رافعين أعلام السعودية الكويت البحرين قطر عمان الإمارات الأردن..
إنطلاق الحملة الشعبية التضامنية في مأرب، والمنددة بالهجمات الإيرانية على المملكة العربية السعودية والدول الخليجية والعربية الشقيقة
في تجاوز سافر للأعراف والقوانين الدولية والجوار
السياسة الوطنية للغة العربية: حين تتحول الهوية إلى مشروع دولة.
ليس القرار الذي أقرّه مجلس الوزراء بشأن السياسة الوطنية للغة العربية مجرّد إجراء تنظيمي عابر، بل هو إعلان حضاري يعيد ترتيب العلاقة بين الأمة ولسانها، ويمنح اللغة موقعها الطبيعي بوصفها وعاء الذاكرة ومجال الهوية وأداة التفكير وصيغة الانتماء. ففي زمن تتنازع فيه اللغات فضاءات الاقتصاد والمعرفة والتقنية، يصبح ��ثبيت حضور العربية خيارًا استراتيجيًا يعكس وعيًا عميقًا بأن النهضة لا تُبنى فقط بالبنية التحتية والاقتصاد، بل كذلك بالبنية الرمزية التي تمنح المجتمع تماسكه الثقافي.
إن اعتماد العربية لغة رسمية تُفعَّل مؤسسيًا داخل المملكة العربية السعودية يضع اللغة في قلب التحول الوطني، لا على هامشه. فالقرار لا يكتفي بالاحتفاء الرمزي باللغة، بل ينتقل بها إلى مرحلة الفعل؛ من التعليم إلى البحث العلمي، ومن الإعلام إلى الفضاء العام، ومن الإدارة إلى الخطاب الثقافي. وهذا التحول يعكس إدراكًا أن اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل منظومة تفكير تُنتج المعرفة وتُشكّل الوعي الجمعي.
وتبرز أهمية القرار في أنه يربط بين الحاضر والمستقبل؛ فتعزيز العربية في التعليم يعني تأسيس أجيال تمتلك لغتها بوصفها أداة تحليل وإبداع، لا مجرد مادة دراسية. كما أن تمكينها في البحث العلمي يفتح الباب أمام إنتاج معرفي محلي قادر على مخاطبة العالم من موقع الثقة، لا من موقع الترجمة الدائمة. إن الأمم التي تُنتج علومها بلغتها تمتلك استقلالًا معرف��ًا، وتُحافظ في الوقت نفسه على خصوصيتها الثقافية.
أما في المجال الإعلامي والثقافي، فإن إبراز العربية يشكّل استعادةً لبلاغة الخطاب وجمالية التعبير في عصر السرعة الرقمية، حيث تتعرض اللغات لضغط الاختزال والاستهلاك السريع. والقرار هنا لا يقف ضد الانفتاح، بل يؤسس لانفتاح متوازن، يجعل اللغة العربية حاضرة في المشهد الدولي مع احترام التعدد اللغوي والتواصل العالمي.
ومن زاوية أوسع، ينسجم هذا التوجه مع الرؤية الشاملة لمشروع رؤية السعودية 2030 التي تنظر إلى الثقافة بوصفها رافعة للتنمية، وإلى الهوية اللغوية كأحد عناصر القوة الناعمة. فحين تترسخ العربية في المؤسسات، فإنها تعزز الثقة بالذات الوطنية، وتمنح المجتمع قدرة أكبر على التعبير عن تجربته الحضارية بلغة أصيلة، دون أن ينفصل عن العالم.
إن هذا القرار يبعث برسالة واضحة: أن المستقبل لا يعني التخلي عن الجذور، بل تطويرها لتواكب العصر. فاللغة العربية، بما تحمله من تاريخ بلاغي ومعرفي، ليست عبئًا على الحداثة بل جسرًا إليها. ومن هنا تبدو السياسة الوطنية للغة العربية خطوة تؤسس لمشهد ثقافي أكثر اتزانًا؛ مشهد تتجاور فيه الأصالة مع التحديث، ويصبح فيه اللسان العربي حاضرًا في المعمل والجامعة وال��علام والسوق، كما هو حاضر في الشعر والذاكرة.
