ألتفتُ اليوم إلى الوراء لأتأمّل المسافة التي صنعتُها بيني وبين ما كان يومًا عالمي.
وربما للمرة الأولى، أحدّق في ذلك الخراب البعيد بعينٍ بريئة من الحنين وخالية من الندم. أراهُ كما هو، لم يتبدّل شيء! الوجوه التي تركتها هناك ما تزال هي الوجوه، والأصوات ذاتها تكرّر النبرة ذاتها، والأنماط نفسها تعيد تدوير الحكاية، إلى ما لا نهاية. وما ظننتهُ يومًا اختلالًا عارضًا أو شيئًا قابلًا للانحسار، كان في حقيقته بُنيةً مُغلقة على نفسها.
كم من أيامي كان مهددًا بالضياع، وكم من نفسي كنتُ سأخسر وأنا أرهن نجاتي بتحوّلٍ يقع خارج إرادتي. اخترتُ في لحظةٍ ما أن أصغي إلى ذلك الجزء الحيّ داخلي؛ الجزء الذي أَدرَك قبل أن تكتمل الأدلة أن بعض الطرق لا تُفضي إلا إلى مزيد من الغُربة.
آثرتُ أن أمضي، وأن أتجاهل أصواتًا زاحمت يقيني ونازعتني وُجهتي، تركتها تتلاطم ويبتلع بعضها بعضًا حتى تلاشت.
أحدّق في الخراب من بعيد، مظلمٌ وماكر. هناك مسافة طويلة قطعتها بيني وبينه، لكن الأطول هي المسافة التي قطعتها داخل ذاتي، بيني وبين الإنسان الذي كدتُ أن أصير إليه، إنسانٌ يحمل صورتي ولا يحملني.
لديّ إيمان بمفهوم «الخيرة» من حيث الأصل، ومع ذلك أنا ضد الاستخدام التلقائي أو المفرط لهذا المفهوم وتحويله إلى تفسير جاهز يُستدعى عند كل تعطيل أو خسارة أو إخفاق، فهذا يؤدي إلى إلغاء مراجعة الأخطاء وتطوير الأداء، أو تخدير الألم بدلًا من التعامل معه، وإضفاء معنى إيجابي على أحداث لا نعرف حقيقتها بعد.
ليس من الحكمة أن نقفز فوق الحقائق ونستبدل تفسير الواقع بعبارات مريحة مثل: «كل تأخيرة فيها خيرة»، «أكيد الله صرف عني شرًّا»، «هذا الأمر ليس مكتوبًا أو مقدّرًا لي»، «لو كان خيرًا لبقي»، «هذه رسائل وإشارات كونية»… لأن هذه العبارات قد تغدو مناقضة لمقتضى المسؤولية. نحتاج أولًا إلى فهم الأسباب والظروف الموضوعية، ثم الرضا بما لا نستطيع تغييره.
نشأتُ ابنةً وحيدة لأمي. إخوتي ليسوا أشقاء لي، ويكبرونني بفارق عمر كبير، وقد غادروا المنزل وأنا ما زلت صغيرة، لذلك قضيتُ معظم سنوات تكويني معتمدةً على نفسي.
ومع ذلك لم أكن منشغلة بما لدى البنات اللاتي نشأن بين عدد كبير من الإخوة والأخوات، بقدر ما كنت أرى الامتيازات التي حظيتُ بها لكوني ابنة أمي الوحيدة، وآخر عنقود أبي. وسأظل دائمًا ممتنّة لهما، فما أخذته من هذه التجربة أكثر بكثير مما فقدت.
هذه النشأة علّمتني الاستقلال في شخصيتي وتفكيري وقراراتي، منحتني المساحة لأكتشف ذاتي بعيدًا عن التأثر بالآخرين. علمتني كيف أتعامل مع الوحدة التي يخفق الكثير من الناس في التعامل معها. كتبت مرة مقالة بعنوان "وحدة دافئة" وصفتُ فيها تلك الوحدة التي لم تكن لتتشكل بهذا العمق والسكينة لو نشأتُ وسط ضجيج دائم.
