مع تغير كثير من أمور الحياة أصبح المرء يهتم في بعض القواعد المعرفية السلوكية التي يأمل أن تهيء له حياة أكثر إطمئنانا وسكينة، منها:
- إدراك أن المجاملة على حساب الراحة النفسية والفكرية تؤثر سلبا على صاحبها.
- عدم التضييق على الذات للتوسيع على الغير.
- الابتعاد عمن يقلل من الأشخاص، ويكثر أحاديث السلبيات والهموم.
- معرفة أهمية قيمة اليوم، فلا استجرار لهموم الأمس لأنه ذهب، ولاقلق على الغد فهو لم يأتي.
من خلال الإستقلالية يستطيع المرء تكوين نفسا قوية في شخصيتها وفكرها -بعد عون الله سبحانه- ناتجة عن تقته بنفسه والدعم الذاتي الداخلي الذي ينبع من الشخص، من دون غرور أو إنعزال أو رفض لغيره، وأما من ينتظر وجود الآخرين في كثير من تفاصيل حياته فمن المرجح أن تكون شخصيته مهزوزة ضعيفة إتكالية، وبين هذا وذاك فالمتميزون هم الذين يجيدون فن التعامل في المقدرة على تناسق الإستقلالية الفردية والتعايش مع جماعية الآخرين.
إذا أخذنا #نظام_الطيبات حالة دراسة لعرفنا كيف تستغل أي فجوة نقص معلوماتية ويتم سدها بما يريد المنتفع من وجودها، التي تتكون لأسباب، منها:
- المنهج المتبع من مقدم الخدمة لايلامس واقع الحاجة الحقيقية للمستفيد.
- صمت أصحاب الخبرة والعلم عما يثار من معلومات خاطئة، لأنهم يرونها أقل مما يرد عليها.
- عدم مناقشة الأخطاء مباشرة فيما يقال أو يكتب أو يفعل بوضوح ومهنية بحجة عدم إثارة البلبلة بين العامة.
- أسلوب تقديم المعلومات الصحيحة يأتي بطريقة المنع لاغير، وليس البدائل.
خلق الرفق في التعاطي مع الأمور كلها سلوك متميز، فهو يفتح للشخص آفاقا من التفكير الهادىء مما يتيح له اتخاذ القرار الأنسب، وقد سلم وغنم وتلذذ من جعله منهج حياة، بعكس العنف الذي يقود للندم والحسرة، وربما هلاك المرء، وهاهو التوجيه النبوي الكريم يبين هذا في أبلغ قول [إنَّ الرِّفقَ لا يَكونُ في شَيءٍ إلَّا زانَه، ولا يُنزَعُ مِن شَيءٍ إلَّا شانَه] (مسلم).
من الأخطاء الشائعة الخلط بين الإنتماء والعنصرية؛ فالإنتماء سلوك إيجابي مرغوب، الأصل فيه المحبة والمعرفة، وهو إعتزاز وإفتخار لماينتمي له الشخص، وتركيزه منصب على ماينتمي إليه، مع إحترامه للاخرين وإنتماءاتهم، بينما العنصرية سلوك سلبي مقيت، الأصل فيها الحقد والحسد والجهل، وتمارس بالاحتقار للغير وتقليل نجاحاتهم، ورمي التهم الكاذبة عليهم وتشويه سمعتهم.
يقول المثل العربي (إنك لا تجني من الشوك العنب)، وهو يعبر بكل دقة وصدق عن أسلوب التعامل الذي ينتهجه البعض، إذ تراهم يتعاملون بصلابة وصلافة، وربما صاحب ذلك وقاحة وغرور، وإذا بادلهم الآخرون نفس النهج قاموا يشنون حربا هوجاء بأن أولئك الناس يفتقدون حسن الخلق ورقي الأدب، ونسوا أن (الذي بيته من زجاج لايرمي الناس بالحجارة).
الشخص الإيجابي بطبعه متفائل، فهو يقدم الحلول والمقترحات الواقعية، ويرى دوما أن هناك فرصة لتكون الحياة أفضل، ولكن للأسف هذا المفهوم الرائع تحول عند الكثير إلى مفهوم سلبي، فأصبح عندهم هو تدخل المرء فيما لايعنيه، أويعبر عنه "لقوف، لقافة"، أو يقال له "ماهو شغلك"، بينما الإنسان السلبي ربما يشار له بالحكيم والمتأن و"الثقيل"، ولذا يحجم كثير من الناس في وقتنا الحاضر عن المساهمات الإيجابية.
بعد تسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه قيادة معركة مؤتة قام بخطة أوهم بها الروم أن هناك تغييرات وإمدادات للجيش الإسلامي، ثم قام بما يسمى اليوم عسكريا "الإنسحاب التكتيكي" فأضطر الأعداء للتراجع وعدم الهجوم، وقتل نشوة إنتصارهم.
وما أحوجنا اليوم لمثل هذه الخطة أمام جحافل الألسن المتسلطة التي تنطلق ببذاءة وكلمات حارقة جارحة، فالصمت مع الهدوء، أو تغيير موضوع الحديث، أو نقله لشخص آخر إنسحاب تكتيكي، وهو أبلغ رد على إسكات المتعجرفين.
يتنوع الفكر الإنساني فلكل منهجه وأسلوبه حسب طبعه، مما يجعل نظرة الناس للحياة والتعايش فيها ومعها مختلف من شخص لآخر، ولوجود هذا التفاوت الطبعي فمن الخطأ تأكيد المرء ردة فعل أو استجابة الآخرين كما يتصور، أو يغير حركة حياته أو يبني برامجه بما يتوافق معهم، فيصبح إمعة بلا منهج خاص به، وهذا لايعني عدم المرونة وحسن التعامل.
