إن حُكم على الإنسان بعصرٍ واحد وحسب، فإن كان منظور هذه الوطأة هو أن ما يعيش ضمن حدوده من زمَن، فقد سيطر عليه هذا الزمَن، وحكم عليه حكما مغلقًا، يشترط أن يرغي بكيفيته، ومزاعمِه الافتراضية "الحيّة" أثناء هذا الحين، فلو افترض بأن من واجبه التشابه كما الصورة المقبولة من السكان الجزئيين - سُكان الزمن -، فلم يغدي باحثا حول المعرفة، بل نسخة أخرى من الظن، وكما نعرف حول الظن بأنه ما تتفق عليه الذات الواحدة والجمعية، لأسباب حيزية أو عصرية، تتلاشى مع غروب العصر، إنما الإنسان الحُر الباحث عن المعرفة الأصيلة، هو الناجي من وطأة الدهر، والسيد الذي يُسافر بين الدهور، لأنه يراها واحدة؛ بينما ما يفصلها عن لقاء بعضها بعضا، هو حدود البقاء لأبناء جِنسه، ليكون هذا العابر معرفيا حيًا وباقيًا، لأجلِ الأمس، وفي هذه الأثناء، وبكرةً تحتضنه الأجيال، لما لصوته من دويٍ لا يغادر منازِل الأيام، ولما لوصفه من حجة لا تقضم منها أذواقُ الأزمان، هو حي لأن المعرفة تُعنى بالحاضرين، الذين يشكلونَ عالمًا يكتنفُ كُل الأحيان.
نعم في تفسير سبينوزا هو لا يفصل الجسد والعقل فهما شيئان مختلفان ولا يتوجب اتصالهما أو انفصالهما لأنهما من الكيان الواحد ولو بدا متفردين، والعقل بمفهومه المعنوي وليس الوظيفي، فأما من ناحية الألم البدني فهو حقيقة فيكون هناك ألمين الأول حدث عضوي والثاني انفعالي نتاج عدم الفهم، فالفهم يساعد على إدراك بأن هذا الضرر ليس شيئا سيئا في الطبيعة بل نحن من يصفه بهذا، ولكن عند المعرفة الكاملة للهندسة الكلية سيتم تقبل كل هذه المآثر الجزئية، طبعا بغض النظر عن القدرة للوصول لهذا الفهم الكامل، لأن بفلسفته فإن الإنسان جزء من الكيان بغض النظر عن حدوده، والشيء الصحيح يبقى صحيحا ولو لم يكن باستطاعة الجزء ملاحظته مباشرة.
مرحبا أستاذ محمد، هنا نجد سبينوزا يتحدث عن الألم الانفعالي للعقل الذي لم يجمع المعرفة، وليس الضرر الجسدي، والألم هنا يكون بإنكار هذا الضرر وتوابعه نتيجة عدم فهم أسباب وشؤون حدوثه، أي كالاعتراض على الحالة الراهنة، ولكن الفهم للواقع وللطبيعة يجعلنا مسلمين ومستمتعين بفهم الأسباب بغض النظر عن حالة الضرر، فالمتعة العقلية بالمعرفة التي توقف الانفعال العكسي هي أبلغ المتع، ولو لم تحل مشكلة الضرر والألم البدني، فأما توصيف الضرر الأخير بالشر هو لعدم فهم الطبيعة الكاملة لله الخيرة أصلا، وهذا يكون انفعال.
«نسمّي معرفة واضحة تلك التي يكون اكتسابها، ليس باليقين القائم على الاستدلال، وإنّما بالشعور بالشيء ذاته والاستمتاع به، وهي أفضل من المعارف الأخرى كثيرًا.»
