من أعمق دروس الحياة أن نقاء سريرتك لا يضمن لك صدق نوايا الآخرين، وأن ولائك المطلق لا يلزم أحداً بالوفاء، ممكن تبذل من روحك كثير وتكون السند إذا احتاجوا اليك، لتتفاجأ بأنهم عند انقضاء الحاجة تتبدل الوجهة ويمضون بلا التفاتة، لذلك دع نبلك ينبع من أصالة معدنك ورقي أخلاقك، ولا تجعله تجارةً تنتظر من الناس سداد ثمنها.
يقال قديماً إذا اشتهى القلب ساق القدم، فلا تعاتب أحدًا، المسافة تُقاس بالرغبة لا بالأميال، ومن أرادك حقاً طوى الأرض وتجاوز الأعذار ليصل إليك، فمتى ما صدقت المودة هانت المشقة.
من الطبيعي أن يتحول الشخص إلى ألد أعدائك بمجرد أن تكشفه على حقيقته، فأنت عندما تجرده من قناعه الذي يتعايش به مع الناس، تكون قد عريته تماماً أمام نفسه، فلم يتبقَ منه سوى السوء الذي كان يجهد في إخفائه.
لو تلاحظ في مجال الأعمال أن كريم النفس إذا وهبه الله سلطة جعلها ظلاً يحتمي به الآخرون، وأما دنيء النفس فيجعلها سوطاً مسلطاً لإشباع نقصه وإذلال من دونه، السلطة ياعزيزي لا تغير أخلاق الناس، بل تكشف معادنهم على حقيقتها.
من ترك الأصيل باختياره، أذلته الحياة بالرديء رغماً عنه، فما أشد تأديب الأيام حين تعلم المرء قيمة النعمة بعد أن فرط فيها، وحين تريه ثمن الاستخفاف بما لا يُعوض.
ستخبرك الايام ان التنازل المستمر يورث الشعور بالاستحقاق لا الامتنان للعطاء، فالوفاء لا يُلقن، ولا الضمير يُدرس، ولا العشرة تُحشم، مساومتك بكرامتك لن تحيي ضمائرهم، وأسوأ خسارة للانسان ليست فقدان شخص، بل عمر تهدره لتثبت قيمتك لمن لو أشعلت له أصابعك لن يراك إلا راقصاً .. لا تحترق.
في الحياة تبقى المراعاة هي الدليل الأصدق على حقيقة من حولنا، إن أردت معرفة من يودك بصدق فراقب من يراعي انطفاءك قبل توهجك، ومن يزن كلماته وأفعاله خشية أن تؤذيك، المراعاة خيط رفيع يفصل بين من يضعك أولوية لأنك تعنيه، وبين من يتخذك جسراً ليعبر نحو رغباته، غير آبهٍ بما يتركه فيك من أثر.
من أشد أنواع الاستنزاف أن تمضي عمرك في ترميم خراب لم تصنعه، وتبرير افعال لم ترتكبها، اسأل نفسك هل نحن نعيش حقاً لنحيا، أم نكافح فقط لننجو ؟، توقفوا عن التأقلم مع أشياء لا تشبهكم .. وتخلوا عن ثقافة التأقلم مع مالا ينتمي لأرواحكم فالعمر يا اصحاب مرةً واحدة، لا تضيعوه كمحطات اصلاح.
نفسية أبنائك أهم من أي درجة، وغرس الثقة فيهم أبقى من أي شهادة،المدارس تمنحهم مفاتيح المعرفة، لكن أنت من يمنحهم صلابة الروح، لا تطفئ نورهم الداخلي بحثاً عن تفوق أكاديمي مؤقت، فالأرقام تُعوض، والشهادة تُكتسب، لكن الكسور النفسية لا تُجبر بسهولة، الناجح الحقيقي هو من يمتلك ثقة ترجعه للقمة، ونفسية سوية تسنده إذا تعثر.
