كل ما أنت فيه نعمةٌ يتمنّاها غيرك
ينهض الموظف صباحًا متثاقلًا، يتأفف من عمله، ويشكو كثرة المهام وطول الساعات، ويرى أن الوظيفة قد استنزفت أيامه. وفي مكان آخر، ينهض إنسان يبحث منذ أشهر عن فرصة، ويتمنى لو يحمل نصف تلك الأعباء مقابل راتب يصون كرامته ويؤمّن حاجاته.
وتجلس الأم منهكةً من صراخ أطفالها، وكثرة مطالبهم ومشكلاتهم، فتتمنى ساعةً واحدة من الهدوء. وفي بيت قريب، امرأة يملأ الصمت أرجاء منزلها، وتتمنى لو تسمع بكاء طفل يناديها: أمي.
العاطل يرى الوظيفة نعمة، والموظف يراها قيدًا.
والمحروم من الأبناء يرى الطفل حياةً كاملة، بينما قد تنظر الأم المجهدة إلى مسؤولياتها بوصفها حملًا ثقيلًا.
وهكذا يتمنى كل إنسان الحالة التي يتأفف منها إنسان آخر.
ليس معنى ذلك أن التعب غير حقيقي، أو أن الشكوى ممنوعة، ولكن المشكلة أن الإنسان يعتاد النعمة حتى لا يعود يراها. فالنعمة الممتدة تصبح في عينيه أمرًا عاديًا، ولا يشعر بقيمتها إلا عندما تتراجع أو تزول.
فالإنسان بطبعه عجول، ملول، قصير النظر؛ ينظر إلى موضع قدمه، ولا يرى الطريق كله. يرى تعب الوظيفة، ولا يرى نعمة الدخل. يرى ضجيج الأطفال، ولا يرى نعمة وجودهم. يرى مسؤوليات الزواج، ولا يرى وحشة الوحدة. يرى صعوبة الصحة، ولا يعرف مقدارها إلا حين يدخل المرض.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾
[العاديات: 8]
وقال سبحانه:
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾
[الأنبياء: 37]
ومن قِصر نظر الإنسان أنه يقيس النجاح بظاهر أحوال الناس؛ فيرى المال فيظن أن صاحبه سعيد، ويرى المنصب فيظن أن صاحبه مستريح، ويرى الشهرة فيعتقد أنها هناء.
وقد حكى القرآن عن الذين رأوا قارون في زينته، فقالوا:
﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
[القصص: 79]
لقد رأوا الثياب والذهب والمواكب، ولم يروا الكِبر والخوف والتعلق بالدنيا. رأوا الصورة الظاهرة ولم يروا النهاية، حتى خسف الله به وبداره الأرض، فعرف الذين تمنوا مكانه أنهم كانوا يتمنون البلاء وهم يظنونه نعمة.
وهذا يتكرر في حياتنا كل يوم؛ نرى واجهة الناس ولا نرى ما وراءها. نرى نجاحاتهم ولا نرى أثمانها، نرى ابتساماتهم ولا نعرف آلامهم، نرى ما يملكون ولا نعرف ما فقدوا.
فليس كل ما يلمع سعادة، وليس كل ما يبدو حرمانًا شقاءً. قد يكون الشيء في ظاهره رحمة، وفي باطنه تعب وعذاب، وقد يبدو في ظاهره ابتلاءً، ويكون في باطنه حماية ورحمة.
قال الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 216]
لذلك لا تقارن تعبك براحةٍ تتخيلها عند الآخرين، ولا تحتقر النعمة لأنها أصبحت مألوفة.
قد لا تحتاج إلى حياة جديدة، بل تحتاج إلى عين جديدة ترى بها حياتك.
انظر إلى وظيفتك بعين من يبحث عن عمل، وإلى أطفالك بعين من حُرم منهم، وإلى صحتك بعين المريض، وإلى بيتك بعين من لا مأوى له.
ستدرك حينها أن كثيرًا مما تتأفف منه اليوم، قد يكون هو نفسه الشيء الذي ستبكي عليه غدًا إن فقدته.
فاشكر الله على النعمة قبل أن تتحول من عادةٍ لا تلاحظها، إلى ذكرى تتمنى عودتها.
