اقول :
الكمنجة ليست مجرد آلة موسيقية بل تكاد تكون لغة أخرى للمشاعر لذلك قيل عنها إنها "أحن أصوات الآلات الموسيقية" وأكثرها قدرة على ملامسة أوتار القلب وإيقاظ ما يختبئ في النفس من شجن وحنين ..
وربما لهذا السبب لقبت ب"سيدة الآلات" إذ تجمع بين الرقة والقوة وبين البوح والصمت في آن وا��د .
ويروى أن أحد العازفين سئل: لماذا يبدو عزف الكمنجة حزيناً في كثير من الأحيان ؟
فأجاب: "لأنني أضعها قريباً من قلبي وأنا أعزف" . وكأن الحزن هنا ليس في الآلة ذاتها بل في المسافة القصيرة جداً بين الوتر والقلب .
وقد التقط الشعراء هذا البعد الوجداني للكمنجة فصارت عندهم أكثر من آلة وصارت شاهدة على الذاكرة والغياب والزمن ويقول محمود درويش في واحدة من أكثر الصور الشعرية تأثيراً:
"الكمنجات تبكي مع الغجر الذاهبين إلى الأندلس
الكمنجات تبكي على العرب الخارجين من الأندلس
الكمنجات تبكي على زمن ضائع لا يعود."
هنا تتحول الكمنجة إلى صوت للذاكرة الجماعية تبكي لا على أشخاص فقط بل على الأزمنة التي تمضي ولا تعود.
أما ميخائيل نعيمة فيمنحها صورة أكثر دفئاً وبراءة حين يقول:
"خيل إلي أن الكمنجة طفل في أول عهده تضحك ضحك الأطفال مزهوة باكتشافها لذة النطق والبيان وأحياناً تنطلق انطلاق فرخ الطير من عشه وقد اكتسى بالريش."
وبين دموع درويش وبراءة نعيمة تبقى الكمنجة آلة استثنائية لا تسمع فقط بل تحس .. فهي حين تعزف لا تروي لحناً فحسب بل تفتح أبواباً قديمة في الذاكرة وتمنح القلب فرصة نادرة ليقول ما يعجز عنه الكلام ..
# تمت استعارة الفيديوهات من الحساب المتميز @MolMoHsen
ثمة حكاية دمشقية ترويها هذه الصورة بعدسة المصور طارق كبيسي.. ففي سوق الصوف الدمشقي لا تقف الشجرة على هامش المشهد بل في قلبه.. تميل بجذعها العتيق كشيخ دمشقي حكيم تراقب الأزقة التي عبرها التجار والعشاق والمسافرون منذ قرون.. تهرم الجدران وتتبدل الأبواب وتبقى الشجرة شاهدة على أن المدن العظيمة تعيش بما تحفظه من ذاكرة وحياة لا بالحجارة وحدها.. وكأن الرسالة تقول: مهما أثقلت السنوات أبواب السوق وأخشابه فإن جذور الحياة ما زالت تضرب عميقاً في المدن القديمة ..
لقطة ذكية حول كبيسي الصورة إلى لوحة ضوئية ناعمة فقد اختار إضاءة مشرقة تكاد تغسل المكان بالب��اض بينما بقيت الشجرة بلونها الأخضر الزاهي لتكون مركز الحياة في المشهد ..أما القنطرة الدمشقية التي تعلو الممر والأخشاب القديمة البارزة من الطابق العلوي فتروي حكاية العمارة التقليدية في أحياء دمشق وهي شبيهة بفن العمارة في شقيقتها بغداد القديمة حيث كانت البيوت والأسواق تتشابك في نسيج واحد فلا تكاد تعرف أين ينتهي البيت وأين يبدأ السوق..
فيما يلي رابط موقع المصور طارق كبيسي على الانستكرام.
https://t.co/yyFaeYwNEj
سحر الصورة الفوتوغرافية ..يلتقط القلب ما تعجز عنه العدسة .
في عالم تتسارع خطاه وتتزاحم في فضاءاته المشاهد العابرة تظل الصورة الفوتوغرافية إحدى أعمق وسائل التعبير الإنساني قدرة على اختزال الزمن وتحصين الذاكرة ضد النسيان .. إنها ليست مجرد انعكاس بصري عاكس لواقع مجرد بل هي وثيقة صامتة بليغة تنطوي على سرديات ومشاعر ودلالات تعجز الكلمات على اتساع مج��زاتها عن نقلها بذات الكثافة والتأثير ..وقد تحولت الصورة إلى لغة كونية عابرة للحدود الجغرافية ومتجاوزة لتباين الألسن والثقافات فما إن تقع العين على لقطة بصرية مؤثرة حتى تنشأ رابطة وجدانية فورية بين المشاهد والحدث دون حاجة إلى تفسير أو هوامش شارحة مما جعل الفوتوغرافيا شاهد العيان الأبرز على تحولات الإنسان والمجتمع في العصر الحديث .
