كنت أطمح أن أكون مهاجما في فريق المدرسة لكن المدرب رفض طلبي متعللا بعجزي عن المراوغه. بعد محاولات فاشلة لأن أصبح مهاجما توقفت للأبد عن لعب كرة القدم وتعلمت الكتابه.
وهأنذا منذ سنوات أراوغ الحياة بالكتابة عن مشاعر لم أعشها، تجارب لم أخضها، ومواقفا لم أحضرها، وأصفق بقوه.
أصفق لنفسي
بالأمس، وبفضل الله، أنهى والدي أول جلسة من العلاج الكيماوي ضمن ثلاث جلسات تسبق التدخل الجراحي، يعقبها بإذن الله ثلاث جلسات أخرى.
ما يزال العلاج في بدايته، لكن ثقتنا كبيرة برحمة الله، وبقوة والدي وصبره وعزيمته على مصارعة المرض والتعافي منه.
نستبشر خيرا ونؤمن أن ما عند الله أعظم
عرفت ساعتها أن المرض قد ينهك الجسد لكنه لا يهزم السيرة ولا يسقط القامة، ولا يمحو صورة الرجال الواقفين كالجبال في ذاكرة الناس. وإن تغيرت الملامح قليلا فإن الأثر يبقى، والذكر الطيب لا يمرض.
اللهم اشف أبي شفاء لا يغادر سقما، وأعده إلينا كما عرفناه: ثابتا، مطمئنا، واقفا كالجبل. آمين.
يسافر أبي غدا الجمعة إلى العاصمة صنعاء لتلقي العلاج.
قلوبنا مقبوضة، وعيوننا شاخصة إلى السماء، وألسنتنا لا تفتر عن الدعاء في كل وقت وحين. لم نعهده مريضا على هذه الشاكلة، فقد كان دوما شديد الحرص على صحته، صلبا في حضوره، مطمئنا في هيئته.
وفي تلك اللحظة تمثل أمامي جبل التعكر. ذاك الجبل الذي غادره والدي طفلا، يتيم الأب، متجها إلى جبلة طلبا للعلم غي جامعها الكبير.
جبلة المدينة، جبلة الحبيبة، جبلة الأم التي احتضنته، واحترمته، وصاغت وعيه، ثم نسبته إليها اسما وسيرة.
الإمارات، بدعم خفي من إسرائيل، تعيد رسم الجنوب على مزاجها، والانتقالي ينفذ كل خطوة دون أي مقاومة تذكر.
السعودية تشاهد العرض وكأنها ضيف شرف، والحوثي؟ يضحك ويكسب جولة جديدة في الحرب، ولكن هذه المرة، دون أن يضطر لاطلاق رصاصه واحده.
اليوم، كل شيء يتحول إلى سير متوازية في كتب التاريخ. كل قوة تصنع روايتها، وكل منطقة تكتب مصيرها بعيدا عن الأخرى. الوطن الذي كان يسمى اليمن لم يعد موجوداً إلا في الذاكرة، وفي الحنين، وفي الصفحات التي ستروي كيف تفتتت دولة كانت واحدة إلى أشتات متنازعة.
لنا الله.
اليمن الذي نعرفه انتهى. انتهت خريطته القديمة، وانفرط عقد دولته، وتلاشت ملامح الوطن الجامع. ما تبقى ليس أكثر من لفيف من الذكريات: مدن كانت تنبض، محافظات كانت متصلة، وناس كان يجمعهم، ذات يوم، مصير مشترك.
ثم ماذا؟
تخسر يا صديقي! نعم، تخسر كالعادة. تنتهي الأغنية فيكشفك الواقع، يمسكك، وأنت مغمض العينين، وتكافح في صدرك، صرخة ضحاكة، صرخة تفشل عن كبحها بيديك، إذ أنها تنسرب، بلزوجة، من بين اصابعك، ثم تنفجر.
تنفجر وتخسر اللعبة.
لعبة الغماية!