أعتقد أن عبد الحسين الحلفي مثَّل ظاهرة شعرية في النقد السياسي عبر الشعر الشعبي، ظاهرة لا تقتصر في مضمونها على نقد السلطة أو هجاء المسؤولين أو القصائد الثورية التقليدية. بل من بين كل قصائده -التي سمعتها على الأقل- في نقد السلطة، لم يكن الحلفي شاعرًا «ثوريًا» كما جرت العادة عند أسلافه أو أقرانه في ما يتعلق بالنقد السياسي شعرًا.
كان عبد الحسين الحلفي يضع يده على مكامن ومواضع أعمق وأبعد من «التسطيح الثوري» في الشعر، ويستشرف مستقبلًا من خلال معالجة الظواهر السلطوية التي تتلاقى في منطقة ما بين الدكتاتورية الشمولية والديمقراطية الحديثة - على الطريقة العراقية!
خذ بيته هذا الذي صار مثلًا تتناقله الألسن حتى اليوم:
«طبع بيه بصراحة أحچي يا ناس
وحتى بالحلم أحچي بصراحة..
قبل چانت رفيقي وهسه مولاي
الشعب باثنينهن ما شاف راحة..»
في هذا الموقف يقف الحلفي بين حقبتين مختلفتين وينظر بعدسة بانورامية ليمنحنا صورة شعرية، ليست بليغة، ولا كثيفة، ولكنها سهلة وبسيطة بعبقرية منقطعة النظير!
أو خذ مثلًا، في موقف آخر، كيف يقف الحلفي على تلٍ عالي ويستشرف حقبة انتقالية ليستجمع صورة، ربما ستتحول إلى نبوءة لاحقًا، تدل على ملكته الاستثنائية في النقد الشعري:
«الحمد لله گلت من راح صدام!
الحمد لله گلت بس عالسلامة..
أشو ياهو التلزمه صار صدام
واكو صدام بس لابس عمامة..»
وفي موضع آخر يشرَّح الحلفي حقبة «العراق الجديد» وينتهي، كعادته، إلى تشخيص مبكر لم يسبقه إليه أحد من الشعراء أو حتى النقاد السياسيين:
«قبل هندام زيتوني يلبسون
هسه باللحايا وغير هندام..
أباوع على وجوه الفتشوني..
هُمّ الفتشوني بعهد صدام!»
ظاهرة الحلفي الشعرية جذبت إليها شعراء آخرين، وخصوصًا تأثيره على الشعراء الشباب والصاعدين حديثًا في بيئة شعبية كانت منفتحة لتوها على كافة ممارسات الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، ولا يكون مستغربًا في مثل هذا الظرف أن يكون الشعراء الشعبيون «نجوم مجتمع».
في ذروة شهرة عبد الحسين الحلفي بين أعوام 2008-2010 تحولت مهرجانات الشعر الشعبي إلى منصات نقد سياسي مطلق، لا تعرف خطوطًا حمراء ولا مناطق رمادية، وامتد تأثير الحلفي حتى إلى شعراء شعبيين كبار وأجبرهم على نظم قصائد في نقد السلطة.
لكن هذا التأثير انحسر وتلاشى برحيل الحلفي وتحول الشعراء إلى أبواق سلطة، من ثم إلى أبواق زعامات، من ثم إلى شعراء ومهاويل في آن واحد. وقد شاهدت بعيني وسمعت بإذني شاعر شعبي مشهور في عام 2014 يقول بأنه تقاضى 10,000 دولار مقابل القراءة في مهرجان انتخابي لكتلة دولة القانون.