أمام رياح الشتاء
تتعرى الأشجار من أثوابها
تعري بغايا يستعدن للاستحمام
بعد موسم طويل من القطف،
أشعر ببرد الشتاء الآن،
وسيدة عجوز في الأسفل
تخلع قبعتها ورداءها وجوربيها
وتضعهما فوق قبر تعرفه،
لا تُريدُهُ أن يموت مرتين،
أُشاهدها تعودُ لبيتها شجرة عارية
تستعدُ لرقصة الشتاء الأخيرة.
في معظم كتابات ألبير كامو، يصبح الصيف تجربة وجودية كاملةً تعكس جوهر علاقة الإنسان بالعالم. ففي معظم أعماله النثرية والمسرحية والفكرية تسطع الشمس ويظهر البحر وينير الضوء المتوسطي كعناصر رئيسة تشكّل الرؤية الفلسفية للكاتب، وتعبّر عن تناقض مركزي في فكره: كيف يمكن للإنسان أن يحب الحياة ويحتفي بجمالها في الوقت الذي يدرك فيه عبثها ومحدوديتها؟
هذا ما حاولت الإجابة عنه في هذا العدد من #نشرة_إلخ #ثمانية
https://t.co/VpwMSRZSy3
النقص الذي أنقذ كريستيانو من عبادة نفسه
محمد العباس
لا يختبر القدر العاديين. إنه ينتظر العظماء حتى يوشكوا على ملامسة الكمال، ثم يترك فيهم ثغرة واحدة لا تندمل. وفوق كتفي كريستيانو رونالدو استقرت تلك الثغرة، كما تستقر الندبة على وجه تمثال لا يشيخ.
كانت حياته محاولة متواصلة لإثبات أن الإرادة تستطيع إعادة كتابة قوانين الطبيعة. حارب الزمن كما لو كان خصماً في الملعب. روّض الجسد حتى بدا أنه خرج من حدود البيولوجيا. حوّل الانضباط إلى عقيدة والعمل إلى قدر حتى غدت سيرته احتجاجاً دائماً على فكرة الحدود. وكلما اعتقد الناس أن النهاية اقتربت عاد ليؤجلها وكأنه يخوض مباراته ضد الفناء أكثر مما يخوضها ضد خصومه.
ثم وقف أمام كأس العالم. وكانت تلك اللحظة التي صمتت فيها الإرادة، ونطق القدر.
كتبت رويترز: «رغم كل أرقامه، لم يستطع رونالدو فك شفرة كأس العالم». في هذه العبارة تختبئ مفارقة تتجاوز كرة القدم. يستطيع الإنسان أن ينتصر على منافسيه وأن يهزم التعب وأن يتجاوز ما ظنه الآخرون مستحيلاً ثم يجد نفسه أمام باب لا يُفتح إلا إذا وافق القدر.
كل عظيم يحمل تصدعاً يطارده. ذلك التصدع يمنح العظمة معناها الأعمق. فالسيرة التي تبلغ تمامها تتحول إلى نصب رخامي صامت. أما السيرة التي تحتفظ بأثر مبتور فتظل نابضة بالحياة لأن الأسئلة لا تموت. الامتلاء المطلق يترك وراءه إعجاباً عابراً. أما الغياب فيترك أثراً يستدعي التأمل الطويل.
كان إميل سيوران يرى أن النقص ينقذ الإنسان من عبادة نفسه. وعند إسقاط هذه الفكرة على رونالدو تنكشف طبقة أعمق من المأساة. فقد عُرف طوال مسيرته بسعيه الدائم إلى تجاوز الإنسان في داخله عبر العمل والانضباط والإرادة. وكأن القدر حجب عنه الكأس حتى يحول دون اكتمال صورته.
وربما كانت تلك الثغرة ضرورة وجودية أكثر من كونها خسارة رياضية. فالتصدع يغدو كبحاً تراجيدياً لجبروت الإرادة الإنسانية. ويبقى صاحبه إنساناً في قلب الأسطورة. فالأساطير المغلقة تنتهي عند لحظة إحكامها. أما الأساطير التي تحمل ندبة فتظل قابلة لإعادة القراءة مع كل جيل.