واليوم أرى أثر ذلك بوضوح. وُفِّقت في حياتي الأسرية والمهنية، وفي بناء شبكة علاقات رائعة ومميزة. لذلك لا أعتقد أن المسألة تتعلق بكون الإنسان نشأ بين إخوة كثيرين أو وحيدًا، بقدر ما تتعلق "بالعقليّة" التي ينظر بها إلى ظروفه. فبإمكان الشخص أن يقضي عمره متحسرًا على ما فاته، وبإمكانه أن يبني مما لديه حياة ممتلئة.
ويبقى سؤال أخير: هل كل من حظي بإخوة حظي فعلًا بما يتمناه منهم؟
بعض الإخوة ابتلاء نسأل الله السلامة.
من أكثر المشكلات التي أواجهها في هذه المنصة أنني بعد نشر أي فكرة بدقائق أكتشف جملة كان يمكن أن تكون أجمل، أو فكرة كان بإمكاني اختصارها، أو تكرارًا لم أنتبه إليه قبل النشر..
ثم تأتيني رغبة ملحّة في حذفها وإعادة نشرها، ومن هنا تبدأ دائرة الوسواس🙂↕️👏🏼.
من أكثر الأوهام التي رسختها ثقافة الاقتباسات والتنمية الذاتية أن مجرد معرفة القيم يعني امتلاكها، وأن الإيمان بالمبدأ أو القدرة على شرحه دليل على القدرة على تجسيده.
والحقيقة أن القناعة ليست وحدها من تصنع السلوك، وإنما تتدخل معها بنية الشخصية، والقدرة على تنظيم الانفعال، والخبرات المبكرة، والعادات، والمهارات النفسية، وحتى مقدار الوعي بالذات.
فكم من إنسان يصدق في إيمانه بالمبدأ لكنه يعجز عن حمله حين يصبح مكلفًا؛ يؤمن بالرحمة حتى يغلبه غضبه، وبالحوار حتى تستفزه ذاته، وبالعدل حتى يقف في موضع الخصم، وبالتواضع حتى يُنتقد، وبالعفو حتى يُجرح، وبالحقيقة حتى تكون على غير هواه، وبالمسؤولية حتى يخطئ، وبالمرونة حتى يخالفه الواقع، وبالتغيير.. ثم يقاومه عندما يبدأ من نفسه.
وتبقى أصعب رحلة يخوضها الإنسان أن يصبح أهلًا لما يؤمن به.
والله المستعان، والله يصبرنا على النفس وتعقيدها.
ينبغي أن نفرّق بين الاعتراف بالخطأ، والاعتذار عنه، وتحمّل مسؤولية الخطأ وهو النموذج الأكثر نضجًا.
الاعتراف بأن ما حدث كان خطأً لا يتضمّن بالضرورة ندمًا أو استعدادًا لإصلاح ما حدث. والاعتذار يضيف بُعدًا أخلاقيًا وعاطفيًا لكنه لا يعني دائمًا أن الشخص سيتحمّل تبعات أخطائه. أما الشجاعة الحقيقية تكون في قبول النتائج المترتبة على الخطأ والعمل على إصلاحه أو تعويض المتضرر ومنع تكراره في المستقبل، وهذه هي المرحلة التي يتعثّر فيها كثيرون.
أظن أن من الممكن قراءة هذا الجدل من زاوية أخرى؛ وهي أن الهوية ليست مستوى واحدًا وإنما مستويات مختلفة.
فإذا ميزنا بينها ربما وجدنا أن جزءًا منها ينبغي أن يسبق العلاقة، بينما لا يتكشف جزء آخر إلا داخلها. وعندها قد لا يبدو ما يقوله يالوم وما تطرحه مدارس علم النفس العلائقي متعارضين بالقدر الذي يبدو عليه.
ولعل الحد الفاصل بين مستويات الهوية هو أن بعضها يُكتشف في العزلة، وبعضها لا يتكشف إلا داخل العلاقة.
فالمستوى الأول هو (نواة الهوية)، وهي ما يستطيع الإنسان أن يعرفه عن نفسه حتى وهو وحده..
كقيمه، وحدوده، وإحساسه باستمرارية ذاته، وقدرته على تحمّل قدر من الوحدة، وشعوره بأن كرامته وقيمته الإنسانية لا تتوقفان على وجود علاقة. وهذه النواة هي التي تجعل الحب اختيارًا لا مجرد احتياج وتمنع ذوبان الإنسان في الآخر.
