حوش الخياطات
#ليث
في العاشرة من عمري
لم تكن حارتنا تحتاج إلى منبهات لتبدأ يومها
كانت الساعة الثامنة صباحاً ترتبط بصرخة "جارتنا" التي تشق سكون الشارع
صوتها الحاد والواثق يتطاير بين الجدران
ينادي الأسماء متلاحقة بلا توقف
حتى حفظنا قائمة تلك الأسماء كلّها عن ظهر قلب
دون أن نعرف يوماً أي وجه يخص أي اسم
كان بيتها مشغلاً خفياً يضج بالحياة
تتسلل إليه كل صباح نحو خمس عشرة فتاة
بين محترفة تغزل القماش بسرعة الخاطر
ومبتدئة تتهجى أول غرزات الإبرة
لم يكنَّ مجرد خياطات
بل كُنَّ كخلية نحل تتوزع المهام في الحوش
يرتفع صفير الماكينات، وتتداخل الضحكات
وتتوزع أطباق الأكل وأعمال البيت بين أيديهن بروتين لا يهدأ
حتى تأتي الرابعة عصراً
لكن السر الأكبر في ذلك الحوش لم يكن الخياطة
كانت ابنتها الوحيدة
فتاةٌ نسج أهل البلدة حول جمالها الحكايات
وصارت تذكر في المجالس كمعيار مطلق للحسن والفتنة
كنت أسمع لغط الناس عنها وعن حُسنها
فيتملكني الفضول الصغير لفك هذا اللغز
أصعد أدراج السطح بخطوات خافتة
أحني جسدي وألصق عيني بشق بارد في الجدار العتيق يطل على حوشهم
من هناك.. كنت أسترق النظر
أرى الأقمشة الملونة تتطاير
وأراقب وجهها الباهر الذي كان بالنسبة لطفل في مثل عمري يشبه الأساطير
جمال أكبر من أن تستوعبه تفاصيلي الصغيرة
وعندما تقترب الساعة من الرابعة
أركض نازلاً الدرج بقلب يخفق
لأقف أمام باب بيتنا تماماً
أعدل هيئتي وأمارس "استعراض البطولات" أمامهن أثناء خروجهن الهادر
كُنَّ كلُّهنّ أكبر مني بكثير
ويعرفن أنني مجرد طفل يعبث في الحارة
لكن الوقوف في طريقهن أثناء الانصراف كان طقسي اليومي المفضل
مهرجاني الخاص الذي أعبر به نحو المساء
مضت السنوات
وانفرط عقد البنات
وتوقفت الماكينات عن الدوران
لكن صوت الجارة وشق الجدار ووجه ابنتها الأسطوري
ظلت كلها محفورة في ذاكرتي..
كمشهد سينمائي قديم من سنوات الطفولة الأولى
بعض الشقوق لا تطل على حوش مجاور.. بل تشق جدار الزمان لتبصر أول العمر وأجمل الذكريات
حيث تعثر المراهقة على أولى دهشتها وتشرق الروح على عتبات الجمال
#قصص #ذكريات_الطفولة
من مداد الخزامى وفي مقهاهم الأدفأ
ينسكب الحرف طازجاً مع رائحة البن..
مُدمن قهوة
مقال جديد أتركه بين أيديكم ليعبر عن الشوق حين يعجز الكلام
أتمنى أن يلامس أرواحكم العذبه ✨
#مقهى_الخزامى
مُدمن قهوة
لا يبدأ الإدمان بالفنجان الأول
بل باللحظة التي تكتشف فيها أن مرارة القهوة هي الوحيدة التي تملك شجاعة الشوق
أن تكون مدمن قهوة
يعني أن تشرب الغياب مطهواً على نار هادئة
وأن تجعل من رائحة البن لغة ثانية في ترجمة الحنين
تجلس وحيداً
تمسك الفنجان ببراعة عاشق يخشى أن يفلت من يده الخيط الأخير
يتصاعد البخار كأنفاس دافئة مرت على خاطرك للتو
فتتأمل تلك السحابة الصغيرة
لتستحضر فيها وجهاً أقام في النبض ولم يغادر
في الرشفة الأولى
تتسلل الحرارة إلى عمق الصدر لتوقظ الشوق الدفين
فالقهوة لا ترشف باللسان وحدها
بل تُلمس كأنها يد غائبة
وتُسمع كأنها عتاب هادئ في منتصف الليل
كل فنجان ينتهي
هو اعتراف صامت بأن المرارة ليست في البن..
