الغريب في الحنين أنه قد يجعل الإنسان يتمنى عودة الأيام، وهو لا يعرف ماذا يريد منها لو عادت. ويبدو أن هذا الشعور هو ما حمل فلاح القرقاح على أن يقول:
ياليت الزمن طيرٍ يعود على الملواح
بردّه ولا أدري ويش أردّه على شانه
ليست الرؤية الحقيقية أن تبصر كل شيء، وإنما أن تفهمه على حقيقته، وهذا ما اختصره الشاعر في هذا البيت.
كل ما يكبر الإنسان في هالحياة
يضعف الشوف لكن تتضح رؤيته
زبار الحربي
ليس كل ما يتمناه الإنسان كثيرًا، فقد يكتفي بفرصةٍ صغيرة يجد فيها متنفّسًا لنفسه. كقول الشاعر عبدالكريم البدراني
مثل فرصة العصفور من صدّت الفلّاح
أبي فرصةً يلقى بها الخاطر سياحه
من أروع الأبيات التي جمعت بين سهولة العبارة وصدق المعنى، هذا البيت الذي عبّر فيه الشاعر عن واقع الحياة، وأنها لا تدوم على حال واحد .
نعمة من الله لا مرضت وتعافيت
العبد ماهو كل يوم متعافي
عوض خيران
قلّ أن يُصاغ هذا المعنى بمثل هذه الدقة؛ فكيف بلغ الشاعر إبراهيم الحربي هذا الإبداع، وهو يصور ثقل المعروف حتى بدا أشد من الحاجة نفسها
أثقل من همومك ليا رحت ناصيه
معروفه اللي تنقله وانت راجع
إبراهيم الحربي
قبل أن تنكسر العظام، قد ينكسر ما هو أعمق منها؛ فبعض الجراح لا تداويها الجبائر، لأن موضعها في الروح لا في الجسد، وهذا هو أخطرها كما قاله متعب بن مرزوق:
الكسور أنواع وأخطر كسر ترفضه الجباير
كسرةٍ في خاطر الرجال ما هي في عظامه
في هذا البيت، يصف الشاعر هلال المطيري شعوره بالفراغ والملل من تقلبات الحياة، حتى لم يبقَ له ما يخفف وطأة الأيام سوى إبتسامة رفيقه، لكنه مع ذلك يراها أمراً ثقيلاً على نفسه كالدين :
ما بقى شي في وجه الليالي يسلي
غير ضحكة رفيق ومعتبرها جماله
ليس الرجالُ ما يُرى من مظاهر، بل ما تشهد به المواقف حين تصمت الزينة وتتكلم الأفعال؛ فكما قيل:
“الفرق بالأفعال ماهوب بالزول،
ولا ترى أطيب ما من الثور زوله”
غازي بن عون
يستحضر الشاعر معجزة نجاة النبي إبراهيم عليه السلام ثم يلتفت لنفسه،إبراهيم الإنسان الذي ما زالت نيرانه مشتعلة في اختزال مؤلم
يالله يا اللي منت تسهى ولا عينك تنام
بأمرك الحزن يتلاشى وهمي تفهقه
وبأمرك إبراهيم ناره غدت بردٍ وسلام
لكن إبراهيم للحين في كبد نارٍ محرِقه
إبراهيم الحربي
يستحضر الشاعر معجزة نجاة النبي إبراهيم عليه السلام ثم يلتفت لنفسه،إبراهيم الإنسان الذي ما زالت نيرانه مشتعلة في اختزال مؤلم
يالله يا اللي منت تسهى ولا عينك تنام
بأمرك الحزن يتلاشى وهمي تفهقه
وبأمرك إبراهيم ناره غدت بردٍ وسلام
لكن إبراهيم للحين في كبد نارٍ محرِقه
إبراهيم الحربي
ما أشدّ أن تمضي بما بقي من قوتك، فتعلق بين الخوف مما أمامك، والعجز عن الرجوع لما خلفك. حالة يصورها الشاعر رشيد الزلامي رحمه الله، بألم وصدق حين قال:
يابن بديّع وقفت بي على الشاط
الموج عالي والسباحة مخيفة
تعبت ما باقي من الجهد قيراط
دفيتها لين بركت بالنصيفة
لا شبّوا الكبريت رعيان الغنم
عيبً عليك تثور يا بارودنا
صياف الحربي
إنه عَتْبُ الأكابر على القوة حين تُهدر، واحتجاج الحكمة على السلاح حين يثور لأمر لا يستحق الألتفات إليه
بعض الأخطاء نعلم عواقبها، وقد ازدرَدْنا مرارتها مرارًا، ولم نستطع المحيص عنها.
كأنها قدرٌ مكتوب، أو ضعفٌ مألوف نلوذ به رغم الألم، نرجو النجاة منها ونحن من يغرق فيها.
كالخطاء اللذي ارتكبه منيف الجراش
وقال:
مرتكب لي غلطةً ما يكفّرها اعتذار
ما اعرف ليه ارتكبها و ليه آعيدها
في عالم يموج بالأصوات والصراعات، يجد العاقل في الصمت ملاذًا ودرعًا، يستجمع فيه قوته ويصمد به أمام ضجيج الناس، متجاوزًا الصغائر بوقار وثبات لا يهتزّ كالشاعر مدغم أبو شيبه حين قال :
أنا العاقل اللي كل ما ضايقوه النّاس
يوقف دقيقة صمت ويصد ويقفي
عمر الصلوات ما كانت تثير الذعر
الا صلاةٍ ورى الجثمان صلّيتها
حملتها فوق متني والأمّر الأمّر
ورّدتها الحفره اللي ما تمنّيته
هنا،كتب ناصر القحطاني أبياته، لا ليبكي فحسب، بل ليحفر في وجداننا صورة الرحيل ويصف مشهدًا أبديًا الصلاة التي أدمت الروح،لا لهيبتها،بل لأنها كانت على من أحب
الفضائل إن لم تكن طبعاً، كانت عبئاً ثقيلاً على من تأخّر عن دربها، ومن الحكم في الأشعار في هذا المعنى :
إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً
فمطلبها كهلاً عليه شديدُ"
عبدالرحمن الأنصاري
ترى لذيذات المراجل مباكير
الطيب وأن فات أوله فاتك أتلاه
مرشد البذال
لا تُسلم زمام حياتك للظنون ولا تبنِ قراراتك على الأوهام،فالعاقل من جعل أقدامه في الأرض وعينيه على الأفق،فلم يُغره لمعان الأمل الكاذب، ولم يخدعه زيف التوقعات
ومن الحكمة في الشعر على نفس هذا المنوال
يقول عبدالله بن سبيّل
لا تأخذ الدنيا خراصاً و هقوات
يقطعك من نقل الصميل البرادي
يقول حامد حيا الرشيدي في رثاء عيد بن مربح عندما توفي بعد وفاة الشاعر مساعد الرشيدي رحمهم الله وكيف تحسرّ على فقد أثنين كانوا بمقام الشمس والقمر اللتي أنارت ضياء أشعَّتهم الساحة الشعرية بأكملها
يقول:
أول ليا غاب القمر عندنا شمس
واليوم غابوا كل الأثنين عنا
قد لا تعلم، لكنك تسكنني في أدق لحظاتي،
تمرّ في ذهني كما تمرّ النسمة في صمت المساء،
أحادثك دون صوت، وأصغي لردّك في صدري لا في أذني
نعم، “ما تمنعني حدود المسافة عن التعبير
أنا توي مسولف معك وأنت ما تدري”