من الحذر المحمود مهارة إنتقاء مايسمع، ومن النضج الذهني والخبرة الحياتية ألا يكون الشخص مستودعا أو حاوية لترهات وحماقات وسقطات أصحاب النفوس المريضة والعقول الفارغة، سواء في الطريق أو في اللقاءات، فيصم إذنيه، ويقفل عقله، ويصرف تفكيره عن التفاعل معها.
هناك إشكالية فكرية عند البعض، وهي مايطلق عليها "الوهم المعرفي"، إذ يعتقد الشخص أنه يعلم وهو لايدرك أنه لايعلم، فهو يرى نفسه في علو معرفي، فيتعامل مع الآخرين بشعور الأكثر علما أو معرفة أو ثقافة أو خبرة أو حكمة، ولذا فغالب الناس يجدون في نفوسهم نفرة منه لصعوبة التعامل معه وتعديل سلوكه.
القليل الموفق من يدرك عيوبهم من أنفسهم أو الناس، بينما هناك من يبادر بالإنكار أو التبرير أو الإسقاط على آخرين بأنهم سبب ما يقوم به، وقد يستفزه النقد فيشن هجوما معاكسا على من يبين له عيوبه. إذ أن النظرة المتعالية والإستنفار الذاتي يشعرانه بأنه أفضل من غيره، مع وجود الغياب المعرفي في كيفية تطوير ذاته، وانفصاله عن واقعه، فهو غالبا لايسمع إلا مدحا، أو ربما ترك الناس إنتقاده اتقاء شره.
كلمات يسيرة ولكن فعلها مؤثر في دغدغة المشاعر وإيجابية الأنفس وتفاؤل العقول وبشاشة الوجوه مثل (شكرا، لو سمحت، كلامك جميل، أحسنت، سعدت بك، وجودك مفيد، لك تقديرك، وغيرها كثير)، فتفيض اللقاءات بهجة وسكينة وراحة.
يقول المتنبي في قصيدة يبين فيها حالة الأسى والحزن الذي يعيشه مع قدوم العيد:
عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ
ولست بشاعر، ولكن أثارتني النبرة التشاؤمية للقصيدة، فليسمح لي المتنبي أن أتجرأ وأنظر للنصف الممتلىء من الكأس تعليقا على بيته:
عيد بأحسن حال عدت ياعيد
مما مضى ففيك سعد وتجديد
حالات مهمة في كل وقت وحين، ولكن في أوقات المناسبات السعيدة، ومنها أيام العيد، يتعاظم أمرها وتزداد أهمية استحضارها:
- كثرة المجاملة مع كل الناس وبالأخص الأقرباء والأصدقاء.
- التغافل/ التغابي عن زلات اللسان وعبارات غير مقبولة.
- إنتقاء الكلمات الودودة اللينة.
- الاكثار من الإبتسامة ونشرها في اللقاءات.
في العيد كل شيء مختلف؛ ساعات النوم، نوع الطعام، صيغة التهنئة، تنوع الناس الذين نقابلهم، حتى الشوارع والطرقات، فما أجمل أن تكون الأنفس أيضا مختلفة، فتشرق بالإبتسامات، وتنساب منها عبارات الأنس والمودة، وتنسى مامضى من شحناء ونفور وأخطاء.
تأمل فعل موسى ثم قوله في الآية الكريمة ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24]، السعي لفعل الخير ومساعدة المحتاج بدون طلب، ثم إظهار الإفتقار إلى الله سبحانه وبصيغة (رب) في طلب كل خير.
العفوية سلوك جميل يريح صاحبه من التفكير في كثير من السلوكيات والتمسك بالإلتزامات الاجتماعية، وربما حتى النظامية والآداب العامة، ولايعني هذا أنهم يقصدون المخالفة وتحدي المجتمع، ولكن عفوية تفكيرهم تجعلهم لاينظرون في تصرفاتهم، وإن كان هذا يريحهم إلا أن المشكلة تكمن في أنهم في حالات كثيرة يتجاوزون على الآخرين بتلك العفوية والسلوكيات غير المنضبطة، والتي يراها غيرهم فوضوية وأذى وتعدي.
كيف نحول أذى الطرقات وخلافات العلاقات إلى استثمار؟ لابد أن يكون المنطلق بأن يضع الشخص في إعتباره وعميق فكره أنَّ الناس مجبولون على الزلات والأخطاء والنسيان، فإن اهتم المرء لڪل زلة وخطيئة تعِب وأتعب، ولذا من العقل ألا يدقق في ڪل مايحدث، بل ينقله إلى خانة الصبر والتحمل رغبة في تكفير السيئات وكسب الحسنات، فتخف آلام منغصات المشكلات، وترتقي لتكون في النية كسب من المكتسبات.
هل نحن من يصنع المشكلات لأنفسنا؟ في حالات كثيرة ربما يكون الجواب للأسف "نعم"، ولكن من دون قصد أو وعي، فلو تفكر المرء لوجد أن عددا من تلك المشكلات كانت بدايتها كلمة عابرة أو إختلاف في وجهة نظر أو تفسير خاطيء أو تفاعل غير منضبط أو تسرع في حكم، بينما كان بالإمكان عدم وجود المشكلة بتجاهل البداية أو التغافل عنها أو تأويلها تأويلا حسنا أو ردا لطيفا أو إبتسامة محبة، والنتيجة حالة نفس مطمئنة وعلاقات متميزة وذكر طيب ودعوات حسنة.