بل في انتظار من نحب
القهوة ليست مجرد مزاج… إنها الوعاء الذي نسكب فيه الشوق حين يعجز الكلام عن حمل ثقله
@0C6l_ حين يمتزج مرار الشوق برائحة القهوة يولد الحرف الصادق
أسعدني جداً أن راق لك النص وهو يمر بين أروقة الخزامى التي تمنحه روحه
كل الشكر والا��تنان لقراءتك الرفيعة وطيب ثنائك 🌿🌹
حوش الخياطات
#ليث
في العاشرة من عمري
لم تكن حارتنا تحتاج إلى منبهات لتبدأ يومها
كانت الساعة الثامنة صباحاً ترتبط بصرخة "جارتنا" التي تشق سكون الشارع
صوتها الحاد والواثق يتطاير بين الجدران
ينادي الأسماء متلاحقة بلا توقف
حتى حفظنا قائمة تلك الأسماء كلّها عن ظهر قلب
دون أن نعرف يوماً أي وجه يخص أي اسم
كان بيتها مشغلاً خفياً يضج بالحياة
تتسلل إليه كل صباح نحو خمس عشرة فتاة
بين محترفة تغزل القماش بسرعة الخاطر
ومبتدئة تتهجى أول غرزات الإبرة
لم يكنَّ مجرد خياطات
بل كُنَّ كخلية نحل تتوزع المهام في الحوش
يرتفع صفير الماكينات، وتتداخل الضحكات
وتتوزع أطباق الأكل وأعمال البيت بين أيديهن بروتين لا يهدأ
حتى تأتي الرابعة عصراً
لكن السر الأكبر في ذلك الحوش لم يكن الخياطة
كانت ابنتها الوحيدة
فتاةٌ نسج أهل البلدة حول جمالها الحكايات
وصارت تذكر في المجالس كمعيار مطلق للحسن والفتنة
كنت أسمع لغط الناس عنها وعن حُسنها
فيتملكني الفضول الصغير لفك هذا اللغ��
أصعد أدراج السطح بخطوات خافتة
أحني جسدي وألصق عيني بشق بارد في الجدار العتيق يطل على حوشهم
من هناك.. كنت أسترق النظر
أرى الأقمشة الملونة تتطاير
وأراقب وجهها الباهر الذي كان بالنسبة لطفل في مثل عمري يشبه الأساطير
جمال أكبر من أن تستوعبه تفاصيلي الصغيرة
وعندما تقترب الساعة من الرابعة
أركض نازلاً الدرج بقلب يخفق
لأقف أمام باب بيتنا تماماً
أعدل هيئتي وأمارس "استعراض البطولات" أمامهن أثناء خروجهن الهادر
كُنَّ كلُّهنّ أكبر مني بكثير
ويعرفن أنني مجرد طفل يعبث في الحارة
لكن الوقوف في طريقهن أثناء الانصراف كان طقسي اليومي المفضل
مهرجاني الخاص الذي أعبر به نحو المساء
مضت السنوات
وانفرط عقد البنات
وتوقفت الماكينات عن الدوران
لكن صوت الجارة وشق الجدار ووجه ابنتها الأسطوري
ظلت كلها محفورة في ذاكرتي..
كمشهد سينمائي قديم من سنوات الطفولة الأولى
بعض الشقوق لا تطل على حوش مجاور.. بل تشق جدار الزمان لتبصر أول العمر وأجمل الذكريات
حيث تعثر المراهقة على أولى دهشتها وتشرق الروح على عتبات الجمال
#قصص #ذكريات_الطفولة
@MonaHazaa نص ساحر يأخذنا إلى تفاصيل نعيشها ولا نعرف كيف نكتبها
الهروب إلى الذكريات هو الملاذ الأجمل حتى وإن كان مجرد حلم في أذهاننا
أبدعتِ أستاذة منى في نقل هذا الشعور الدافئ
كل الشكر والامتنان لهذا الجمال🌷
@YaraS1212 أهلاً بكِ وبجميل إحساسك
أجمل ما في النص أن يمنح القارئ متسعاً ليشاركنا الوقوف أمام ذلك الشق العتيق
أسعدني جداً أن عاشت مخيلتك دفء تلك الأيام
امتناني الكبير لرقّة حضورك وطيب أثرك🌸 🌿