كلما استيقظت في الصباح أتساءل: ما الذي علي أن أفعله اليوم؟
وكأني أخاطب قاضيًا يقف على عتبة جفوني، ينتظرني ما أن أفتحهما حتى ينادي بحكم اليوم؛ مطلوب ما، أشغال شاقة تكفيرية ليرفع عني إثم الوجود؛ إثم سحري غامض يسكنني.
أفعل بعض ما يطلبه قاضي النفس داخلي؛ ثم قبل النوم أمارس بعضًا من جلد الذات الذي يشبه روتين بشرة زوجتي الليلي، ينتهي بي الحال واصمًا نفسي بالتقصير، ولكنه تقصير مفهوم، ببساطة نقص في القيام بأحكام اليوم.
بالمناسبة (حكم قاضي النفس اليومي لا يمكن أصلًا لبشري غالبًا إتمامه) فالاستحالة قانون ضمني في مطالبات التفس لدى الكماليين!
لا بأس إذًا؛ أشعر بالذنب، ولكنه الآن إثم عدم القيام بكل ما هو مطلوب، أما الإثم الآخر البغيض؛ إثم الوجود، فهو غامض، خفي، زلق، لا يسعني الإمساك به، يتسرب من فجوات بعقلي كلما حاولت استيعابه.. الآن لا أشعر به، فالإثمية صارت مرتبطة بقائمة المهام. حمدًا لله.
وكأنني حين عينت ذلك القاضي داخل ذهني لم أعينه من أجل إيذاء الذات ولوم النفس، وإنما من أجل تخفيف إثم الوجود الغامض واستبداله بذنب التقصير اليومي المفهوم والمحدد، فالتحديد تخفيف للعقوبة!
الآن أنا أشعر بذنب طوعي مؤطر، والأجمل أن جريمتي هنا واضحة يمكنني التحكم فيها والتكفير عنها، لا بأس سأبذل المزيد من الجهد غدًا.
أما شعور الذنب الوجودي الكبير الغامض المرعب فأكثر اتساعًا من أن أتمكن من إحاطته، ناهيك عن التحكم فيه!
تبًا! يالها من حقيقة؛ إننا نجلد ذواتنا بشكل يومي كنوع من التحكم، كتحريك لمشاعر الذنب العالقة خارج نطاقات وصولنا، من جهة مظلمة ��وحشة نحو جهة أخرى مضيئة بمعرفة الجرم وموطن التقصير!
إنما نريد الهرب من مشاعر أكثر قسوة وبدائية، تعجز اللغة والتصور عن الإمساك بها وصفًا، فنستبدل بشيء أكثر وضوحًا!
شعور الهرع اليومي، ولوم الذات على التقصير لم يكن إذًا سوى افتعال معملي، واستحضار اصطناعي في بيئة مقننة لقطعة من نسيج غامض حفري داخلنا لا يسعنا مواجهته في شكله الأولي!
وتلك الاستحالة المتضمنة في (قائمة مهامنا) تبقينا (منشغلين) وتلهينا عن مواجهة خواء وجودي أعمق!
#هكذا_تكلم_أويس
أعتذر لأني لا أستطيع أن أُحدثك عن جَمال العالَم وبهجته، ولا أفقه كثيرًا في التفكير الإيجابي وقوة الإرادة وصناعة المستحيل والعلاقات المُحلقة ف�� سماوات السرور؛ لكني أردتُ أن أُحدثك عن ملحمة الاستيقاظ صباحًا في مواقيت الألم، وعن شجاعة الانهزام، وعن مَواطن العجز، وعن خيبة الأمل، وعن الصمود بَعد نكبات الخذلان.
أردتُ أن أُحدثك عن خوفي وارتباكي وتلعثمي، وعن تلك السيناريوهات العديدة البائسة المتناسلة في ذهني قُبيل أي قرار، عن التردد والتوجس والتخبط والتعثر والتبعثر.
أردتُ أن أُحدثك عن المعاناة داخل العلاقات، وعن مجازفة البوح وجسارة الإفصاح وخوف القُرب وهلع الفقد، وعن الوحدة المرهِقة وفي الوقت ذاته: العزلةِ الأخف ألمًا من حيرة الرفقة!
أردتُ أن أُحدثك عن شعوري بالسخف، وتصوُّري لنفسي كعبء ثقيل على أحبَّتي، وعن تأويلات الرفض، وهجمات عدم الاستحقاق، وعن ضيقي بمواقع التواصل لِما تملؤني من مشاعر الدونية بالمقارنة، وضجيجِ ذهني الذي يتهمني بالتقصير والانهزام وتفويت الفرص!
أعتذر أني لا أستطيع أن أُحدثك عن التربية الإيجابية وفقه تعد��ل السلوك، ولا أملك صورًا لأطفال بعيون ملونة يتحدثون ثلاث لغات ويتقنون العزف على الكمان والسباحة ويحفظون الكتب المقدسة /والمكدسة، ولا أملك رصيدًا لأروي لك مواقفي التربوية المُلهِمة معهم..
