أريد أن أذهب معكِ إلى متجرٍ للعطور، لأرى كيف تفشل الروائح أمامكِ.
ستقفين هناك، بين الزجاجات المرتبة، وكل زجاجةٍ تظن أنها تحمل سرًا، ثم تمر يدكِ على واحدةٍ منها، فيرتبك السائل داخلها، لأنه يعرف أن العطر حين يلامسكِ لا يعود هو السيد، بل يصير تابعًا لحرارة جلدكِ، ولذاكرةٍ لا يعرفها الكيميائيون، ولمنطقةٍ داخليةٍ لا تُصنع في المختبرات.
أن أجمل عطرٍ عليكِ هو الذي يتكون حين يختلط الهواء بكِ ثم يفقد براءته.
أنتي الوفا وأنتي الغلا
وأنتي سنين مقبلات
ياضي عيني والملأ
يا أحلى من كل الفاتنات
تراودك طيوف الولا
بين السهر والذكريات
نبع الكرامة والحلا
وقت الظروف القاسيات
أريد أن أراكِ كما تُقرأ الأسرار.
ببطءٍ يتناسب مع عمقكِ.
أريد أن أتعلم الفارق بين صمتكِ حين تتعبين وصمتكِ حين تخفين فرحًا صغيرًا، بين نظرتكِ حين تسرحين ونظرتكِ حين تعودين من الداخل محمّلةً بشيءٍ لا تقولينه، بين ضحكتكِ التي تمنحينها للعالم وضحكتكِ التي تفلت منكِ بلا حراسة.
أريد أن أرى النسخة التي لا تظهر كثيرًا
المرأة حين تضع العالم جانبًا، حين تفتح شعرها للهواء، حين تتصالح مع فوضاها الصغيرة، حين تغسل وجهها من ضجيج اليوم وتبقى وحدها، عاريةً من الأدوار، مكتملةً بتعبها، مضيئةً بلا شهود.
فيكِ اقتصادٌ فاتن في البهاء؛ كل شيءٍ فيكِ يأتي بقدره
النظرة بمقدار ما يكفي كي يرتبك القلب ولا يسقط، الابتسامة بمقدار ما يكفي كي يفتح الحزن أزراره ولا يغادر تمامًا، اللمسة بمقدار ما يكفي كي يستعيد الجلد ثقته ولا ينسى ارتجافه، والصوت بمقدار ما يكفي كي تعود الكلمات من فمكِ وقد وجدت أمّها الأولى.
تمنحينني طريقةً أخرى لرؤية العالم.
بعدكِ صار للغيم مزاج، وللضوء ذاكرة، وللماء كتف، وللورد رأيٌ في مصير العاشقين.
بعدكِ لم تعد الأشياء تقف في أماكنها القديمة؛
الطاولة صارت ضفة، النافذة صارت وعدًا، الشارع صار سؤالًا، والمطر صار يدًا طويلةً تفتش عن وجهي.
أنتِ مجموعة احتمالاتٍ مضيئة
امرأة حين تنظر، طفلة حين تندهش، غيمة حين تسهو، قصيدة حين تصمت، بيت حين تقترب، ومنفى حين تغيب.
أنتِ التناقض الذي لا يجرح نفسه؛ القرب الذي يحتفظ بوقاره، البعد الذي يربت على القلب، النعومة التي تعرف كيف تدافع عن معناها، والجمال الذي لا يسقط في الزينة لأنه يحمل في داخله فكرته العميقة عن الحياة.
أنتِ لا تنتهين عند حدود الملامح، ولا عند آخر حرفٍ من اسمكِ، ولا عند آخر رجفةٍ في صوتي حين أناديكِ.
أنتِ تبدأين هناك، في المنطقة التي يعجز عنها الوصف، في النقطة التي يضع عندها الكلام يده على صدره ويصمت احترامًا، في الموضع الرفيع بين الرغبة والطمأنينة، بين النار والندى، بين أن ألمسكِ كحقيقة، وأن أخاف عليكِ كحلم.