في الأيام الأخيرة، وأثناء ذهابي إلى العمل، كنت أستمع لدورة تدريبية عن "حلّ الخلافات"، وكانت لأماندا ريبلي، مؤلفة كتاب (High Conflict).
تعجّبتُ أنها صدّرت كتابها بمقولة لأحد فلاسفة المسلمين القدماء، أترجمها هنا بالمعنى:
"وراء أحكامنا على الأشياء بأنها صواب أو خطأ، يمتد حقلٌ فسيح، سألقاك هناك". ✨
الذي لفت انتباهي وجعلني أشتري كتابها مباشرة هو نقطة واحدة، تقول: أحد أهم أسباب الخلاف أننا لا نستمع جيداً … الاستماع أهم من الإقناع … ثم تُعطي طريقة مجربة للاستماع جيداً.
✳️ لطالما حاولتُ أن أطوّر مهارة الاستماع لدي، لكنني لم أكن أعرف بالضبط كيف يجب أن أستمع لأفهم؟ أماندا ريبلي أعطتني طريقة من خلالها أستطيع أن أتأكد ويتأكد الشخص الآخر أنني فعلاً أستمع لأفهم.
أحد أهم الأفكار التي طرحها الكتاب أن المشكلة ليست في وجود الخلاف، بل في تحوّله إلى ما تسميه الكاتبة “الخلاف المرتفع” (High Conflict)، وهو النوع من الخلافات الذي يستهلك طاقتنا، ويجعلنا نرى الطرف الآخر كخصم يجب هزيمته بدلاً من إنسان يجب فهمه.
ما لفت انتباهي أيضاً أن الخلافات نادراً ما تكون حول الحقائق أو الآراء نفسها، غالباً ما تدور حول الهوية، والانتماء، والشعور بالتقدير والاحترام، ولهذا السبب لا تنجح الحقائق وحدها في تغيير القناعات.
كما تتحدث الكاتبة عن أشخاص وجهات تستفيد من استمرار الخلافات وتأجيجها، وتسمّيهم "روّاد صناعة الخلاف" (Conflict Entrepreneurs) -المصطلح فريد بصراحة😅-، لأنهم يحققون نفوذاً أو شهرة أو مكاسب كلما ازداد الخلاف بين الناس.
أما الفكرة الأكثر تأثيراً بالنسبة لي فكانت أن الاستماع قد يكون أقوى من الإقناع كما ذكرت. عندما يشعر الإنسان أنه مفهوم ومسموع، يصبح أكثر استعداداً للاستماع والتفكير وإعادة النظر في مواقفه.
لهذا تقترح ريبلي تقنية بسيطة وفعالة للاستماع، تسمى (Looping):
✅ الفكرة ليست أن تستمع بصمت حتى ينتهي الشخص من الحديث، بل أن تستمع بهدف الفهم، كيف؟ بعد أن يتحدث الطرف الآخر، تعيد صياغة ما فهمته بكلماتك الخاصة، ثم تتحقق من دقة فهمك بسؤال، مثل:
"إذا كنت أفهمك بشكل صحيح، فأنت لا تعترض على الفكرة نفسها، بل على سرعة تنفيذها لأنك قلق من المخاطر المحتملة، هل هذا صحيح؟"
إذا قال الشخص: "نعم"، تكمل الحوار … وإذا قال: "ليس تماماً"، فأنت تعطيه فرصة لتوضيح فكرته بشكل أفضل.
تقول أماندا إن هذا السلوك يعبّر عن الاستماع العميق ويُشعر الطرف الآخر بأن صوته مسموع ومُحترم، وهذا يخفف كثيراً من حدة الخلاف، حتى لو لم تعطِ الشخص ما يريد.
وأخيراً، تتحدث أماندا عن حقيقة مهمة جداً في عالم الابتكار والقيادة: الهدف ليس أن نتفق دائماً، بل أن نفهم بعضنا بعضاً بما يكفي لنختلف بطريقة صحية وبناءة.
💡 المؤسسات التي تختفي منها الخلافات تماماً لا تبتكر غالباً، لكن المؤسسات التي تتعلم كيف تدير الخلافات بذكاء واحترام تستطيع أن تحوّل الاختلاف إلى مصدر قوي للإبداع والنمو.