كل من تلقى طعنةً في موضع أمانه، سُلبت منه نعمة الطمأنينة للأبد، فلا يعود قلبه يثق في أي وجه، ولا يسكن لأي مأمن، وكأن الخذلان قد أصاب روحه بالريبة من كل شيء في هذه الحياة.
من عجائب التدبير الإلهي، أنه إذا أحب الله أن يُعلي مقامك، قد يسخر لك حُساداً يذكرونك بالسوء أينما حلوا، يبذلون أقصى طاقاتهم للتقليل من شأنك وتصغيرك، ونسوا أن الخالق يجعل من مكرهم سلماً لنجاحك، هم يغرقون في وحل الإساءة والناس تكرهم، وأنت في كل مرة تُعرف وتكبر وتسمو أكثر.
مانفع أن تتسع ابتسامتك للغرباء وتضيق بها جدران بيتك، وما قيمة مديح الناس لك، بينما ألسنة أقرب الناس إليك تشتكي منك، أسهل ما يُتقن المرء ارتداء قناع اللطف أمام الناس، فالغرباء لا يرون منا إلا ما نختار أن نظهره لهم، لكن الاختبار الحقيقي للأخلاق يكمن عند أهل بيتك، خلف الأبواب المغلقة .. خيركم خيركم لأهله.
بعد تجارب العمر ومتاهات الدروب بتعرف إن كثر العطاء مع اللي ما يقدر ينقلب ضدك ويصبح مع الوقت واجب عليك، واليوم اللي تقصر فيه ينسون كل طيبك وتصبح أنت المخطيء الوحيد، حط مجهودك وتضحيتك في مكانها الصحيح ومع أهلها، وإلا بتصحى يوم وتلقى كل اللي قدمته صار في خانة الخسارات التي لا تُعوض.
القضية ليست قضية عيش وملح، ولا هي بطول العشرة وحجم الذكريات، القضية مواقف تُثبت، ونفوس إذا حضرت أراحت، وإذا غابت ما أوجعت، فليس كل من طال قربه دام وده، ولا كل من بعُد قل قدره، فالناس تعرف عند الشدائد .. لا عند الموائد.
قد لا يعودون معتذرين إليك، ليس لأنك لا تستحق، بل لأنهم يدركون فداحة الخطأ بحقك، ويعلمون جيداً أنك لم تكن تستحقه أصلًا، فالأسهل عليهم أن يكذبوا على أنفسهم، وأن يجعلوك أنت المخطئ وهم الضحايا، الاعتراف بالحق ومواجهة النفس تحتاج أكفاء، وليس كل أحدٍ قادرًا عليها.
كل فترة من عمرك يلزمها تصفية، علاقات مسمومة، صداقات استغلالية، ناسٍ مستنزفة تاخذ ولا تعطي، تخرج منها بهدوء وتبعد بوعيٍ لا بعداوة، تحفظ كرامتك قبل ذكرياتك وتفهم أن القلوب مو مكبات، راحتك أغلى من أي علاقة ما فيها توازن، والقوة ليست في كثرة ما نحتفظ به بل في شجاعة مانختار أن نغادره.
لا ترضى على نفسك أن تكون مرحلةً مؤقتة، ولا نقطة عبور، ولا تعويضًا عن مفقود، لا تقبل بدور الظل من اجل المحبة، ولا تكن فراغاً يملأ ثم ينسى، ولا تُفرغ روحك كاملة لمن لا يمنحك بعضه، فالبُخل أحيانًا لا ينتقص من كرمك، بل يحفظ لك كرامتك.
عندما تنتهي حكايتك مع إنسانٍ اخر، لا تنتظر منه عدلًا في الرواية، سيقص منها ما يُنقذه، ويسقط عليك ما يُدينك، ليخرج بريئًا، وتبقى أنت المذنب في الحكاية، انتبه دائماً للشق الذي تسمعه ولا تنخدع بما يُقال، فأنصاف القصص أقسى من الكذب، وأسهل طريق لتشويه الحقيقة.