه الآن، وأنت لا تزال تملك مهلة العمل، وفرصة التوبة، والقدرة على إصلاح ما مضى.
خفّف تعلّقك بما يفنى، واعمُر آخرتك بما يبقى: بصلاةٍ خاشعة، وتوبةٍ صادقة، وقلبٍ نقي، وكلمةٍ طيبة، وأثرٍ من الخير لا ينقطع.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
"يُؤتكم خيرا مما أُخذ منكم"
ثقل خطوتك وأنت تبتعد عن محبوب لا يحبه الله، وتصبرك في الابتعاد وأنت تدرك قسوته على قلبك الذي يألفه، لن يغفل ربي عن حشرجة الوجع في صدرك؛ بل سيقيم عودك ويمسك بقلبك حين يضعف، فالعوض غيث يروي يباس روحك، وأيام تسرّك وتنسيك ألمك، ورضا يمسح عن قلبك كل ما مضى.
@i7B77 بقدر حسن ظننا بالله؛ سيؤتينا ويرضينا ويعوضنا بجناته مع أهلنا وأحبابنا بإذن الله، الحمدلله أننا مسلمون ومأجورون على ما نكابده في هذه الدنيا، فاصبروا وتفاءلوا.🙏🏼
يقول الشاعر منصور الرمالي الله يرحمه:
وحال الممات ولا حصل نقضي الدين
والحضن دونك واحــد ٍ واقــف ٍلــــه
مري شمال أن كان ودك تمــرين
مري على قبري وشـــوفي محلـه :(
مؤخراً؛ تملكتني رغبة عارمة في إسكات صوت العقل والضمير، وأن أترك العالم خلف ظهري لألتقيك؛ أن تغمُر يديّ بدفئ قبضتك دون قيودٍ كما كنتَ تتمنى. لكن رحمة الله بنا حالت دون ذلك؛ لم أدرك حينها أن خلف تلك الرغبة كان يكمن شعورٌ بمرارة الوداع، وأن تلك اللحظة ستكون الأولى والأخيرة.
"تظلُّ مواساتنا الباقية حين تتكدّر مشارب العمر، وتحلّ ساعة العسرة: أنك العزيز المتعال، والقريب في كلّ حال، عونك الملاذ الوحيد، وحمايتك الأمان الثابت، تعلم ياربّ ما لا يحيط به دعاء، وما وراء الوراء، وأقصى ما نصبو إليه من غاية ورجاء، سبحانك وبحمدك!"