أما المستوى الثاني فهو (الإمكانات الكامنة)، وهي صفات واستعدادات يحملها الإنسان دون أن تكون قد تجلت بعد. فقد يملك قابلية للصبر، أو الاحتواء، أو العطاء، أو الخوف، أو الانسحاب، لكنه لا يكتشفها إلا عندما تستدعيها علاقة حقيقية.
فالعلاقة هنا لا تُنشئ هذه الإمكانات من العدم وإنما تنقلها من حيز الإمكان إلى حيز الواقع.
ثم يأتي المستوى الثالث وهو (الهوية العلائقية)، وهي الجوانب التي لا يمكن معرفتها في العزلة أصلًا، كطريقة الإنسان في الحب، والغيرة، والاختلاف، والاعتذار، ومنح الأمان أو طلبه، والتعامل مع القرب أو الهجر. وفي هذا المستوى تتحدد أيضًا أي الإمكانات الكامنة تجد بيئة تسمح لها بالظهور والنضج وأيها يظل كامنًا.
فالهدف هنا ليس أن يعيد الإنسان بناء ذاته مع كل علاقة وإنما أن يكتشف كيف تعمل ذاته عندما تدخل في علاقة. وعندما تكون نواة الهوية مستقرة ويملك الإنسان مرونة نفسية كافية، تصبح هذه الاكتشافات مادة للتفاهم والنمو واتخاذ القرار، لا سببًا لذوبان الهوية أو انهيارها.
وربما عند هذا الحد يلتقي يالوم والمقاربات العلائقية أكثر مما يختلفان؛ فالحب الناضج يحتاج إلى ذات متماسكة بما يكفي، وإلى علاقة حقيقية تكشف من هذه الذات ما لم يكن ليظهر في العزلة. وعندها يغدو الحب علاقة بين ذاتين مستقلتين تنضجان معًا، لا وسيلة لتعويض هوية مفقودة.
«التجربة التي عاشها لم تكن تجربة حبٍّ، لأنه لم يكن يعرف من هو».
توقفت عند هذا السطر في كتاب «تعرية الحب» لإرفين يالوم، إذ يربط الحب بوجود هوية ذاتية مستقرة، وهذه الفرضية النفسية شائعة في أدبيات العلاقات، فضعف الوعي بالذات يجعل التجربة العاطفية أقرب إلى التعلّق أو الإسقاط أو الحاجة وليس حبًا ناضجًا، ذلك الذي يفترض حدًّا أدنى من تمايز الذات، والقدرة على إدراك الاحتياج مقابل الاختيار، ورؤية الآخر ككيان مستقل وليس امتدادًا للذات.
لكنني وجدت في هذا المنظور ما يتعارض مع النماذج التي ترى أن الهوية العاطفية ليست مكتملة مسبقًا، فهي تتشكّل أيضًا داخل العلاقات نفسها عبر التفاعل مع الآخرين المهمّين، إذ يؤدي الآخر وظيفة نفسية تُسهم في المشاركة في بناء الهوية، والإنسان في العلاقات العاطفية يعيد تعريف نفسه باستمرار وفق السياق.
[أظن أن هذه نقطة جدل بين المقاربات النفسية المختلفة في علم النفس العلائقي].
من أوضح علامات تعافي جهازك العصبي أن تتغير بوصلتك العاطفية.
فتتوقف تدريجيًا عن الانجذاب إلى الأشخاص غير الآمنين عاطفيًا ولا يعود ما يجذبك هو الغموض، أو القلق، أو الشد والجذب، وإنما الأشخاص الذين تشعر معهم أن جهازك العصبي في حالة راحة.
لا تخشى الصمت ولا تقلق من الاختلاف، ولا ترهق نفسك بمحاولات إثبات قيمتك أو تغيير ذاتك.
تشعر أنك مقبول بعاديتك فلا تسعى إلى الإبهار ولا تبحث عن الانبهار، لأن الأمان أصبح أجمل من اللهفة والطمأنينة أعمق من الإثارة.
وليس الوصول إلى هذا الاتزان أمرًا يسيرًا، لكنه من أثمن ما قد يحققه الإنسان في رحلته مع نفسه.
من أكثر صور قلة المروءة في نظري أن يتعمد الإنسان إنهاء العلاقة بطريقة تُشوّه الحقيقة، وتُحرّف الواقع، وتختزل الماضي في أسوأ ما فيه.
