لطالما كانت المرأة البدوية ذات أهمية كبرى لمجتمعها البدوي، فمن أجلها تقام الحروب، وتعقد الهدن، وتقال الأشعار. ذلك المجتمع البدوي الذي سبق الحاضرة كما قال عنه ابن خلدون في كتاب (تاريخ ابن خلدون) أن:" البدو أصل للمدن والحضر، وسابق عليهما ". للبداوة تأثير على أبنائها فهم حتى وإن انتقلوا للمدن يعيدهم الحنين إليها دائمًا، وفي ذلك مثال: ميسون الكلبية التي تزوجها معاوية بن أبي سفيان ونقلها إلى دمشق، ولكنها كرهت "الحضارة"، وأبدت حبها للبادية من خلال أبيات قصيدتها التي قالت فيها:
لبيت تخفق الأرواح فيه أحب إلي من قصر منيف
كانت المرأة البدوية كالنهر الذي يسقي كل شيء من حوله ويرويه، فهي التي تبني خيمة أسرتها، وترعى ماشيتها، وتصنع طعامها، وتجمع حطبها، وتجلب ماءها، وكل ما يستلزم أسرتها ونفسها من احتياجات، حتى مواد الزينة أوجدتها مما حولها من مواد، فتزين عينيها من حجر الإثمد، وتخضب يديها وفمها وشعرها وقدميها بالحناء، وفي فرادة زينتها تغنى المتنبي في أبياته الشهيرة: "حُسنُ الحضارةِ مجلوبٌ بتطريةٍ. وفي البداوةِ حسنٌ غيرُ مجلوب". هكذا كانت المرأة البدوية تصنع من اللاشيء شيئًا له قيمة ومعنى. وهذا ما فعلته سيدات بدويات كبيرات بالسن في وسط المدينة، اللائي لم تناسبهن ثقافة المقاهي، فأوجدن لهن مقاهي تناسبهن -منزلهن الأول "بيت الشعر"-، حيث يجتمعن لسرد القصص، والأخبار، وصنع الطعام، وتداول الأشعار كما كن يفعلن قديمًا.
في هذا العصر الحديث الذي يظن فيه الإنسان المعاصر أن مظاهر البداوة قد اندثرت من فعل الحضارة، لكن هنا في هذا المشهد تقف الخيمة لتقول لنا إن البداوة متأصلة في التمدن، باقية لا تندثر، تتشكل حسب رغبتها واحتياجها بما يناسبها، ويتوارثها جيل بعد جيل...
في حلقتي الأخيرة تحدثت عن برمجة العقول…
عن كيف تتحول “الترندات” من ترفيهٍ عابر إلى أداةٍ تُوجّه الذوق والفكر،
وكيف نصبح نحن المحتوى بدل أن نصنعه.
حديثٌ عن العقل، والسوشال ميديا، وما بينهما من تأثير لا يُرى لكنه يُغيّر