إن الزَّرازيرَ لَمَّا قام قائمُها
تَوَهَّمَت أنها صارت شَواهينا
ظَنَّت تأَنِّي البُزَاةِ الشُّهْبِ عن جَزَعٍ
وما دَرَت أنّه قد كان تَهوينا...
صفي الدين الحلي
أحمد درويش إعلاميًّا ثقافيًّا
سليمان المعمري
ملحق جريدة عُمان الثقافي:
السبت 30 مايو 2026:
https://t.co/yI8spnxmBn
عرفنا أحمد درويش أكاديميًا مرموقًا، وأستاذًا للبلاغة والنقد الأدبي، نهل من علمه أجيال وأجيال من طلاب الجامعة المصريين والعُمانيين، وعرفناه كذلك باحثًا رصينًا لا يحبس المعرفة في أسوار التخصص الضيقة. غير أن الوجه الإعلامي في تجربته يظل وجهًا لافتًا لا يقل أهمية عن حضوره الأكاديمي؛ ولا أتحدث هنا عن إطلالاته كضيف في وسائل الإعلام لشرح قضية من قضايا تخصصه، أو للتعليق على مناسبة ثقافية، بل عن كونه معدًّا ومقدم برامج ثقافية من الطراز الرفيع استطاع أن يصنع له على مدار سنوات ما يمكن أن نسميه مشروعا إعلاميًّا واضحًا، له فلسفته وموضوعاته وجمهوره وامتداده الزمني. لقد تعامل الدكتور أحمد درويش مع الإذاعة والتلفزيون باعتبارهما طريقًا آخر للمعرفة يخرج بالثقافة من قاعات الجامعة ورفوف الكتب إلى آذان الناس وبيوتهم وذاكرتهم اليومية.
كان درويش، في جوهر تجربته الإعلامية، مؤمنًا بأن الثقافة لا تؤدي رسالتها كاملة حين تبقى حبيسة المتخصصين. وقد عبّر عن ذلك بوضوح في الحوار الذي تشرفتُ بإجرائه معه في إذاعة سلطنة عُمان للبرنامج الإذاعي «مسارات»، حين قال إن الثقافة الحقيقية تؤدي رسالتها عندما تصل إلى أكبر قاعدة من المتلقين، مستمعين كانوا أو مشاهدين أو قراء. لم يكن يرى صعوبة في أن يتحدث المتخصصون إلى بعضهم البعض بلغة أكاديمية مغلقة؛ فذلك، في نظره، هو الأسهل. أما التحدي الحقيقي فهو أن ينقل المثقف شيئًا من معرفته إلى أولئك الذين لم تُتَح لهم فرصة العكوف الطويل على الكتب، من غير أن يتعالى عليهم، ومن غير أن يهبط بالمعرفة إلى درجة التفاهة أو التبسيط المخل.
هذه الفلسفة هي التي تفسر سرّ حضوره الإعلامي الكبير. فقد قدّم درويش في إذاعة وتلفزيون سلطنة عُمان رصيدًا ضخمًا من البرامج الثقافية، أحصى ما يخصّ الإذاعة منها في الحوار المشار إليه بخمسة آلاف حلقة خلال نحو خمسة عشر عامًا. وإذا تأملنا عدد حلقات كل برنامج من برامجه في إذاعة سلطنة عُمان، وجدنا أنفسنا أمام جهد استثنائي قل نظيره. فقد تجاوز عدد حلقات برنامج «إن من الشعر لحكمة» 1600 حلقة، ونافت حلقات «إن من البيان لسحرًا» على 700 حلقة، وتجاوز برنامج «من كنوز الثقافة الإسلامية» 1250 حلقة، إضافة إلى أكثر من مائتي حلقة من برنامج «قراءة في الإعجاز البلاغي للذكر الحكيم»، وتسعين حلقة من برنامج «قرأت لك»، ونحو ثلاثين حلقة من برنامج «روائع الأدب»، وأربعين حلقة من أحاديث ثقافية بعنوان «صفحات من تاريخ الأدب في عُمان»، وثلاث عشرة حلقة من أحاديث مماثلة بعنوان «صفحات من تاريخ الأدب العربي»، إلى جانب حديث ثقافي واحد عن «صور من بخلاء الجاحظ». نحن إذن أمام مشروع إذاعي طويل النفس، لا أمام مشاركات متفرقة.
