«لو اجتمعت للمرء كل أشكال المواساة، وتنوّعت عليه ألوان السلوى، واللهِ ما لامسَ قلبه شيءٌ أحنُّ من يقينه بأن الأمر كُلّه لله، وأنه ما دام في ظلِّ عنايته تعالى فلن يخيب، وأنه وحده سبحانه المتولّي لأمره، والجابر لكسره، والكافي لهمّه »
قال ابن مسعودٍ:
«إنَّ لله عبادًا يُحييهم في عافية، ويُميتُهم في عافية، ويُدخلُهمُ الجنَّة فِي عافية».
اللهَّم أجعلنا منهم
ولا تحرمنا لذة قربك، واجعلنا من السعداء في الدارين، الفائزين برضاك وجنتك🤍.
لو علمنا كيف يُدبِّر الله أمرَنا، وكيف أنه تعالى مُحيطٌ بتفاصيل شأننا، وأن أحدًا لا يخرج عن هيمنةِ تصريفه للكون إلا بإذنه ومشيئته.. لاحتقرنا الأسباب التي قدَّسناها كثيرًا؛ فلم نرفعها فوق اشتغال جوارحنا بها فحسب، وجعلنا اعتمادَ قلوبنا على الله وحده .
لو سألت معظم الناس: لماذا لا تنجزون ما تتمنون إنجازه؟ لكان الجواب الغالب: لا نجد وقتًا.
لكن اللافت أن الدراسات التي تناولت بيئات العمل الحديثة تشير إلى أن المشكلة ليست في قلة ساعات العمل بقدر ما هي في تشتت الانتباه. فالإنسان المعاصر يتعرض كل يوم لعشرات المقاطعات من رسائل وإشعارات ومكالمات واجتماعات، حتى أصبحت القدرة على التركيز المتواصل من أندر المهارات في هذا العصر.
ومن هنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: نحن نعمل أكثر، لكننا لا ننجز بالضرورة أعمالًا أكثر قيمة.
وقد لخص خبير الإدارة الشهير بيتر دركر هذه الحقيقة حين قال: «ليس المهم أن نفعل الأشياء بطريقة صحيحة، بل أن نفعل الأشياء الصحيحة.» فالكفاءة وحدها لا تكفي، إذا كانت تُبذل في أعمال لا تستحق كل ذلك الجهد.
وهذه الحقيقة ليست جديدة في ثقافتنا الإسلامية. فالقرآن لا يدعو إلى مجرد كثرة الحركة، وإنما يوجه إلى حسن توجيه الجهد. يقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، ولم يقل: فاستبقوا الأعمال. فالخير هو العمل الذي يملك قيمة، ويحقق نفعًا، ويستحق أن تُبذل فيه الأعمار.
ومن أكثر ما تعلمته مع مرور السنوات أن كثيرًا من الناس يخلطون بين العاجل والمهم. فالرسالة التي وصلت الآن تبدو عاجلة، لكنها قد لا تكون مهمة. والاجتماع قد يملأ ساعتين من اليوم، لكنه قد لا يضيف شيئًا إلى مشروع الحياة. أما القراءة العميقة، وبناء المهارات، وتربية الأبناء، وصناعة الأفكار، فهي أعمال لا تصرخ في وجوهنا كل صباح، لكنها هي التي تصنع مستقبل الإنسان.
ولعل هذا ما يفسر أن الإنجازات الكبرى في التاريخ لم تكن ثمرة حياة مزدحمة، وإنما ثمرة حياة مرتبة. فالإمام الشافعي لم يصبح إمامًا لأنه كان أكثر الناس انشغالًا، وإنما لأنه عرف كيف يحرس وقته. والإمام النووي ترك هذا التراث العلمي العظيم في عمر قصير نسبيًا، لا لأنه مُنح ساعات أكثر من غيره، بل لأنه أحسن توجيه كل ساعة أُتيحت له.
ولهذا، فإن أخطر ما يسرقه التشتت من الإنسان ليس يومًا أو أسبوعًا، بل قدرته على بناء مشروع طويل المدى. فالإنجازات العظيمة لا تُولد من الأعمال المتفرقة، وإنما من جهدٍ صغير، يتكرر في الاتجاه الصحيح سنوات طويلة.
إن السؤال الذي يستحق أن نفتتح به يومنا ليس: ما الذي سأفعله اليوم؟ وإنما: ما العمل الذي لو واظبت عليه خمس سنوات، لتغيّرت به حياتي؟ فالإجابة عن هذا السؤال تكشف الفرق بين من يستهلك أيامه، ومن يبني عمره.
قد ازددت يقينًا أن الإنسان لا يفشل غالبًا لأنه قليل العمل، وإنما لأنه يوزع عمره على أعمال كثيرة، لا يجتمع منها مشروع، ولا تتكون منها رسالة. أما الذين يتركون أثرًا في الحياة، فقد امتلكوا شجاعة الاختيار، وشجاعة ترك ما هو أقل أهمية، ليمنحوا أعمارهم لما يستحقها.
د. عبد الكريم بكار
سيأتي يومٌ تخفت فيه كلُّ أصوات الدنيا،وينطفئ من حولك ذلك الضجيج الذي استنزف قلبك، وتغادر كلَّ ما ألفتَه ومضيتَ خلفه، متوجّهًا إلى لقاء الله… فردًا، لا تحمل معك إلا ما قدَّمت.
وحينها ستتكشّف لك الحقائق كاملة؛ فكم من معركةٍ ظننتها مصيرية، لم تكن إلا حدثًا عابرًا، وكم من خصومةٍ أرهقت روحك، لم يكن لها في ميزان الآخرة أيُّ وزن، وكم من انشغالٍ سرق أيامك وأبعدك عن الاستعداد لحياتك الحقيقية.