@Abu_Salah9 والله نعلم أن الحزن قد بلغ فيهم مداه
ووصل بهم الگرب منتهاه
اللهم إنگ تعلم أننا نتألم لألمهم
ونتوجع لوجعهم وقلوبنا تقطر
دما لمصابهم
ربِّ طال بهـم البـلاء
واشتد عليهم الگرب
وأنتَ أرحم الرَّاحمين
.
الشغل ما يخلص… لكن عمرنا يخلص
من أكبر أوهام الحياة أن نعتقد أننا سنرتاح عندما ننتهي من أعمالنا كلها. والحقيقة أن العمل لا ينتهي؛ كلما أغلقت بابًا فُتح غيره، وكلما أنجزت مهمة ظهرت مهام جديدة، وكلما حققت هدفًا تحركت أمامك أهداف أخرى.
أما العمر، فلا ينتظر.
تمر الأيام ونحن نقول: بعد أن أنتهي من هذا المشروع سأجلس مع أسرتي، وبعد أن تتحسن الظروف سأزور والدي، وبعد أن يقل ضغط العمل سأقرأ القرآن، وأعتني بصحتي، وأستمتع بما أنعم الله به عليّ. لكن ضغط العمل لا يقل من تلقاء نفسه، والظروف المثالية قد لا تأتي، والعمر ينقص في صمت.
قال الله تعالى:
«﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾»
لم يكن الخطأ في السعي أو العمل أو طلب الرزق، بل في أن يتحول العمل إلى لهوٍ يسرق الإنسان من غايته الكبرى، وأن يصبح الانشغال عادةً تمنعه من رؤية ما يفقده كل يوم.
قد تعوض المال الذي فاتك، وقد تؤجل مشروعًا ثم تعود إليه، وقد تجد موظفًا آخر أو فرصة جديدة؛ لكنك لا تستطيع استرجاع يوم مضى من عمرك، ولا طفولة ابنٍ كبر وأنت مشغول، ولا صحةً أهملتها حتى ضعفت، ولا والدًا رحل وأنت تؤجل زيارته.
العمل جزء من الحياة، وليس الحياة كلها. والنجاح الحقيقي ليس أن تنجز كل شيء؛ فهذا مستحيل، بل أن تنجز الأهم دون أن تخسر نفسك وأهلك ودينك وصحتك.
ضع للعمل وقتًا، وللأسرة وقتًا، وللعبادة وقتًا، وللراحة وقتًا. لا تعطِ المهنة كل قوتك، ثم تعود إلى من تحب ببقاياك. ولا تجعل حياتك كلها حالة طوارئ؛ فبعض الأعمال يمكن تأجيلها، وبعض الرسائل يمكن ألا تجيب عنها فورًا، وبعض الفرص لا يستحق أن تدفع مقابلها عمرك وطمأنينتك.
الشغل سيبقى بعدنا، وستستمر المؤسسات، وستُملأ المناصب، وسيأتي من يكمل الملفات والمشروعات. أما عمرنا، فعندما ينتهي لن يأتي أحد ليكمله نيابةً عنا.
لذلك اعمل بإتقان، واسعَ بطموح، لكن لا تؤجل الحياة إلى أن ينتهي العمل؛ لأن الشغل ما يخلص… لكن عمرنا يخلص.
@Myahmadiat بيكون الواحد ما الو نفس يحكي من الي بيشوفوا بغزة بس يسمع ابو أركان وكلامه الطيب بلسم للروح ومفتاح للقلوب تزرع الأمل والتفاؤل، و ان المسلم ليتكلم بالكلمة الطيبة فيرضى عنه الله عز وجل إلى أن يلقاه يوم القيامة فيدخله الجنة. وكذلك يحب الناس صاحب الكلمة الطيبة ويقدمونه على غيره …
@YasserAli في يوم الجمعة أسأل الله العلي العظيم أن يبارك لكم في كل ما آتاكم وأن يوفقكم أينما كُنتُم وحيثما حللتم وفي أي طريق توجهتم وأن يحفظكم وأهلكم وذريتكم ويديم عليكم الفرح والسعادة ولباس الصحة والعافية والتوافيق وعسى عين ما تبكيكم