أسأل الذي فـتح بيته العـتيق..
وأتى بالخلق من كل فج عميق..
أن يرزقنا حجا إلى بيـته الحرام..
مهلين بالتلبيةوالتكبير والإحرام..
وأن يعيدنا جمـيعا عليه كل عام..
قال تعالى:
"قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هوخير مما يجمعون"
سامحوني على الإطالة والإزعاج،
والحمد لله رب العالمين.
تبقى مسألة أخيرة أختم بها وهي أن الأعمال التي لها مثل ثواب وجزاء الحج لا يعني أبدا أنها تغني وتجزئ عن أداء فريضة الحج، فالجزاء لايعني الإجزاء.
وكما أن الذي صلى بالحرم يحصل على ثواب مائة ألف صلاة فهذا الفرض بالحرم لا يسقط عنه مائة ألف فريضة، إنما هو ثواب وليس هو إسقاط، فكذلك هنا.
وأنا والله لا ألوم الذي يبكي إذا رأى الحجاج ويتمنى لو كان معهم،
فعلا الحج هو أسعد رحلة بالعالم،
والحاج الذي ذاق الحج الروحاني يعرف عن ماذا أتكلم.
ولكن سبحان من عوض من لا يستطيع الحج بهذه الحجات العديدة المتنوعة، فيمكنك أن تأخذ منها ما شئت.
قال تعالى:
"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم"
فالذين لم يستطيعوا أن يرحلوا مع النبيﷺ كانوا يبكون وهم يفارقون هذه الرحلة
قال تعالى:
"إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون"
ما قال: (وأعينهم تدمع)
قال: (وأعينهم تفيض من الدمع!)
تفيض!
هذه عيونهم فكيف حال قلوبهم؟!
ليس الفوز لمن سار فقط بجسده لمكة،
إنما الشأن لمن سار بقلبه إلى الحج فسبق بنيته الصالحة جميع الحجاج وهو ببيته!
من لي بمثل سيرك المدللِ
تمشي رويدا وتجي في الأولِ
فإذا علم الله أنك تريد الحج ولكنك لا تستطيع أعطاك الحج كاملا
لكن بشرط أن يكون ذلك فعلا بصدق من كل قلبك وليس ادعاء فقط
ثم ذكر ابن رجب قصة فقال:
(نام أحد الصالحين بعرفة فرأى رؤيا أن قائلا يقول له:
هل ترى هذا الزحام بموقف عرفة؟
قال: نعم!
قال له: ما تُقبل الحج من أحد منهم!
إلا رجل واحد نوى الحج بصدق بهمته، لكنه تخلف لعذر.
فوهب الله له أهل الموقف)
يعني أن الله تقبل من أهل عرفة حجهم كرامة لأجله هو!
أتدري ما المفاجأة؟!
المفاجأة أن بعض من تخلف عن الحج ربما حصل على أجر أكبر من بعض الذين ذهبوا
قال ابن رجب:
(وربما سبق بعض من سار بقلبه وعزمه وهمته بعض السائرين ببدنه)
ياسائرين إلى البيت العتيق لقد
سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا
ومن أقام على عذر كمن راحا
فليس فقط الحج تصل إليه بالنية، بل كل شيء!
انظر مثلا إلى من نوى الجهاد ولم يذهب بسبب العذر، هل فعلا فاته؟
النبيﷺ رجع من غزوة تبوك فقال:
"إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا و هم معنا، حبسهم العذر"
سؤال: كيف يكونون معهم وهم جالسون بالمدينة؟!
هذا ما تفعله النية.
وأخيرا..
استخدم آخر وسيلة للحج..
إنها النية!
والنية تجارة الأذكياء، إنها تحول التراب إلى ذهب.
كيف؟
إعقد في نفسك إنك فعلاً فعلاً لو استطعت الذهاب إلى الحج، لذهبت.
فإذا اطلع الله على قلبك فرآك صادقا فإنه سيعطيك أجر الحج كاملا ولو لم تذهب،
وهذا ليس فقط بالحج..بل في كل العبادات.