أعلن المفاوض الباكستاني أن لبنان مشمول بمذكرة التفاهم الايرانية الأمريكية فخرج الإسرائيلي لينفي ذلك فيما منشورات وتصريحات ترامب من هنا وحتى نهار الجمعة ستحمل وكالعادة الشيء ونقيضه.
كل هذا سيبقي الأمر في إطار ما كان عليه في المرة الماضية..حرب تسجيل نقاط ومواقف ما بين الأطراف من دون ان يكون له قيمة فعلية.
الزام اسرائيل -إن لم يكن بالانسحاب فبوقف اطلاق النار أقله -يكون إما بجعلها طرفاً موقعاً على الإتفاق(وهذا غير مطروح) أو بإعلانها نتيجة الضغط الأمريكي تبنيها لكل مضامينه..
عدا عن ذلك ستستمر الحرب الأسرائيلبة وستتكرر اتصالات ترامب لتأنيب نتنياهو وسنكون قد انتقلنا من مرحلة (ايران لن توقع مذكرة التفاهم قبل انتهاء الحرب في لبنان )الى مرحلة (ايران لن توقع الاتفاق النهائي قبل انتهاء الحرب في لبنان).
خرج علينا البعض من المتفقّهين والمستخبرين والإنكاريين في علوم التربية والتعليم، ممن يحتكرون المعرفة والخبرة والحرص على التربية في هذا البلد، ليصوّروا النقاش حول إلغاء إجراء الامتحانات الرسمية وكأنه معركة بين حماة التربية وأعدائها.
لكن الحقيقة أن المشكلة ليست في الحرص على التعليم وجودته، بل في الإصرار على تجاهل الواقع وإطلاق الأكاذيب لتسويق فكرة سامية، لكنها غير موجودة في الحقيقة.
فمنذ الثاني من آذار، لم يعد الطلاب في لبنان يعيشون الظروف التعليمية نفسها. آلاف الطلاب لم يتلقوا تعليمهم بصورة طبيعية، ومئات الصفوف تعطلت، وثانويات ومدارس رسمية تحولت إلى مراكز إيواء، فيما عاش الطلاب والأهالي تحت وطأة القصف والتهجير والخوف والقلق اليومي. والحديث عن أن 70% من المنهاج قد تم تعليمه، إن صحّ الرقم واقتصر الامتحان على هذه النسبة، فأين هو تكافؤ الفرص الذي يُفترض أن يشكل أساس أي امتحان رسمي، بين طالب أُقفلت مدرسته منذ 2 آذار، وطالب استكمل تعليمه ودراسته وكثّف استعداداته وتحضيراته لامتحانات الشهادة الرسمية حتى منتصف شهر أيار؟!
كيف يمكن الحديث عن امتحان موحّد فيما ظروف التحضير لم تكن موحّدة؟ وكيف يمكن تقييم الطلاب وفق معيار واحد، فيما كان بعضهم يراجع دروسه تحت القصف أو في مراكز النزوح، بينما حُرم آخرون من الوصول المنتظم إلى مدارسهم وأساتذتهم؟
أما الحديث عن أن إلغاء الامتحانات يشكل خسارة للرأسمال الثقافي الوطني، فيتجاهل واقعاً بات معروفاً للجميع. فنسب النجاح في الشهادات الرسمية تتجاوز في فرع العلوم العامة 92%، وفي فروع أخرى 88% في الظروف العادية، ما يطرح أصلاً سؤالاً جدياً حول قدرة الامتحانات الحالية على قياس الكفاءات الحقيقية والتمييز بين مستويات الطلاب، ويطرح سؤالاً حول مدى مصداقية الشهادة أساساً. وهذا سؤال برسم الغيارى على إجراء الامتحانات الرسمية والمستخبرين في قطاع التربية والتعليم.
التربية في لبنان لا تُغتال بإلغاء امتحان للشهادة الرسمية فرضته ظروف استثنائية. التربية تُغتال عندما يبقى المنهج التربوي متخلفاً عن العصر، وعندما تغيب أدوات التقييم الحديثة، وعندما تنعدم المحاسبة والمساءلة في وزارة تفوح منها روائح الاستنسابية والتسييس والصفقات المشبوهة، وعندما يتحول القطاع التربوي إلى مساحة محاصصة وتنفيعات ومسايرات لقوى الأمر الواقع.
