حين يصبح العطاء ذاكرة لا قرارًا
منذ الطفولة، لا تُزرع القيم بالمواعظ ولا تُحفظ بالخطب، بل تُغرس بالمشاهد التي تتكرر بصمت. أذكر أبي وهو يضع في يدي مبلغًا صغيرًا، ثم يشير بهدوء إلى محتاج يقف على الطريق. لم يكن يشرح كثيرًا، ولم يكن يمدح فعله، فقط يقول بثبات: أعطهم. أحيانًا يكون عاملًا بسيطًا، وأحيانًا رجلًا عند باب مسجد، وأحيانًا شخصًا لا نعرف اسمه ولا قصته، لكن الرسالة كانت واحدة: العطاء فعل لا خطاب.
في تلك اللحظات البسيطة وُلدت روح العطاء في داخلي، ومع تكرارها انعكست عليّ دون أن أشعر، حتى أصبحت منهجًا ثابتًا في حياتي، ��ا كتصرف مؤقت، بل كأسلوب عيش يوجّه سلوكي واختياراتي اليومية. كانت تربية صامتة من أبٍ أدرك أن القيم حين تُمارَس تُرسَّخ، وحين تُلقَّن قد تُنسى.
ومع الزمن فهمت أن العطاء لا يُختصر في المال فقط، بل في الكلمة الصادقة، وفي المساعدة الصامتة، وفي إماطة الأذى عن القلوب، وفي بناء الهمم عندما تضعف النفوس. علّمني هذا المنهج أن العطاء قد يكون موقفًا، أو دعمًا، أو أثرًا طيبًا يتركه الإنسان حيثما مر. ليس العطاء أن تمتلك الكثير، بل أن تكون نافعًا، صادق الأثر، كريم الروح.