أردتُ أن أُحدثك عن استنزافي طاقتي في كبت الغضب، والمحاولةِ القسرية ل��استيعاب، وعن مشقة المشاركة بأزمنة نفاد القدرة، وعن ضيقي باللعب، وعن شروعٍ في تأفُّفٍ وعن انتهارٍ مَوءودٍ يُصارع دومًا لينصبَّ عليهم فأُجاهد في مواراته.
أردتُ أن أُحدثك عن الملل في العلاقات، وسقوطِ الانبهار وفتورِ الانفعال وصدوعِ سقف التوقعات، وعن معجزة النجاة، وعن الشجاعة الأليمة لمحاولات الاستنقاذ!
أردتُ أن أُحدثك عن سرقة الأحلام، وعن التنازل عن الشغف، وعن التماهي مع الواقع، وعن تأجيل الأمنيات لآجالٍ قد لا تَفي بعهودها. وأردتُ أن أُحدثك عن فقدان الإيمان، وعن تسرب اليقين، وعن التساؤل، وعن الشك والحيرة.
أردتُ أن أُحدثك عن اللهفة والحنين، وعن الغائب��ن، وعن (نقح) الندوب، وعن تهشُّمٍ مبكِّرٍ أضاع فرصَ السوية!
أردتُ أن أُحدثك عن الاغتراب والوحشة، والاحتياجات غير المسدَّدة، وعن الجوع الداخلي، وعن الضَّعف والهشاشة.. وعن ثقبٍ أسود آخَر يسكننا لم يستطع أحدٌ أن يَمنحنا صورتَه حتى اليوم!
أردتُ أن أُحدثك عني وعنك.. وعنهم.. لكنني لن أفعل.. وسأكتفي بالقول:
ل��تَ وحدك..
وإن المواصلة.. بطولة..
ربما بالفعل هذا العالم بائس وموحِش، ولا يُخفف وحشتَه سوى أن نجد مَن نُخبره أن هذا العالم بائس وموحش، فيفهم!
لن نستطيع أن نُصدق أن بآخِر هذا النفق نورًا إن لم نُصدق أنهم قد مروا من النفق نفسه..
فطوبى للمتماسكين!
٢٠١٩
سلامٌ لمدمني التفاصيل؛ الذين يعبرون بالدنيا فيتذوقون منها ما لم يعد يلتفت إليه أحد. الغارقون في عوالمهم الملونة الصاخبة يهربون من شحوب الحداثة، المصابون بتخمة حواسهم وازدحام مفرط أمام مستقبلاتهم لما وراء ظاهر الواقع مما لم يبق من يلمحه سواهم، فتزيدهم غربة إلى غربتهم.
سلام علي أولئكم الذين يكافحون للتنفس تحت ركام الأيام المتتابعة بلامبالاتها ويزيحون غبارها الأصفر المقيت عن الجمال المستور بكواليسها.
الذين يكرهون الشات ويمقتون القوالب والأكلاشيهات، ويغتثون من عبارات التهنئة، ورغمها قد تبقي جملة عابرة تصنع يومهم!
تصفعهم الحياة صفعة تلو الأخرى فيزرعون فوق ندوبهم حدائق من الحكايا.
سلامٌ لأولئك المطاردون بالذكري، الذين يملكون داخل نفوسهم نصبٌ لكل وجيعة ومزارات لكل بهجة قديمة، وسرادقات احتفاء بالخيبات.. التي شكلتهم!
الذين يتتبعهم الماضي بقسوة حنين، ويعنتهم الواقع بخشونة فردانية، والمستقبل بأمل شفيف يبقيهم على قيد الأنفاس!
سلام على أول��ك الذين لطمتهم حقيقة الزيف، فمدوا أعناق ارواحهم يصنعون المعني في مساحات صغيرة لا يكترث بها أحد؛ فيكتبون بحوائط لا يستند إليها أحد، ويخربشون بقصاصات لا يطالعها أحد. سلام على الأخفياء في عالم الاستعراء؛ كاملي البهاء، الذين يحتفون بنواقصهم كما يحتفل أحدنا بوليده. سلام علي أولئك الذين يموتون مبتسمين كل يوم … بجرعة مفرطة من الإنسانية.
وان أمحلت بي واسعات المضارب
انا برجاء ربي ماني في رجاها
متحينٍ للساعة أم العقارب
ولحزةٍ ماعاد يبغى وراها
وأن عرضت لي مارقات الغوارب
أخذت انا علط الرقاب بعصاها
لا تظن أنك تصلّي الفجر بإرادتك
الله هو الذي اصطفاك من بين الغافلين
والنائمين فأيقظك
إنّ لأهلِ الفجرِ غنائمَ، لا ينالُها نائمٌ
فريضتها : تجعلك في ذمّة الله
سنّتها : خيرٌ من الدّنيا وما فيها
قرآنها : ﴿ إنّ قُرآن الفجْرِ كانَ مَشْهُودًا ﴾
هنيئاً لكم يا أهل الفجر
اللهم اجعلنا من أهل الفجر وخاصته
اللهم لاتحرمنا من لذة صلاة الفَجرِ في جماعة