التربية تُغتال عندما تُترك المدرسة الرسمية وحيدة في مواجهة الانهيار، وعندما تعجز الدولة عن تأمين أبسط مستلزماتها، من التدفئة إلى البنى التحتية إلى الموارد البشرية، فيما يُطلب من اللبنانيين التصفيق لإجراء الامتحانات الرسمية.
أما من يتحدث عن أبناء الفئات الاجتماعية الأكثر حرماناً، فليجب أولاً: كيف نحمي هؤلاء فيما المدرسة الرسمية نفسها تُترك لمصيرها؟ وكيف نحمي المدرسة الرسمية أمام سطوة كارتيل المدارس الخاصة الدينية والمذهبية والعلمانية، وتعزيز دور ونفوذ المدارس الخاصة على حساب المدرسة الرسمية وطلابها وأهاليها الذين يُسحقون بالأقساط أو بالحقوق؟ كيف نمنحهم فرصاً متساوية فيما بعض الثانويات تحولت إلى مراكز إيواء؟ وكيف نطلب من طالب لم يحصل على تعليم منتظم أو دعم كافٍ أن يخوض امتحاناً مصيرياً باسم العدالة والإنصاف؟
ولا يكفي أن نتحدث عن الدعم النفسي للطلاب والأهالي. فالدعم النفسي لا يكون بالبيانات والمؤتمرات الصحافية. الدعم النفسي يبدأ بالاعتراف بحجم المأساة التي يعيشها الناس، وبأن الخوف والتهجير وفقدان الأحبة والقلق على المصير لا يمكن معالجته بشعارات عن المرونة والخطط البديلة.
ثم إن الحديث المتكرر عن الخطط والمرونة والتكيف مع المتغيرات والتكنيك والتكتيك وحرية اختيار مركز الامتحانات فنحن لسنا أمام مباراة كرة قدم تحتاج إلى تكتيك وتكنيك ومرونة في تبادل مواقع اللاعبين على أرض الملعب اثناء سير المباراة، بل أمام صحة الطلاب النفسية والعقلية والجسدية التي تهشمت وتضررت بشكل فادح وأمام مستقبل جيل كامل.
الحفاظ على قيمة الشهادة الرسمية لا يكون عبر التمسك الشكلي بإجرائها مهما كانت الظروف، بل بالحفاظ على صدقيتها ومعاييرها وعدالتها أولاً. والحفاظ على المدرسة الرسمية لا يكون بالشعارات، بل بإصلاحها ومحاسبة من أوصلها إلى هذا الواقع.
عودوا إلى الواقع قبل التنظير، وإلى وجع الناس قبل توزيع صكوك التربية والتعليم، وإلى مبدأ العدالة قبل اتهام الآخرين بالشعبوية.
فمن يعيش مع الطلاب والأهالي يومياً، ويستمع إلى مخاوفهم ومعاناتهم، يدرك أن القضية ليست قضية امتحان فحسب، بل قضية كرامة وعدالة ومساواة وصحة نفسية.
في وقتٍ تواصل فيه وزيرة التربية السيدة ريما كرامي حملاتها الدعائية حول الامتحانات الرسمية على منصات الوزارة، وتلجأ إلى إقفال التعليقات في إجراءٍ لا يعبّر إلا عن المكابرة والإنكار والهروب من الواقع التربوي، وقمع أصوات الطلاب والأهالي، وقعت غارة على بُعد أقل من ٥٠٠ متر من ثانوية المقاصد ومدرسة الراهبات في صيدا، وهما مدرستان مطروحتان كمركزين لإجراء الامتحانات الرسمية، ويُفترض أن يضما معًا نحو ٨٠٠ تلميذ من فروع العلوم العامة، والآداب والإنسانيات، والاجتماع والاقتصاد.
فكيف يمكن ضمان سلامة الطلاب يوم الامتحانات؟ وكيف يُطلب من الطلاب، الصامدين والنازحين من صيدا والنبطية وصور ومرجعيون وبنت جبيل وحاصبيا وسواها، الاستمرار في التحضير وكأن الظروف طبيعية، بينما يعيش قسم منهم في الخيم ومراكز الإيواء؟
على كل حال، لنا في لجنة التربية غداً كلام آخر.