ينهي عملًا فيجعل كل ما عاشه فيه خطأ.
وينهي صداقة فينكر كل جميلٍ جمعهما.
وتنتهي علاقة عاطفية أو زواج، فيتحول تاريخ كامل من المودة والمواقف إلى رواية لا ترى إلا السوء.
ليس مطلوبًا أن نستمر مع كل أحد فالرحيل حق، لكن المروءة تظهر في طريقة الرحيل..
فالأصيل لا يحتاج إلى تشويه الماضي ليبرر خروجه، ولا إلى جحود الفضل ليطمئن نفسه بصحة قراره.
اللهم اجعلنا من أهل المروءة الذين إذا افترقوا أنصفوا، وإذا اختلفوا عدلوا، وإذا رحلوا حفظوا الفضل.
هناك فجوة نضج شائعة، حيث يملك الإنسان رغبة في الامتلاك دون قدرة على الاحتواء، امتلاك صداقة دون توفير أساسياتها، امتلاك منصب مهم دون قدرة على احتواء الموظفين، امتلاك عائلة مُحبة دون تغاضي وكرم، إنسان المستحيلات هذا سيهرب من كل حوار جاد عن تطوير قدرته على الاحتواء دون انشطار، يسبق الجميع للحسم و النهايات.
-لن يكلّفك الاحتواء نفسك إن كنت قد أجدت جيدا فهم نفسك وتحديد ما تريد وثمن ما تريد.
ما أعجب القلب حين يلتقي فيه صدق الأمنية بصدق الرضا.. يتسع لأمنيةٍ لم تتحقق، ولرضًا لا يتزعزع.
فلا تمحو (ليت) الحمد، ولا يُلغي الحمد أثر (ليت).. وإنما بينهما تنضج النفس؛ تعترف بأن هناك حياةً كانت تتمنى لو عاشتها، ثم تلتفت إلى الحياة التي بين يديها فتحسن عيشها.
من خلال تأملي في تأثير الأب الغائب، راودتني فكرة لم أستطع تجاوزها.. وهي أن الغياب التام قد يترك في النفس مساحة لا يملؤها الحزن وحده، وإنما قد يملؤها الخيال أيضًا.
فحين لا توجد ذكريات كافية، ولا مواقف يمكن الرجوع إليها، ينسج العقل صورة هادئة يحمل عليها كل ما كان يحتاج إليه من حماية واحتواء وسند، حتى لا يعود الأب مجرد شخص غائب وإنما رمزًا داخليًا يتحمل حملًا عاطفيًا متخيَّلًا يتسع لكل ما افتقده الإنسان في حياته.
وربما تكمن المفارقة في أن هذا الرمز على الرغم من مثاليته المتخيلة، لا يخفف وطأة الغياب بقدر ما يعيد تشكيله، حتى يغدو وجعًا يمكن للقلب أن يحمله. ومع الوقت يتحول الفراغ إلى مساحة تتخلق فيها معاني الثبات، ويغدو ما كان مفقودًا منبعًا لقوة داخلية هادئة تحمل الإنسان كلما أوشك على التعثر.
وأعتقد أن هذا الترميم الخفي قد يكون أكثر حضورًا كلما كان الغياب كاملًا أو مبكرًا أو غامضًا. فكلما قلّت الذكريات والوقائع اتسعت قدرة النفس على أن تصنع من الغياب معنى يهبها شيئًا من السكينة وربما شيئًا من القوة أيضًا.
غير أن هذا التأمل لا ينطبق على الجميع؛ فهناك من يصنع من الغياب معنى يستند إليه، وهناك من يظل يحمله كفراغ لا يزيده الخيال إلا اتساعًا.
@_Hna_g إنّا لله وإنّا إليه راجعون..
عظم الله اجركم يا هناء وربط على قلوبكم، ورحم والدكم رحمة واسعة، وجعل ما أصابه رفعة له وتكفيرًا لذنوبه وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
كثير من الظنون ليست يقينًا بقدر ما هي ارتجافٌ داخلي، وتراكم طويل من الخيبات العالقة.. ولهذا فإن حسن الظن يبدأ من مصالحة الإنسان لذاته، وتحرير وعيه من الإرث العاطفي الذي يُلبس الأشياء معاني لا تُشبه حقيقتها.