– سبينوزا، رسالة في إصلاح العقل
يجعل سبينوزا الشعور والاستمتاع شرطين للمعرفة الواضحة. لكن هذا يثير سؤالًا: هل يعني ذلك أن كل شعور لا تصاحبه متعة هو معرفة غير واضحة؟
لنأخذ المرض مثالًا. نحن نشعر به مباشرة، بل قد يكون من أوضح ما نشعر به في حياتنا، غير أن هذا الشعور يفتقد المتعة، بل هو في الغالب مصدر للألم والانزعاج. فهل يعني ذلك أننا لا نعرف المرض معرفة واضحة؟
لا يبدو أن سبينوزا يقصد الشعور الحسي المباشر، وإنما المعرفة الحدسية العقلية. فالحدس عنده ليس حدسًا حسيًا، بل إدراك عقلي مباشر لطبائع الأشياء وسلسلة عللها وضرورتها. وعندما يدرك الإنسان أن ما يحدث له، ولغيره، وللطبيعة بأسرها، إنما يجري وفق الضرورة الأزلية للجوهر الإلهي، تتحول علاقته بالأحداث من الانفعال بها إلى فهمها، ومن مقاومتها إلى قبولها. وحينئذ لا يبقى أمامه إلا أن يحب ما أدركه، حتى لو كان مرضًا أو موتًا؛ لأن محبة النظام الضروري للطبيعة ليست إلا امتدادًا لمحبة الله.
ومن هذه الجهة يبدو سبينوزا امتدادًا واضحًا للفلسفة الرواقية، حين يقول ماركوس أوريليوس: «العقل الخالي من الانفعالات هو قلعة؛ ليس للإنسان ملاذ أقوى منها.»
لكن إذا عدنا إلى سؤال المرض، وسألنا سبينوزا: نحن نتألم، ونعرف أننا نتألم، فلماذا لا يصحب معرفتنا هذه أي استمتاع؟ فسوف يجيب، بهدوئه المعهود: لأن معرفتكم ليست بعد معرفة تامة، وإنما هي معرفة ناقصة؛ ولو أدركتم حقيقة المرض وضرورته ضمن النظام الكلي للطبيعة، لانقلب الانفعال إلى فهم، والحزن إلى طمأنينة، ولأثمر الفهم ذاته نوعًا من الفرح العقلي.
غير أن هذا الجواب يفتح بابًا واسعًا للنقد. فهو يبدو وكأنه يصادر حقيقة التجربة الإنسانية باسم العقل. فليس كل ألم وليد الجهل، وليس كل حزن نتيجة قصور في الفهم. قد يفهم الإنسان علل مرضه على أكمل وجه، ويحيط بأسبابه العلمية والفلسفية، ومع ذلك يبقى الألم ألمًا، والفقد فقدًا.
هنا يبلغ سبينوزا ذروة ثقته بالعقل، لكنه في المقابل يبتعد عن التجربة الوجودية للإنسان. فبدل أن يصغي إلى الألم بوصفه حقيقة معيشة، يفسره بوصفه علامة على نقص المعرفة. وكأن المأساة ليست في المرض ذاته، بل في جهلنا بمعناه.
ولعل هذا ما يجعل فلسفته، على ما فيها من عظمة واتساق، تبدو باردة أمام حرارة التجربة الإنسانية. فهي لا تنكر الألم، لكنها تنزع عنه سلطته شيئًا فشيئًا، حتى تكاد تجعل خلاص الإنسان مرهونًا بعظمة عقله أكثر من صدق مشاعره.
إذا بدأت برحلتك المعرفية، وفي أحد دهاليز وطرق هذا المِشوار، انتقدك وواجهك بائِع للقبعات، فهذا لا يعني انتهاء الطريق - بل يدل على بدايَاته، ففي الغد سيواجهك بائع الزهور، وبعده بائع التحف، ثم سيواجهك بائع المجوهرات الثمينة؛ ولاحقا سيقابلك بالمواجهة بائع الأراضي الشاسعة المِحورية، وبعدها ستجد بأن كبار تجار وبائعين هذه المدينة، فبعضهم انتقدك، وبعضهم نلت إعجابهم، ولكن تخيل يا صديقي إن توقفت عند أول بائع للقبعات، لمَا مضيت متقدما بكل هذه الرحلة المستحقة.