فلا تنتظر لحظة الرحيل حتى تدرك ذلك متأخرًا؛ أدركه الآن، وأنت لا تزال تملك مهلة العمل، وفرصة التوبة، والقدرة على إصلاح ما مضى.
خفّف تعلّقك بما يفنى، واعمُر آخرتك بما يبقى: بصلاةٍ خاشعة، وتوبةٍ صادقة، وقلبٍ نقي، وكلمةٍ طيبة، وأثرٍ من الخير لا ينقطع.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
كثيرٌ من الشباب يسأل نفسه:
ما هو المشروع الذي سأكرس له سنوات عمري؟
والجواب عن هذا السؤال أخطر من السؤال عن الوظيفة، أو الراتب، أو التخصص.
لأن الإنسان قد ينجح في مشروعه...
ثم يكتشف بعد عشرين عامًا أنه كان يصعد السلم الخطأ.
لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ يُعظِّم كل مشروع يحقق الشهرة، أو المال، أو كثرة المتابعين، حتى أصبح بعض الشباب يظن أن قيمة المشروع تُقاس بحجم الضجيج الذي يحدثه.
لكن القرآن يعلِّمنا معيارًا آخر.
قال الله تعالى:
إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ
تأمل...
لم يقل: الناجحين.
ولم يقل: الأغنياء.
ولا قال: المشهورين.
بل قال:
﴿الْمُصْلِحِينَ﴾.
وكأن القيمة الحقيقية لأي مشروع ليست فيما يعود على صاحبه وحده، بل فيما يتركه من خيرٍ في حياة الناس.
ولهذا، فإن المشروع الشبابي الحق لا يبدأ بسؤال:
كيف أصبح معروفًا؟
بل يبدأ بسؤال:
أيُّ ثغرٍ يحتاجني؟
فقد يكون ثغرك تعليم طفل.
أو إصلاح أسرة.
أو بناء مؤسسة نافعة.
أو نشر علم.
أو علاج مريض.
أو إنشاء مشروع يوفر فرص عمل للشباب.
أو الدفاع عن قيمةٍ أخلاقية بدأت تضعف في المجتمع.
فالرسالة لا تُقاس بحجمها في أعين الناس، وإنما بصدقها، وبقدر ما تدفع شرًّا أو تجلب خيرًا.
وليس كل مشروعٍ كبيرٍ عظيمًا...
كما أن كثيرًا من المشروعات الصغيرة غيّرت وجه التاريخ.
لقد بدأ تعليم النبي ﷺ في دار الأرقم بعددٍ قليل من الرجال...
لكن الله غيّر بهم العالم.
ولم يبدأ الإصلاح الإسلامي بحشودٍ غفيرة...
بل بقلوبٍ امتلأت بالوحي، ثم حملت همَّ الناس قبل همِّ نفسها.
ولهذا، فإن أخطر ما يواجه الشباب اليوم ليس قلة الفرص...
بل كثرة المشاريع التي تستهلك أعمارهم، ولا تترك بعدهم أثرًا.
إن العمر أقصر من أن يُنفق في مطاردة كل جديد.
وأثمن من أن يُستهلك في صناعة صورةٍ براقة لا تخدم حقًا، ولا ترفع باطلًا.
فإذا أراد الشاب أن يعرف قيمة مشروعه، فليسأل نفسه سؤالًا واحدًا:
لو متُّ غدًا... ماذا سيبقى من هذا المشروع؟
فإن كان سيبقى علمٌ يُنتفع به، أو إنسانٌ أصلحته، أو قيمةٌ أحييتها، أو بابُ خيرٍ فتحته...
فذلك مشروعٌ يستحق أن يُعاش له.
أما ما ينتهي بانتهاء صاحبه...
فهو تجارةٌ مع الزمن، لا رسالةٌ للحياة.
د. عبد الكريم بكار
هذه ابنتك أنت أيها المسلم
وهذه معاناتها في غزة كل يوم..
لا تنس أن تقول في دعائك في هذه الساعة المباركة من يوم الجمعة:
اللهم عليك بالصها.ينة والمنافقين الداعمين للصها.ينة
على ماذا، ومن ماذا
تخافُ وربّكَ اللهُ؟
وأنتَ بكلّ شاردةٍ وواردةٍ
من الأيّامِ.. تلقاهُ
متى من لُطفهِ ألقاك؟
متى أحببتهُ وجَفاك؟
وهل جاوزتَ ما جاوزتَ
مما كان.. لولاهُ؟
لسوف يُجيب كلّ دُعاك
ويرفعُ عنكَ كفَّ أساك
فما أشقاك
إذا استسلمتَ للدنيا
وللأوجاعِ..
ما أشقاك!
مخيف!
يجب أن نعيد ترتيب أولوياتنا وفق المنظور القرآني،
ليس بالنظر في تفضيل أعمال الآخرة على أعمال الدنيا فحسب،
بل بالنظر في التوفيق بين العلم والعمل الأخرويين!
أقولها بأعلى صوتي:
لم يُطْلَب العلمُ إلا للعمل،
انشغالنا بالعلم على حساب العمل يعتبر خسارة في الميزان الأخروي.
مأساة العصر أننا طورنا 'عاطفة استعراضية' عن بُعد، وغفلنا عن 'الواجب الإنساني' عن قرب. تجد المرء متسامحاً، لطيفاً، يكتب في الإنسانية والرحمة لعالمٍ لا يعرفه، بينما يتضايق من أدنى حوار مع والده أو صبر على خُلُق زوجته. إن اختبار الرحمة الحقيقي ليس في التعاطف الخالي من التكلفة عبر الشاشات، بل في سعة الصدر داخل حدود البيت.
د. عبد الكريم بكار