قال الله سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه
(رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير)
ما أعظم هذه الآية وما أجلها وما أوسع ما اشتملت عليه (من تحقيق التوحيد -وكمال العبودية -وصدق الافتقار -وحسن التوكل -وعظيم حسن الظن بالله -وبيان حقيقة العبد مع ربه)
فتأمل كيف افتتح موسى عليه السلام دعاءه بقوله (رب) ولم يقل -ابتداء أعطني -أو ارزقني -أو ارحمني لأن من عرف ربه حق المعرفة -علم أن ذكر الرب قبل المسألة -هو أعظم أبواب الإجابة- إذ أن الربوبية تتضمن (كمال الخلق -وكمال الملك -وكمال التدبير -وكمال الرحمة -وكمال الإحسان) فمن كان هذا شأنه [تعالى وتقدس وتنزه في علاه ]فكيف لا يفيض على عبده من فضله ورحمته
ثم قال (إني) وفيها من معاني -الذل -والانكسار ما ليس في مجرد طلب الحاجة -لأنها إعلان من العبد أنه يقف بين يدي ربه مجردا من كل حول وقوة -فلا يغتر (بعلم -ولا بمنصب -ولا بسبب -ولا بعمل )
فجميعها هبات الوهاب
وإن كان موسى عليه السلام -من أولي العزم من الرسل -فقد علم أن أشرف مقامات العبد -أن يقف بين يدي ربه (ذليلا -منكسرا -مفتقرا) يعلم أن كل ما به من نعمة فمن الله(ربه) تعالى وتقدس وتنزه في علاه
ثم قال (لما أنزلت إلي من خير) -فجعل الخير كله منزلا من عند الله -وفي ذلك إشارة بليغة إلى أن كل خير في الوجود (ديني أو دنيوي -ظاهر أو باطن -عاجل أو آجل) فإنما مصدره الله سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه (فلا هداية إلا منه -ولا رزق إلا منه -ولا توفيق إلا منه -ولا رحمة إلا منه -ولا نجاة إلا بفضله )
ولذلك لم يحدد نوع الخير -لأن قلبه امتلأ يقينا بأن اختيار الله لعبده خير من اختيار العبد لنفسه -وأن عطاء الله أوسع من أماني العباد
ثم ختم بقوله (فقير) ولم يقل محتاج -لأن الفقر وصف ملازم للعبد لا ينفك عنه (فهو فقير إلى ربه قبل النعمة -وفي وجودها -وبعد زوالها -بل هو فقير إليه في كل لحظة من عمره -وفي كل نفس يتردد بين جنبيه )
ولذلك قال سبحانه تعالى وتقدس وتنزه في علاه
(يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)
فأثبت تعالى الفقر لجميع الخلق -وأثبت الغنى المطلق لنفسه سبحانه وتعالى (لأن كل ما سواه قائم به -مفتقر إليه -لا يستغني عنه طرفة عين)
(وهنا يتجلى سر هذا الدعاء العظيم )
فإن العبد كلما ازداد معرفة بالله تعالى - ازداد افتقارا إليه -وكلما ازداد افتقارا إليه -ازداد غنى به
لأن الغنى الحقيقي (ليس بكثرة المال -ولا بجاه -ولا بقوة -وإنما بأن يمتلئ القلب بمعرفة الله- والثقة به -والتوكل عليه -والرضا عنه -فمن افتقر إلى الله أغناه -ومن توكل عليه كفاه -ومن فوض أمره إليه هداه -ومن أحسن الظن به أعطاه فوق ما يرجو)
فلنتق الله -ولنكثر من هذا الدعاء العظيم -ولنردده بقلوب حاضرة مستيقنة
(فإن الخير كله بيد الله -فخزائنه لا تنفد- ورحمته وسعت كل شيء)
ومن أقبل عليه صادقا -بقلب منكسر -أغناه من فضله -وفتح له من أبواب رحمته -وتوفيقه -ما لا يخطر له على بال.