لا أقطع واردك”.
هذا ليس تصنّعًا، ولا تكلفًا لغويًا.. بل هو نتاج بيئة
جعلت من الكلمة مسؤولية، ومن الدعاء لغة، ومن الاحترام أسلوب حياة
وهنا.. لا نتحدث عن مفردات وألفاظ، بل عن هوية
شعب تجري المروءة في عروقه، وتتجلّى النخوة في سلوكه،
ولا يغيب ذكر الله عن لسانه.. وهكذا يتواصل أفراده
استر ما واجهت”،
يرد: “ما واجهت إلا الطيب”، فيسمع طمأنينة، ويصون مودة.
وحين يُعتذر له بـ “المعذرة على القصور”؛ يجيب:
“ما منك قصور”، فيلتمس عذرًا، ولا ينكر فضلًا.
وحتى إذا مُدح قال: “ما عليك زود”، فلا يعلو عليك ولا ينقص منك.
وفي موضع المقاطعة، لا يأخذ الكلمة انتزاعًا، بل يستأذن:
بـ “الميانة”،
لا يغيب الاحترام؛ فمفردات مثل: “لا هنت”، “سِعة”، “أسلم”، “عز الله مقامك” تبقى حاضرة مع القريب كما هي مع الغريب.
وراء هذا الأسلوب، ثقافة متجذّرة توارثوها جيلًا بعد جيل.
فحين يقول السعودي “أزهلها”، فهو عهد يحمل عنك ما أثقل كاهلك.
وحين يُقال له وهو يهمّ بالمغادرة:
“أبشر”.. تقابل برجاء أن تأتيك البشرى من الله،
و“لبيه”.. يأتي الرد بأمنية صادقة، أن تُلبّى حاجتك،
و“بيض الله وجهك”.. دعاء أن تكون ممن تبيض وجوههم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
وعند الطلب.. غالبًا لا يبدأ بسؤال، بل بدعاء:
“الله يسعدك، ممكن خدمة؟”
وحتى مع ازدياد الألفة، وحضور ما يُعرف
منطق الخير: أن الكلمة مسؤولية،
فلا نقول ما يُستقبح إلا ونلطفه بـ “وأنتم بكرامة”،
ولا نخصّ أحدًا في جمع إلا ونقول “والباقين”،
وإذا أثنينا على أحد، أتبَعنا التقدير شمولًا: “شرواكم”.
ليست عبارات متداولة فحسب.. بل نظام تواصل متكامل.
تأمّل في المحادثات السعودية اليومية، تجد:
علّمنا منطق الخير..
أحيانًا.. كلمة واحدة تكشف ثقافة متأصلة.
تمرّ بجماعة يأكلون، فتقول: “هنهم”، فيأتيك الرد:
“وأنت منهم”. موقف عابر.. لكنه يحمل ما يتجاوز المجاملة.
أن تكون سعوديًا؛ يعني أنك نشأت على بروتوكول غير مكتوب،
يضبط الكلمة قبل السلوك، والنية قبل الفعل.
منذ الصغر علّمنا