من لديه "اليقين" لا يتعكر مزاجُه ولا يفِر ممن هو علَى عكسه، ولكن يظهر لنا بأن حاملين اليقينيات لديهم ضعف حاد بالقُدرات العقلية، هي لا تحملهم على التفكير والحَديث.
إنّ الفاسد يظن بأن سلوكهُ أحيانًا مفاجئ، ولكن الإنسان البَصير يعي منذ وقت مبكر بأنّ هذا فاسد، ولكنه ينتظِر منه أن يشلح عباءة الخَجل، فحتى الكائنات الرخَوية التي يصيبها كساد بجسدها، فهي بحاجة للخروج من القوقعة، والانكشاف تحت أشعة الشمس، حتى تتمكن من تحصيل العِلاج.
بتلك اللحظات الحرجة بيننا، قد قمتُ بحمل كل المفاهِيم الصعبة، واحتضنت الإبهام، وكنت في غاية الحرص بأن لا تفعل أنت كذلك المِثل بعد المَهجر، فهذا لأني أعلمُ يقينًا بأني مفكرٌ وقادرٌ على احتمال كل الألغازِ المبعثرة، التي فضيناها، بحين أنت فقد هيأتُ لك بيانا واضحا ومريحًا، تحمله معك لبقية السنوات، وألا يكسر التساؤل كاهلَك.
الحوار يجب أن يكون مثل المنتخب، أناس من النخبة كفيلين بإدارة الحوار والتساؤل والاختلاف، لا أن يكونوا متفقين وذو عقل رجل واحد، فهذه قبليَة وليست محاورة؛ فبالتالي ستكون هذه المجموعة الحوارية قادرةً على رطن نقاشٍ لذِيذ.
المساحات التي يتحدث بها عدد كبير، تستمر طوال مُدتها، فمنذ البداية حتى الخاتمة، بالمُقدمة؛ والسبب بأن كل متحدث جديد يقول مقدمَته، فلا فرصة للبناء، ولا للتساؤل، ولا للمحاجَجة؛ وكأنها قُل رأيك وأغلق الباب خلفَك.
أما من ناحية الفلسفة، فأظنها ستدخل بأكثر أزمانها ذهبية وتعقيدًا، حتى بأنها ستتجاوز بريقَ الفلسفة الكلاسيكية الأعلى حتى الآن، ستفُض الفلسفة عن الكثير والمُخيف، وستكون أقوى من أن يحتملها أي عقل، ولكن ستحتملها عقول الأجيال القادِمة أكثر ممَن سَبقهم.
أكثر عصر نستطيع ملاحظته بعد العصر الحداثي، هو العصر المادّي، أما عدا هذا فلا زال متداخلا مع حركة عصرنا الحالي، فتكون بدايته بانتهاء الأخيرة، وعلنا بالربع الأول من العصر حتى.
فأي تسمية أو تصنيف لعصر صادر من أبناءه، فهو محطُ شك كبير حول صحة هذه الصفَات، فقد تكون افتراضية، أو غائية، أو ثَنَائية؛ مثل كثير؛ كالتفكيكية والبنيوية والوجودية، فكُلها أنماط ثقافية لم تنضج وتتضح بعد حتى تُصنف، لربما كلها تتبع طريقة تفكير واحدة تُسيطر على العصر ستُلحظ لاحقًا.
فأي تسمية أو تصنيف لعصر صادر من أبناءه، فهو محطُ شك كبير حول صحة هذه الصفَات، فقد تكون افتراضية، أو غائية، أو ثَنَائية؛ مثل كثير؛ كالتفكيكية والبنيوية والوجودية، فكُلها أنماط ثقافية لم تنضج وتتضح بعد حتى تُصنف، لربما كلها تتبع طريقة تفكير واحدة تُسيطر على العصر ستُلحظ لاحقًا.