في كل مرحلة قاسية أمرّ بها ومع كل ألم أختبره أجدني أقول: يا رب، بماذا ستجبر كسري هذه المرة؟ لم أعد أتساءل فقط عما إذا كان الجبر سيأتي، فأنا على يقين بذلك، وهو ظني بالذي جبرني مرارًا، وفي كل مرة يفاجئني بلطفه ويُدهشني بعطائه. تتكرّر العطايا وتتنوّع صور الجبر ولا تفارقني الدهشة، كأنني أختبر كرمه للمرة الأولى.
عمد إلى الذخائر البشرية وهي أكداس من المواد الخام لا يعرف أحد غناءها ولا يعرف محلها وقد أضاعتها الجاهلية والكفر والإخلاد إلى الأرض، فأوجد فيها بإذن الله الإيمان والعقيدة وبعث فيها الروح الجديدة،
أشد ما ينهك المرء في بيته ليس كثرة العطاء، بل شُحّ التقدير!
فالواجبات حين تؤدى بلا كلمة طيبة تصبح عبئًا ثقيلًا، والتضحيات حين تعامل كأمر مفروغ منه تجف معها المودة.. بينما تنجز أثقل المهام وأعتى الواجبات بشغف وحب، حين تحاط برداء من التقدير والإجلال؛ فالمرء لا يثقله البذل ما دام يجد في عيون أهله من يرى جهده ويصون قدره.
«وأنتَ وإن أُفرِدتَ في دارِ وحشةٍ
فإنّي بدارِ الأُنسِ في وحشةِ الفردِ»
من أثقل ما يعتري المرء أن يستوحش وهو بين الناس؛ أن يضجّ المكان من حوله بالحياة، بينما لا يسمع في داخله إلا صدى فراغٍ لا يعرف من أين جاء، تجلس في مجلسٍ مكتظ، تتعاقب أمامك الوجوه والأحاديث والضحكات، ثم تشعر فجأةً أنك أبعد الحاضرين عن كل شيء.
وقد لا يستطيع المؤمن أن يأتي بالخير في بعض أحواله، ولكنه يستطيع دائماً أن ينويه ويرغب فيه ويعزم عليه، ليحقق ضميره في كل ما يهم به، ويحصر أفكاره في قانون نيته المؤمنة.
- وحي القلم
على المرء حتى يستقيم قلبه هذه الأيام أن يُعزز كثير من معاني القرآن في نفسه، ومن أهمها "أَمْ يَحسدُونَ النَّاس على ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضلهِ"
تجعل قلبك حريصاً ألا يُرهقه شعور التأخر إذا رأى من سبقه لرزق أو نعمة ويظل على خصلة الرضا وأن ما كُتب له حتمًا سيأتيه في الوقت المناسب.
أقسى ما قد يُبتلى به الإنسان الحنون، أن يُؤلَف عطاؤه حتى يُنسى فضله، وتُؤلَف تضحياته حتى تُحسب عليه واجبًا، ويُؤلَف صبره حتى يُظنّ به ألّا ينفد، ويُؤلَف وجوده حتى يتوهّم الآخرون أنّه باقٍ مهما أساؤوا.
ثم تأتيه لحظةٌ يستردّ فيها وعيه من فرط ما بذل، فيلتفت إلى نفسه بعد غيابٍ طويل، فيرى قلبًا أضناه العطاء، وروحًا استُنزفت في سبيل من لم يشعروا بثقل ما كانت تحمله.
وحين يستفيق الحنون، لا يثور، ولا يعاتب، ولا يستجدي اعتذارًا؛ فقد تجاوزت به الخيبة موضع العتاب. إنما يطوي يده عن العطاء، ويكفّ عن التماس الأعذار، ثم يمضي في هدوءٍ يليق بمن أنهكه البقاء.
فأشدّ ما في رحيله أنه لا يأتيك غاضبًا كي تسترضيه، ولا منكسرًا كي تشفق عليه؛ يأتيك هادئًا، مكتفيًا، وقد انطفأت في قلبه تلك الرغبة القديمة في أن يفهمه أحد..
تمرّ السنوات والعمر، تتقبّل.. بل وتَقْبل، وتتعايش، وترضى.
إلا أن هذه الجِراح تبقى في ملامحك، في ردود أفعالك أحيانًا، في الطريقة التي ترى بها العالم؛ لأن المعنى منها هو بقائها كجزء أصيل في تكوينك.
قبول أن بعض التجارب ستبقى معك -خاصّة التي لم تكن اختيارك- صعب ومؤلم، إلا أن القبول وحده سيجعلك تنتبه للمعنى، للعزاءات، للنسخة الجديدة منك، والتي ستدرك يومًا أنها تستحق أن تحبّها.
وأجلس من بين دموعي أتساءل: بم أتأمل؟
أتأمل بقدرة ربي المطلقة، وبكلمة الله العليا
في تفريج كربتي وإزاحة همي وغمي.
قل إن الله قادر؟
بلى بلى، سبحانه وبحمده.
خطأ الإسناد الأساسي: حيث تقوم بارتكاب الأخطاء باستمرار عن طريق إسناد سلوكيات الآخرين إلى دوافعهم الداخلية أو الأساسية بدلاً من العوامل الخارجية.
- التفكير الخارق
هناك نموذج ذكي بإمكانه أن يساعدك على التقمص العاطفي ألا وهو التفسير الأكثر احتراماً. الذي يفرض عليك تفسير أفعال الأطراف الآخرى بالطريقة الأكثر احتراماً قدر الإمكان. إنه يعني افتراض حسن النية في الآخرين.
- التفكير الخارق
عودت نفسي ألّا أُبالغ في الحزن على من يجفو بعد مودة؛ فإن كان في صحبتي خير فحسبه من الحسرة أنّه فوّت خيرًا كان قريبًا منه، وإن كان في صحبتي شر فلِمَ أحزن على إنسان اختار الصواب ونجا من شري؟
وهكذا تهدأ النفس؛ فلا تُفرط في تأنيب ذاتها، ولا تستجدي من الراحلين التفاتًا.
-بدر ال مرعي.