وحين يهدأ هذا الضجيج الداخلي، يبدأ الإنسان أخيرًا برؤية الآخرين كما هم، لا كما شكّلتهم مخاوفه القديمة.
مدهشٌ كيف يمكن لإنسان أن ينشأ في نقص ثم لا يتحوّل إليه.
كيف يعيش عمره دون مثال واضح للعلاقات المتزنة، ودون يقين داخلي يرشده إلى شكلها الصحيح، ودون صورة مكتملة للحب، ومع ذلك لا يُعيد إنتاج ما آلمه.
إنّ الذي لم يتعلّم العلاقات من واقع مطمئن ومتزن يتعلّمها من أسئلته، من محاولاته المتكررة للفهم، ومن انتباهه الدائم لنفسه حين يقترب أن يُشبه ما رفضه يومًا..
ولا شيء يُضاهي ذلك الوعي الصامت الذي ينشأ في الداخل بهدوء، فيمنع الإنسان من أن يجعل ماضيه عذرًا أو أن يُلقي بثقله على من يُحب.
إنه لا يتكئ على نقصه ولا يُخفي أخطاءه خلفه، بل يمرّ به ويختار في كل مرة أن يكون أهدأ وأقل إيذاءً وأكثر فهمًا لنفسه.. ولما يُخفى في الآخرين..
وحين تنظر إليه من بعيد تدرك أن بعض الناس لم تمنحهم الحياة مثالًا، لكنهم مع الوقت أصبحوا أقرب ما يكونون إليه.
@_Hna_g رائع يا هناء👏🏼.. خصوصًا فكرة اختزال الإنسان في انماط محددة، فعلًا اختزال مريح لكنه غير عادل خارج سياقه.
التوصيف مهم حين يعبّر عمّا يغلب على الشخص مع بقاء وعينا أن الإنسان أعقد من ذلك وأن هذه الأنماط وُضعت للفهم العام مع إمكانية تغيّرها واتساعها في سياقات أوسع.
من أهم الأفكار التي أحاول ترسيخها في نفسي أولًا ثم طرحها للآخرين، وتحديدًا في ظل هذا الإفراط في تصنيف الناس تحت اضطرابات ومسميات جاهزة "أن ليس كل ما يؤلمنا يحتاج اسمًا" .
أحيانًا نُرهق أنفسنا وجهازنا العصبي بمحاولة تحديد الآخر.. هل هو نرجسي؟ تجنّبي؟ مؤذٍ بطبعه؟
وكأن الطمأنينة لن تتحقق إلا إذا وُضع في خانة واضحة.
ومع هذا السعي للتصنيف قد نقع دون أن نشعر في اختزال الآخر أكثر مما ينبغي، فنُضيّق تعقيده داخل مسمّى واحد، فنراه كما صنّفناه لا كما هو.
لكن الحقيقة الأهدأ أن السلوك المؤذي يظل مؤذيًا، سواء حمل اسمًا ام لم يحمل.
وأن ما يحتاجه الإنسان ليس تشخيص الآخر بقدر ما يحتاج أن يفهم كيف أثر هذا السلوك عليه، ما النمط الذي يتكرر، وأين حدوده التي يجب أن يحميها.
أما من يملك القدرة على الفهم الأعمق فمحاولة تفسيره للدوافع أمرٌ ناضج، ومن لا يملك هذه الأدوات يكفيه أن يرى الأثر بوضوح دون أن يُرهق نفسه بمحاولة فهم كل شيء.
ومع الوقت حتى لو اتضح أن هذا الشخص يحمل سمات معينة، فإن أكثر ما يريح النفس ليس تثبيت الحكم عليه، بل تعديل نظرتنا له.
أن لا نراه كشيطان يجب مقاومته ولكن كإنسان تشكّل عبر ظروف لم يخترها، وهذا أيضًا لا يبرر أذاه، لكنه يحرّرنا من استنزاف كراهيته.
لأننا حين نراه بهذه القسوة نُبقيه حيًا في داخلنا ونغذّي مشاعر الانتقام ونربطه بقيمته في وعينا.
أما حين نعيده إلى حجمه الحقيقي، فنراه بوضوح دون تهويل، دون شيطنة، ونتمكن أخيرًا من وضعه في مكانه الصحيح "خارجنا" ونحمي ما يستحق الحماية فينا.