عندها لا أسأل إلا نفسي أين كان ظني؟ وأين كانت حيلتي؟ فأجد أن الأمر كله كان بيد الله
وأن ما ظننته تدبيرًا مني لم يكن إلا جزءًا من تدبيره سبحانه وأن رحمته كانت تقودني من حيث لا أشعر وتحفظني مما لا أعلم.
أدرك الآن أن الله قد يحجب عني بعض الفطنة التي أظنها نجاتي ليمضي فيَّ ما كُتب لي ثم إذا استقرّ الأمر وانقضى القدر أعاد إليَّ بصيرتي لأرى المشهد كاملًا
فأقف متأملةً كيف سارت الأمور على غير ما خططت؟ وكيف مضى التدبير بما أراده الله لا بما أردته أنا.
رغم ما يمرّ بي من تشتّت وما يثقل الأيام على النفس لا يزال في داخلي يقين ثابت لا يتزعزع؛ أن الطمأنينة الحقيقية لا أجدها إلا بالقرب منك يا الله كلما ازدحم العالم وضاقت بي الطرق وجدت في اللجوء إليك سعةً تكفيني وما أرجوه اليوم أكثر من أي شيء آخر أن أبقى في معيتك ما حييت.
يا رب، ما نظرتُ إلى أيامِي إلا ورأيتُ لطفك يتقدّمها وما امتدت يدي إليك إلا وعدتَها بما هو أوسع من رجائها أغدقتَ عليّ من النِّعم ما يفوق سؤالي ومن الرحمة ما يطمئن به القلب فأدم عليّ فضلك ولا تحرمني من سعة رحمتك في كُل حين
آمين.
كثيرًا ما يخالجني أن القلب ليس موطنَ الشعور فحسب بل مستودعُ الحقائق؛ فما العلم إلا أثرُ ما ينعكس عليه من المعاني كما تستقبل المرآةُ الصور وكلما انجلت صفحتُه عن كدرها ازدادت الحقائقُ فيه وضوحًا حتى ليغدو العالمُ طيفًا من المعاني والقلبُ موضعَ تجلّيها والعلمُ لحظة انكشافها للبصيرة.
ليس أشقّ على الإنسان من أن يظن أنه اكتمل، ثم يترك نفسه كما هي تمضي على عاداتها الأولى دون مراجعة أو تهذيب، فالنفس إذا أُهملت ألفت ما يثقلها وإذا رُوعيت خفَّ حملها وإذا تُركت إتسعت لما لا يليق بها حتى تستوحش من النور وتأنس بالاعوجاج.
ليس كُلُّ ما يعتري المرء مِن فَواتٍ مضرّة ولا كُلُّ ما يبطؤُ عليهِ حرمان فقد يُخبِّئ اللهُ للعبدِ في مطاوي التَّأخير ما لا تبلُغهُ عَجلتُه ويَكفُّ عنهُ أمورًا لو دانت له لأورثتهُ وهنًا.
قال ﷺ
«واعلمْ أنَّ ما أخطأكَ لم يكن ليُصيبكَ».
تثقل المساعي حين تُجرَّد من معنى الأحتساب ويبهت أثرها في النفس فإذا انكسر السعي أو تعثّر بلوغ المراد سكن القلب إلى أن ما صلح لله لا يتيه أثره وأن الجهد إذا صَدَق اتّجه، ولو لم يكتمل وصوله.
نِعَمُ الله عليّ مديدةٌ لا تُحصى وآلاؤه متعاقبةٌ لا يبلغها الثناء وكل شعورٍ أنعم الله به على روحي ما يزال أثره باقياً إلى الآن
ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك وألهمني حُسن القيامِ بحقَّها.
فكرةُ التخلّي وابتداء حياة جديدة تمامًا تستهويني بغضِّ النظرِ عمّا سيبقى خلفي أرغبُ بانسحابٍ تامّ من هذا الثقل ومن الأمكنة التي استهلكتني طويلًا أبتغي اقتلاعَ ذاتي من هذا الرُّكامِ المألوف والمضيَّ إلى هيئةٍ أُخرى تُشبهني؛ حياةٍ نقيّةً لا يطالها هذا الضجيجُ العالقُ في داخلي.