ومن هنا تلتقي حكايته مع الحساسية الجمالية عند شارل بودلير. كان يبحث عن الجمال في التوتر بين المثال والزوال وبين ما يشرق وما يتداعى. فاللامكتمل يمنح الأشياء عمراً أطول من الكمال. وتتجلى هذه اللحظة البودليرية في ذلك المشهد المهيب. دموع رونالدو في الممر الضيق المؤدي إلى غرف الملابس بعد ليلة الإقصاء. كما باحت بذلك تضاريس وجهه.
في ذلك الممر المعتم انهار المثال الصارم وظهر الإنسان بكل هشاشته. تلك الدموع وذلك الجسد المنهك شكلا الشق الصغير في التمثال. ومن خلال ذلك الشق دخل الزمن إلى الأسطورة وسكنت الذاكرة فيها. ولهذا نعود إلى تلك الصورة مرة بعد أخرى.
لو عاد رونالدو من كأس العالم بالكأس لانغلقت حكايته كما تنغلق الدائرة. وكان التاريخ سيمنحه خاتمة سعيدة ثم يطوي الصفحة الأخيرة. أما اليوم فقد بقيت الصفحة مفتوحة. وبقي سؤال واحد يرافق اسمه أكثر من كل أرقامه. كيف استطاع رجل أن يهزم حتمية الزمن ثم يعجز أمام الصدفة؟
يمثل الزمن تلك الحتمية البيولوجية القاسية التي استطاع رونالدو ترويضها بعبقرية الانضباط. وتمثل الصدفة ذلك العنصر المنفلت الذي يتشكل في تفاصيل مباراة واحدة وفي ارتداد كرة وفي لحظة لا تخضع للحساب. انتصر على الجسد وانتصر على الوقت وانتصر على حدود الطاقة البشرية. ثم وجد نفسه أمام عالم لا تعترف قوانينه بالإرادة وحدها. عالم يحكمه الاحتمال كما يحكمه الجهد.
خرج رونالدو من المونديال محملاً بكل ما يمكن لإرادة بشرية أن تنتزعه من مخالب الفناء. وترك خلفه تلك الكأس العصية. غيابها منح إرثه بعده التراجيدي ومنح حكايته خلودها. فالذاكرة البشرية يصيبها الملل من النهايات الكاملة. وهي تعود دائماً إلى الحكايات التي تركت سؤالاً مفتوحاً وإلى الأبطال الذين حملوا معهم ثغرة واحدة لا تندمل.
دالية المعرّي التي يرثي فيها أبا حمزة الفقيه .. غيرُ مجْدٍ في ملتي واعتقادي
قصيدة عجيبة، ولا أبالغ إن قلت إنها أعظم قصيدة في الشعر العربي كله، ولا مجال للحديث المفصّل عنها لكني سأستشهد منها بثلاثة أبيات لطيفة
هذا المشهد نفسه مر على صالح النشيرا وجاء منه هذا التساؤل العميق
أنا ليه أكترث للشمس لا هفّت ورا المشراف
وهي لا هفّت أول ما يقفي عني ظلالي
الله اكبر ياخي
الله اكبر
رونالدو… حين خرج المجد من قلبه على هيئة إيقاع
حين يعجز القلب عن حمل امتلائه يتحول إلى إيقاع، ولهذا بدا رونالدو تلك الليلة كأنه يقرع صدره أمام العالم على هيئة طبل. ثمة لحظات في حياة الإنسان تتجاوز معنى الاحتفال العابر. لحظات يتحول فيها الفعل الصغير إلى رمزٍ كثيف يختصر رحلة كاملة من التعب والرغبة والسعي نحو الاعتراف. ومشهد رونالدو وهو يضرب الطبل وسط جماهير النصر حمل هذا المعنى بصورة عميقة تكاد تلامس جوهر الإنسان نفسه.
الإنسان في داخله يبحث دائمًا عن صدى يشبهه. يريد أن يسمع وجوده في أصوات الآخرين وأن يرى قلبه يتحرك داخل عيون الجماعة. ولهذا بدت المدرجات تلك الليلة ككائن حي واحد. الأعلام تتحرك مع الهتافات والإيقاع يتكرر في الهواء كنبض جماعي واسع. رونالدو أمضى عمره في مطاردة الكمال. الكمال في الجسد وفي الانتصارات وفي الصورة التي يراها العالم عنه. غير أن القمم العالية تصنع حول أصحابها عزلة خفية. فكلما ارتفع الإنسان أكثر صار أبعد عن دفء اللحظات البسيطة.