وهكذا، فإن القرار ليس احتفاءً بالماضي فحسب، بل استثمارًا في المستقبل؛ مستقبل تُسمع فيه العربية لا بوصفها لغة تراث، بل لغة حياة وصناعة وإبداع، تواكب تحولات الدولة الحديثة وتمنحها عمقًا حضاريًا يليق بمكانتها الإقليمية والدولية.
د. علي السعدوني .
تُظهر التجربة الإنسانية، في تاريخها الطويل، مفارقةً لافتة تكاد تكون قانوناً نفسياً وثقافياً غير مكتوب الإنسان يطمئن حين يجهل، ويضطرب حين يعرف. فالمعرفة، على خلاف ما يُتصوَّر، ليست دائماً طمأنينةً ولا استقراراً، ��ل غالباً ما تكون اقتحاماً عنيفاً لمناطق الراحة، وخلخلةً لما اعتاده العقل واستأنس به. ولهذا لا يبدو تعبير "ألاّ تعرف فأنت آمن مجرد عبارة عابرة، بل توصيفاً دقيقاً لحالة بشرية متكررة، تتجلى بوضوح كلما طرأت معرفة جديدة، أو ظهرت نظرية، أو وُلد اختراع يغيّر زاوية النظر إلى العالم.
ففي سيرة الأفكار، لا تولد النظريات الكبرى في فراغٍ هاد��، ولا تمرّ مرور الكرام. بل إن أول ما يعلن حيويتها هو حجم الرفض الذي تستدعيه. إذ إن النظرية التي تُستقبل بالتصفيق الكامل، وتُمرَّر بلا مقاومة، إنما تكون – في الغالب – إعادة صياغة لما هو مألوف، أو تكراراً لما استقرّ. أما النظرية التي تُحاصَر، وتُقاوَم، وتُواجَه بالشك والسخط، فهي التي تحمل تفسيراً مختلفاً، وتضع اليد على ما لم يكن يُرى، أو تُعيد قراءة ما كان يُظن أنه محسوم. وبهذا المعنى، يصبح الخلاف علامة صحة، والاعتراض دليلاً على الجِدّة، لا نقيضاً لها.
غير أن الخلاف لا ينشأ من فراغ معرفي خالص، بل يتغذى أيضاً من بنى نفسية ومصالح رمزية. فأصحاب المعارف المستقرة، حين يواجهون جديداً يهدد تأويلاتهم أو يُربك مقاماتهم، لا يرون فيه مجرد فكرة قابلة للنقاش، بل خطراً على مواقعهم، وعلى الطمأنينة التي وفّرتها لهم أنظمة الفهم السابقة. ولهذا ��تخذ الرفض أحياناً طابعاً جماعياً، يبدو كأنه مؤامرة ضد المستجد، بينما هو في حقيقته دفاعٌ عن الذات المعرفية، وخوفٌ من الانتقال من اليقين إلى الشك. فكل تحوّل معرفي لا يغيّر المفاهيم فحسب، بل يفرض سلوكاً ذهنياً جديداً، ويعيد ترتيب نظام الخطاب ذاته.
وليس تاريخ الثقافة سوى سجل طويل لهذه الصدامات. فمحاكمة سقراط، في جوهرها، لم تكن محاكمة أفكارٍ معزولة، بل كانت لحظة انفجار بين معرفة جديدة وجمهور لم يحتمل زعزعة مسلّماته. حينها انتصرت الجماعة الغاضبة على العقل الناقد، وخضعت المحكمة لضغط الشارع، فكان الحكم بالإعدام إعلاناً عن خوفٍ جمعي من المعرفة المقلقة. ومنذ ذلك ا��زمن، لم تسلم نظرية قوية من مقاومة، ولم يُكتب لأي تحوّل فكري عميق أن يمر بلا جراح.
