إلى ذلك الذي طال به الطريق...
للحياة سخرية لا يدركها إلا من طال به الطريق.
تمضي أعواما تعدو خلف سراب كنت تحسبه نبع السعادة، فإذا بك تكتشف — بعد أن تلهث وتتعثّر — أن أعظم غنائمك لم تكن إلا مهارة الضحك على ذلك العدّاء الساذج الذي كنته، وكأنك كنت تشارك في سباق لا خط نهاية له إلا خيبتك.
فالحياة، يا صاحبي، لا تُسقط الإنسان بضربة قاضية؛ فهي أرقى من ذلك.
إنها تُهذب غروره على مهل، كمعلم ساخر يبتسم كلما ظن تلميذه أنه فهم الدرس.
وما إن تقول بثقة: «الآن أدركت»، حتى ترفع الحياة حاجبها في استخفاف، وتُلقي إليك بدرس جديد، كأنها تقول: «لم تبرح العتبة بعد».
والأعجب من ذلك أننا لا ننضج لأننا ازددنا حكمة، بل لأن أوهامنا — تلك التي كنا نُدلِّلها — قررت أخيرا أن ترفع وصايتها عن عقولنا.
وحين تموت هذه الأوهام، يولد ذلك العقلٌ الهادئ الحكيم، لا لأنه بلغ ذروة الفهم، بل لأنه سئم خوض معارك وهمية، ولم يعد يرى في كل ضجيج حقيقة تستحق الإصغاء.
وفي الختام، لا تظن أن الإنسان يضحك على الحياة؛ فهي أدهى من أن تكون مادة للسخرية.
إنما يضحك من ذلك الكائن الذي كان يعتقد، بكل جدية، أن الكون يدور حول رغباته، بينما كان الكون، في برود مهيب، يدور كعادته، غير عابئ به ولا بأحلامه.