ومن هنا جاءت قوة تلك اللقطة. حين طلب الطبل وأمسكه ظهر كأنه يضع يده فوق قلبه للمرة الأولى منذ سنوات طويلة. رفع العصا ببطء ثم هبطت الضربة الأولى. وكانت الأضواء الكاشفة spotlight تتجمع فوقه وحده وسط اتساع المدرجات، كأن الملعب كله انسحب إلى الظل تاركًا الرجل واقفًا داخل دائرة ضوء ضيقة تشبه لحظة اعتراف أخيرة. بدا جسده تحت الإضاءة أكثر عزلة وأكثر وضوحًا، وكأن العالم بأكمله توقف ليراقب إيقاع قلبه وهو يخرج إلى العلن.
حتى ابتسامته بدت واعية بخلود اللحظة، ابتسامة رجل يعرف جيدًا أن عدسات العالم كلها معلّقة على وجهه في تلك الثواني. كان يدرك أن المشهد سيتحول لاحقًا إلى ذاكرة بصرية طويلة، تُعاد آلاف المرات عبر الشاشات والمنصات وعيون الجماهير. ومع ذلك حمل وجهه خفة نادرة، كأن السنوات الثقيلة التي قضاها في مطاردة الكمال تراجعت فجأة إلى الخلف. بدا للمرة الأولى متصالحًا مع صورته أمام الآخرين، يؤديها كنجم يعرف قواعد المشهد، ويعيشها كإنسان سمح لقلبه أخيرًا أن يظهر دون حذر.
صوت عميق خرج من الطبل وانتشر في المدرجات مثل موجة دافئة. وفي تلك اللحظة بدا الإيقاع متصلًا بخفقات قلبه نفسها. كل ضربة حملت شيئًا من تاريخه الطويل. سنوات الركض الطويل تكثفت في ضربة واحدة، تختزل عناد الصعود وضريبة البقاء على القمة. وفي تلك اللحظة بدا العرق والدموع وكأنهما ينحدران من المعنى نفسه، فكلاهما ماء يخرج من الإنسان حين يعجز القلب عن احتمال ما يشعر به.
الطبل في جوهره يشبه القلب. كلاهما يمنح الحياة معناها عبر التكرار. ضربة تتبعها ضربة ثم صدى يثبت أن شيئًا ما يزال حيًا في الداخل. وطبل الجماهير النصراوية تحول إلى مرآة داخلية. الإيقاع الخارجي صار يكشف الإيقاع الخفي في صدر الرجل. فقد وجد قلبه أخيرًا صوتًا مسموعًا خارج الجسد.
ومع كل ضربة على الطبل كان الهتاف يتمدد عبر المدرجات: «Siuuuuuu!» كصدى جماعي يخرج من آلاف الحناجر في اللحظة نفسها، حتى بدا المشهد كله كقلبٍ هائل ينبض بإيقاع واحد. اختفى الحاجز بين اللاعب والمدرجات. صار الجميع داخل نبض واحد. رجل يضرب الطبل وجمهور كامل يمنحه صدى وجوده. وكأن ضربات الطبل كانت تردد مع الجماهير النصراوية حقيقة واحدة: نحن نستحق كأس الدوري.
في الفلسفة القديمة ارتبط الإيقاع دائمًا بفكرة الحياة. القلب يعلن وجود الإنسان عبر النبض والطبل يعلن وجود الجماعة عبر الصوت. ولهذا حمل المشهد ذلك التأثير الغريب. فقد جمع بين النبض الفردي والنبض الجماعي في لحظة واحدة. وكأن المشهد يتهجّى الطريقة التي يتحول فيها الجسد من آلة للإنجاز إلى وعاءٍ للنبض الجماعي.
رونالدو في تلك الثواني بدا بعيدًا عن صورة الأسطورة الباردة التي صنعتها الكاميرات عبر السنين. ظهر كإنسان يحاول أن يتحرر من ثقل المجد عبر إيقاع بسيط يشبه العودة إلى الأصل الأول للأشياء. إلى الصوت البدائي الذي عرفه البشر قبل اللغة وقبل الموسيقى المنظمة.
