كثير من الابناء لا يتعلمون دور الضحية من العالم الخارجي بقدر ما يتعلمونه داخل البيت بصمت وبشكل يومي حين يكبر الطفل وهو يسمع اب يكرر انه ضحى وتعب وان حظه سيئ او ام تلمح دائما انها مظلومة و لأحد يحبها فانه لا يستقبل هذه العبارات كشكوى عابرة بل كقصة كبرى عن الحياة والعلاقات. الطفل لا يملك الادوات ليفهم التعقيد النفسي للبالغين لذلك يفسر ما يراه ببساطة مؤلمة انا السبب انا العبء انا الدين الذي لم يسدد.
عندما تقول الام انا عشت لكم ونسيت نفسي يتعلم الطفل ان الحب يعني الغاء الذات وان العطاء يجب ان يكون مصحوب بالالم وعندما يقول الاب انا تحملت كل شيء من اجلكم يتعلم الطفل ان وجوده مرتبط بالذنب لا بالاختيار. ومع الوقت لا يعود الاب او الام مجرد شخصين في حياة الطفل بل يتحولان الى مرآة يرى فيها نفسه اما كمذنب دائم او كضحية مستقبلية.
الاخطر يحدث حين يستخدم الوالدان الطفل كشاهد على معاناتهما او كطرف في صراعاتهما فيكبر وهو يعتقد ان العلاقات تقوم على تبادل الظلم لا على المسؤولية والحوار. لا يسمع الطفل من يقول اخطات او انا مسؤول عن قراري بل يرى شكاوى متواصلة وتبريرات ولوم للظروف وللناس وللحياة فيتعلم ان اسهل مكان يقف فيه الانسان هو مكان الضحية.
ومع النضج يحمل هذا الطفل النموذج معه الى العالم اما فيعيش حياته وهو يشعر ان الجميع مدينون له او يتحول الى منقذ مرهق يحاول تعويض ظلم لم يفهمه اصلا. في الحالتين تغيب عنه فكرة اساسية لم يتعلمها في طفولته وهي ان الالم جزء من الحياة لكنه لا يصلح ان يكون هوية وان التعب لا يبرر الهروب من المسؤولية.
التربية الصحية لا تنكر المعاناة لكنها لا تورثها ولا تحولها الى عبء نفسي ينتقل من جيل الى جيل. حين يرى الطفل اب او ام يقولان تعبت نعم لكنني اخترت ومسؤول عن حياتي يتعلم شيئا عميقا ان القوة ليست في الشكوى ولا في التضحية الصامتة بل في الوعي وتحمل المسؤولية دون تحميل الاخرين ثمن ما لم يختاروه.
لا تأخذ الأمور بشكل شخصي.
ما يحدث حولك نادرًا ما يكون بسببك.
الناس يتصرفون من داخلهم، من أفكارهم، ومخاوفهم، وتجاربهم غير المحسومة.
حتى حين يبدو الأمر شخصيًا جدًا، غالبًا لا علاقة له بك.
كلماتهم، آراؤهم، ردود أفعالهم
هي إسقاطات لعالمهم الداخلي، لا تقييمًا لك.
حين تأخذ الأمور على محمل شخصي،
تفترض أنهم يرون الواقع كما تراه أنت.
وهذا خطأ.
لكل إنسان واقعه الخاص.
القوة الحقيقية تبدأ هنا:
أنت لا تملك التحكم في نظرتهم لك،
لكن تملك التحكم في نظرتك لنفسك،
وفي رد فعلك، وفي المعنى الذي تعطيه لما يحدث.
معظم أحكامنا عن الآخرين مبنية على افتراضات ناقصة، وغالبًا تكون خاطئة.
الهدوء لا يأتي من تغيير الناس، بل من التوقف عن تحميل نفسك، ما ليس لك.