وفي ثقافتنا العربية الحديثة، تتكرر هذه الظاهرة بأشكال مختلفة. فقد شهدت الساحة الأدبية، في منتصف القرن العشرين، معارك حادة بين أدباء ومفكرين، وُصفت بالأدبية لا لأنها كانت مهذبة، بل لأنها دارت داخل الحقل الثقافي ذاته. ومع أن تلك المعارك خلّفت خصومات وعداوات، فإنها أسهمت في إنتاج خطاب نقدي كثيف، وصنعت وعياً جديداً بالاختلاف. غير أن هذه الظاهرة أخذت منحى أكثر حدّة مع انفتاح وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحولت اللغة إلى سلاح فوري، وصار الخلاف يُفجَّر بتغريدة، وتُستدعى الذاكرة الجماعية بكل عتادها اللفظي في لحظات غضب عابرة، تختلط فيها أخلاقيات اللغة بأخلاقيات السلوك.
وهنا يتضح أن الصراع، في جوهره، ليس دائماً صراع أفكار بقدر ما هو صراع أساليب. فالرأي، والمعرفة، والفتوى، كلها صيغ لغوية قبل أن تكون مواقف فكرية. وكثيراً ما يكون الأسلوب الذي قيلت به الفكرة هو الشرارة الأولى للمعركة، لا مضمونها. فاللغة ليست أداة محايدة، بل قوة متعددة الوجوه، قادرة على الإضاءة كما على الإيذاء، ولا تنكشف وجوهها كلها إلا لمن يقرأ من خارج التوتر والشخصنة. وقد يرى القارئ المحايد أن الضجيج المفتعل لا يتناسب مع حجم الفكرة، لكن ذلك لا ينفي أن كل شأن لغوي يولد دائماً في سياق رد فعل، ويعيش باستمرار على طاقة الصدام.
ولعل تشبيه المعرفة بالولادة يقدّم تفسيراً بالغ الدلالة. فالطفل، لحظة خروجه من الرحم، يصرخ لا فرحاً، بل احتجاجاً على خروجه من مأمنٍ كان يحميه ويغذيه. والمعرفة، على هذا النحو، ولادة قسرية من رحم الجهل الآمن إلى عالم مكشوف لا تُعرف شروطه. ويظل الإنسان، طوال حياته، يتعلم كيف يتكيّف مع هذا الخروج الأول، ويواصل صراخه بأشكال رمزية كلما اقترب من معرفة جديدة، حتى يدخل في رحمٍ أخير هو الموت، حيث لا تفسير تاماً للحياة إلا عند نهايتها، كما قال حمزة شحاتة. ولعل من أسرار الموت أن الثقافة تعلّمنا أن نرى محاسن الراحلين، بعد أن نكون قد أفرطنا في رؤية عيوبهم أحياء، في مفارقة تكشف طبيعة وعينا المتأخر.
لذا ، يبدو الإنسان كائناً ممزقاً بين رغبتين متناقضتين: رغبة في الراحة التي يمنحها الجهل، ورغبة في الكشف الذي تمنحه المعرفة. وهو لا يملك خياراً حاسماً بينهما، لأنه يحتاج الأولى ليطمئن، ويحتاج الثانية ليحيا. غير أن هذه الطمأنينة ليست بريئة؛ إنها راحة مشاغبة، لا تلبث أن يخترقها الفضول، فتعود الريح تحت العقل، ويعود القلق شرطاً للوجود، كما لو أن المعرفة، مهما أثقلت، هي القدر الذي لا مهرب منه.
نحمد المولى سبحانه وتعالى أن أنعم علينا وشرّفنا بخدمة الحرمين الشريفين، داعين الله سبحانه أن يتقبل من حجاج بيته حجهم ونسكهم وطاعاتهم، وأن يحمل عيد الأضحى المبارك الخير والسلام والمحب�� لأمتنا والعالم أجمع.
وكل عام وأنتم بخير.