وفي النهاية، كأن المخرج فهم أن المشهد أكبر من رجل واحد. بدأت الكاميرا تدخل في حركة zoom out، يتسع معها الإطار شيئًا فشيئًا، فتظهر المدرجات بكامل كثافتها، بحرٌ أصفر من الوجوه والأعلام والهتافات. ورونالدو في المنتصف ما يزال يضرب الطبل داخل دائرة الضوء، صغيرًا أمام الامتداد الهائل من البشر، عندها كانت اللحظة تقول إن الإنسان مهما بلغ من المجد يظل في النهاية مجرد نبض داخل قلب جماعة أكبر منه.
ولهذا بقيت اللقطة حيّة في ذاكرة الناس. وقوتها جاءت من ذلك الانسجام الخفي بين ضربات الطبل وخفقات القلب. بين رجل أمضى عمره يركض خلف المجد وبين لحظة وجد فيها نفسه أخيرًا قريبًا من الناس ومن ذاته في وقت واحد. وكأن الأسطورة التي طالما أذهلت العالم بصمتها البارد، اختارت أخيراً أن تتحدث عبر إيقاعٍ بسيط، يفهمه الجميع، ولا يموت.
النصر.. حالةٌ مختلفة ..
قد تعتقـد بأن الانتماء له يعني تشجيعًا لأي فريق..
لكن الواقع.. يصبح أكبر من ذلك بكثير ..
تجـد قلبـك يهيمُ به .. يتعلّق به دون أن تشعـر ..
يُصبح هذا النصر متحكمًا في يومك، و حالك، و مزاجك، و سعادتك..
الأفضل في التاريخ، كريستيانو رونالدو، واحِدٌ من ملايين يعشقون النصر .. 💛
حضر ليلعب كرة القدم .. فوجد نفسه عاشقًا لهذا الكيان 💛
جدول «خيقي بيقي خذ يا رفيقي»..!
مرّ علينا واحد من أغرب المواسم وأكثرها إثارة للجدل، ليس فقط داخل الملعب، بل حتى خارجه، بسبب جدولة بدت وكأنها تُدار بعشوائية أو بقلة خبرة وقلة “دبرة” إن جاز التعبير.
جدول هذا الموسم جاء بطريقة تجعل المشجع البسيط قبل المتخصص يتساءل: هل ما يحدث عمل احترافي فعلًا؟
أنا هنا لا أشكك، لكن من الطبيعي أن تصنع الجدولة السيئة ظنونًا سيئة لدى بعض الجماهير، خصوصًا عندما يشعر الجميع بأن هناك فريقًا حظي بظروف مريحة، بينما آخرون يواجهون ضغطًا واستنزافًا متواصلًا.
كيف يمكن أن يخوض فريق مباريات متتالية سهلة ومستقرة، بينما فرق أخرى تدخل سلسلة مواجهات مرهقة وصعبة دون أي توازن؟
كيف يُطلب من الهلال أن يلعب في القصيم ثم الدمام ثم يغادر مباشرة إلى جدة لخوض نهائي بطولة أخرى وبعد ذلك يلعب مباراة الدوري التي يحدد من خلالها البطل، بينما منافسه يلعب ثلاث مباريات متتالية في الرياض؟!
وكيف يمكن إقناع الجمهور بعدالة المنافسة عندما تُوضع مواجهات النصر أمام الهلال والأهلي أثناء بطولة أفريقيا، في توقيت تم فيه تجريد الهلال من أهم أسلحته بغياب ياسين بونو وكاليدو كوليبالي، وتجريد الأهلي من أهم عناصره بغياب إدوارد ميندي وفرانك كيسيه ورياض محرز؟!
كيف يمكن أن يقتنع المشجع بأن المنافسة تسير بعدالة بينما بعض الفرق تُحرم من نجومها الأساسيين في أهم مراحل الموسم بسبب توقيت لا يراعي الظروف القارية والدولية؟!
وكيف يمكن أن يلعب فريقان يتصارعان على الهبوط في اليوم نفسه ولكن بتوقيتين مختلفين، كما حدث مع ضمك والرياض و في الجولة قبل الأخيرة ؟!
بل كيف تُقام مباراة بحجم الأهلي والنصر بعد نهائي آسيوي بأربعة أيام فقط، وخارج أرض الأهلي المنهك بدنيًا وذهنيًا؟! الذي خسر التنافس على اللقب بسبب هذه المباراة !؟
الحقيقة أن أخطاء التنظيم هذا الموسم لا يمكن حصرها، والرابطة فشلت في إقناع أبسط مشجع بأن ما يحدث يُدار وفق معايير احترافية واضحة وثابتة.