وإذا ما تحدثنا عن جانبه الإعلامي في مصر، نجد في سيرة أحمد درويش أنه أعدّ وقدّم سلسلة أحاديث في إذاعة القرآن الكريم بالقاهرة حول «لغة القرآن الكريم» بين عامي 1998 و2001، وهو مجال ينسجم بالطبع مع تكوينه اللغوي والبلاغي. كما نجد أنه شارك في كثير من البرامج الثقافية بالتلفزيون المصري بين عامي 1983 و2001. هذا علاوة على مشاركته في تأهيل الكوادر الإعلامية. إذ تذكر سيرته الذاتية أنه كان محاضرًا في الدورات التدريسية في معهد إعداد الإذاعة والتليفزيون، وعضوًا في لجان اختبار المذيعين بين عامي 1985 و1996. كما أنه صار عام 2004 عضوًا في اللجنة الثقافية العليا بمجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتلفزيون.
وإذا ما عدنا إلى أشهر برامجه في إذاعة سلطنة عُمان («إن من الشعر لحكمة») سنجد أن درويش كان يمشّط الشعر العربي من بداياته الأولى حتى تجاربه الحديثة. وقد ذكر لي في حواره لـ«مسارات» أنه وقف في هذا البرنامج أمام شعراء عرب كبار بدءًا من امرئ القيس حتى أمل دنقل، مارًّا بروائع الشعر العربي، بهدف تقريبها من الناس دون أن تفقد خصوصيتها الجمالية. وهنا يكمن بيت القصيد؛ إذْ يمكن القول إن مفتاح تجربته كلها هو تقريب الأدب من الناس مع الحفاظ على مقامه الفني. فالغاية كانت أن يصير المتنبي، وأبو تمام، وأبو حيان التوحيدي، والجاحظ، وغيرهم من أعلام الثقافة العربية، أقرب إلى إصغاء جمهور واسع، من غير تحويلهم إلى مادة خفيفة.
ولعل أجمل ما في شهادته الإذاعية عن هذه المرحلة أنه كان يقيس نجاح حلقاته بما هو أوسع من رضا المتخصصين؛ أي بمدى تفاعل الناس العاديين معها. فقد اعتزّ، كما قال لي، بأنه كان يقدم المتنبي في نحو مائة حلقة، ثم يجد في اليوم التالي من يسأله عمّا سيقال في الحلقة التالية؛ من أساتذة الجامعة، ومن رجل الشرطة، وموظف البنك، والعامل البسيط، وأذكر أنني قاطعتُه حين بدأ يعدد شرائح مستمعيه لأضيف لها الطالب الجامعي.....
يتبع في التغريدة القادمة ........
لا أتذكر بالعقود الأخيرة فقداً أدبياً مر على عُمان أحدث ضجة وحُزناً كرحيل خميس العدوي في هذه الأيام ، بظني هو ليس غياب شخص ،بقدر ما هو خسارة لقامة فكرية ستؤثر على المشهد الأدبي بعمق ..ويترك فراغاً هائلاً من بعده ، وستبقى "مكتبة الندوة" شاهدة على أثره الممتد في الذاكرة العُمانية!
الجميع ينتظر اجازة نهاية العام للراحة اما المعلم فينتظرها ليرمم شتات نفسه مع اقتراب الختام بداخلنا شعور غريب بأنا استهلكنا حتى النخاع اعترف في هذا الشهر لا اصارع المنهج بل اصارع نفاذ الصبر والطاقة نخوض معركتنا بصمت نبتسم لطلابنا ونخفي تعبا لا يرى رغم هذا الثقل نظل ثابتين داعمين.
إلى زميلي الدكتور سليمان الهاشمي بعد تركه لعمادة البحث العلمي
تحررتَ لما شئتَ أن تتحررا
وخلَّفتني في الأسر أقرأُ محضرا
وأبقى رهينًا لاجتماعٍ مطوَّلٍ
لأسمع نفس القول لفظًا مكررا
نجوتَ من الأعباءِ، من قيدِ موعدٍ
ومن كلِّ حفلٍ باهت اللون لا يُرى
وعدتَ إلى دنيا المعاملِ باحثًا
وألقيتَ عنك اليومَ بشتًا وخنجرا
فيا سعدَ من أضحى يُجرّبُ فكرَةً
ويا بؤسَ من أمسى يُدوِّنُ محضرا
وطوبى لمن نالَ الفكاكَ مُبَكِّرًا
ولا باع في سوقِ الإدارةِ واشترى
أحمد