والمؤسف أن الأزمة لا تقف عند الجدولة فقط، بل تمتد حتى إلى معايير الدعم للموسم المقبل، التي ظهرت بصورة بعيدة عن الفكر الاحترافي والإدارة الرياضية والتسويقية الحديثة.
الجماهير لا تريد تبريرات… الجماهير تريد عدالة، ووضوحًا، واحترامًا لعقولها، قبل أن تريد بيانات تبرير أو محاولات إقناع لا يصدقها أحد .
«المقامة النصراوية—التي أسقطها الحريري سهوًا—»
حكى الحارث بن همام قال:
شهدت مجلسا من مجالس أهل الوفاء، ممن عُرفوا بالصبر في الضراء، وباركوا أنفسهم بالبأسِ والجلدِ عند اللقاء. وقد جرى بينهم ذكر المشغوفين بالغرام، والمبتلين بعشق الأعلام، فكلٌ يدّعي أن هواه الأشدّ، ووفاءه الذي لا يحدّه حدّ. فبينما القوم في جدالٍ عريض، ونزاعٍ بين شديدٍ وغريض، إذا بأديبٍ من أدباء الكلمة، قد بدت عليه سيماءُ الأنفَة، يعيشُ بين أملٍ تليد، وترقّبٍ عجيب لفارسِ نجدِ العتيد.
أسفر وجهه عن شمسٍ شارقة، ونبرةٍ بالصدقِ ناطقة، ثم صاح بالقومِ، فقال:
«أيها المحشورون في مدائن الهوى، والمأسورون بما في النفوس قد انطوى؛ ألا أنبئكم بما معنى أن تكون نصراويًا؟
أن تكون نصراويًا؛ هو أن تحمل في صدرك لون التبر، وتستعذب في سبيل محبوبك القهر؛ فتنام على جمرِ الترقّب كأنه حرير، وتصحو بوعد الأمل كأنه البشير. لا يغرنك بريقُ الظافرين العابر، فأنت في حبِّ النصر بطلٌ صابرررررر!»
فصاح الجموع هاتفين، ثم استرسل ودمع الفرح يكادُ يطفر من مآقيه، ومذاقات السعد تهزُّ عواطفه وتطويه، وفرحةُ النصر تلوح في مآقيه، فقال:
«يا قوم، إن عشقنا ليس لعبًا في الميادين، ولا فرحة ساعة تنقضي مع السنين، انما هو عهد وثيق، ونفس أبية تأبى البديل، ولو كان الدرب طويلاً وثقيل. كم تلمسّنا الأعذارَ بعد كل كبوة، وكم أحيينا الأمل في أنفسنا بعد كل جفوة، نقول لعل الفوز غدا، ولعل شمس الأصيل تشرق على اليأس والكمدَ.
فنحن قومٌ نقتاتُ على الوفاء، ونبني من رماد جمرِ الترقب قصورا من رجاء، لا تكسرنا شماتة العاذل الكاشح، ولا تهزنا سخرية الغادي والرائح، ولا نخشى من ألاعيب المكر الفاضح! لأننا علمنا أن خلف هذا الليل الطويل فارسا لا بد أن يستفيق، ومجدًا لا بد أن يجد إلى منصاته الطريق، لتغمرنا الفرحة الكبرى التي تنسي اللواعب، ونلتمس الفوز العظيم الشاهد على تذليل المتاعب».
قال الحارث: فوالله لقد أخذت القلوب روعته، وأذهلت العقول نبرته، وسرى شجنه في الحاضرين مسرى النارِ في الهشيم، إذ جعل القهر عذبا، وجمر الترقّب فرشا رحبا، وبكى لبكائه من كان يعذِلُه، ورقّ له من كان يجهلُه، وضجّ المجلس بالفوزِ المنتظر، والفرح الغامر المنتشررررر، وقال في الختام:
«تباهوا فأنتم تشجعون فارس نجد-النصررر-الذي يستمرئ شرف الهزيمة على أن يخرق خوارم المروءة للفوز بالخديعععة، فلا يقبل إلا فوزًا نبيلاً، تهتفُ له قلوبُ محبّيه صهيلاً جليلًاااااا. »
💛💛💛💛💛💛💛💛💛