ولا يكمن سر الصورة الناجحة في التطور التقني لآلة التصوير أو امتلاك أدوات معقدة إنما في الشغف الكامن خلف العدسة وفي البصيرة الواعية للمصور المبدع .. فالمصور الفذ يمتلك ميزتين نادرتين.. عقلاً متيقظاً يترصد اللحظة الهاربة في ذروة تش��لها وعيناً قادرة على رؤية الجوهري المخبوء وراء المظهر السطحي للمشاهد .. المصور المبدع لا يحمل كاميرا فحسب بل يحمل حساسية وجودية تجاه العالم ويعيد صياغة الضوء كحبر بصري يحول اللحظة العابرة إلى حكاية متكاملة الأركان .. ومن خلال هذا التفا��ل الخفي بين الضوء والظلال وبين الحركة والسكون يوجه المصور إصبعه نحو زر الكاميرا في لحظة فارقة تفصل بين اللقطة العادية واللقطة الخالدة ليلتقط بقلبه وعقله ما قد تعجز الأيدي والأدوات الجامدة عن اقتناصه ..
ولعل ما يمنح الصورة الفوتوغرافية مكانتها الفريدة هو علاقتها الوجودية بالزمن فكل صورة هي محاولة إنسانية مستميتة للإمساك بـاللحظة الحاضرة قبل أن تفلت وتتوارى إلى الأبد وهي عملية تجميد متعمدة لتدفق الوقت ومنحه فرصة أخرى للحياة والخلود .. ويلتقي هذا المفهوم مع الرؤية الفلسفية للألماني مارتن هايدغر الذي رأى أن الزمن الحقيقي ليس مجرد دقائق وساعات تقيسها عقارب ا��ساعة الفيزيائية بل هو الزمن الوجودي الذي نعيشه ونختبره في وعينا وذاكرتنا وفي هذا السياق يعيش المصور في حالة ترقب دائم لانتشال اللحظات النادرة من مقبرة العدم والنسيان ..
وعلى امتداد التاريخ الحديث لعبت الصورة دوراً محورياً في صياغة الذاكرة الجمعية للشعوب وتوثيقها ولم تكن مجرد أداة ترفيهية .. فمن جهة تحولت صور الأحداث الكبرى كالحروب والكوارث والتحولات السياسية إلى أيقونات تاريخية غيرت مجرى الرأي العام العالمي وأيقظت الضمير الإنساني المشترك تجاه قضايا مصيرية .. ومن جهة أخرى برعت الكاميرا في حماية تفاصيل الحياة اليومية البسيطة من الاندثار لتتحول تلك اللقطات العادية مع مرور العقود إلى كنوز "أنثروبولوجية" تروي حكاية العادات والأزياء والملامح الإنسانية الدقيقة لحقبة ما ..
إن الصورة الفوتوغرافية في جوهرها ليست مجرد فعل ميكانيكي ينتهي بضغطة زر إنما هي فعل واعي ينبثق من القرب الوجداني لتفاصيل الوجود الإنساني مع محيطه ..ولهذا السبب يظل المصورون محت��فين كانوا أم هواة هم حراس الذاكرة البصرية للبشرية لأنهم اعتادوا أن يروا في التفاصيل الهامشية عوالماً كاملة من المعاني ليوثقوا للعالم كيف كان وكيف تحول وكيف يبدو حين ننظر إليه بعيون الفن الخالص ..
_______
1-صورة الطفلة كيم فان التي كانت السبب الرئيسي لإنهاء حرب فيتنام وتم إلتقاط الصورة في 8 حزيران /يونيو 1972 في قرية ترانج بانج الفيتنامية بواسطة المصور الصحفي نيك أوت .
2- صورة النسر والطفلة وهي تزحف في محاولة للوصول لمعسكر الأمم المتحدة أثناء المجاعة السودانية عام 1994 إلتقطها المصور الجنوب أفريقي كيفين كارتر .
تاج الرأس ..حكاية التبعية الطوعية التي لا تنتهي .
ليس من التناقض في شيء أن تتحرك الدول في فلك مصالحها الجيوسياسية فصناعة النفوذ والتمدد شأن قديم قدم الإمبراطوريات والتاريخ لم يعرف قط دولة تدار بالعواطف أو تسير بالهبات الأخلاقية المجردة .. إن صراع القوى سواء تمثل في واشنطن أو طهران أو غيرهما من عواصم النفوذ هو المجرى الطبيعي للسياسة الدولية ..
لكن المأسا�� الحقيقية والشرخ الحضاري الأكثر عمقاً يكمن في أولئك الذين يصرون على ارتداء ثوب التبعية بملء إرادتهم ..
والمفارقة الصارخة هنا أن هؤلاء "الأتباع" غالباً ما يعيشون في رغد من العيش تنعم به عليهم أوطانهم ويتمتعون بامتيازات وحريات لم توفرها ولن توفرها لهم تلك الجهات الخارجية التي يتغنون بأمجادها ويسجدون في محرابها الأيديولوجي ..
لقد تنبه الفيلسوف الألماني هيغل مبكراً لهذه المعضلة النفسية والوجودية حين فكك جدلية "العبد والسيد"واعتبر أن بعض النفوس تفضل الأمان الزائف الذي تمنحه التبعية على المسؤولية الثقيلة التي تفرضها الحرية .. هذا الإيثار للعبودية يلد نوعاً من البشر لا يكتفي بالخنوع بل يترقى في درجات الاستلاب ليصبح حارساً مخلصاً وشرساً لقيوده !! .
لذلك فإن أخطر أنواع العبودية ليست تلك التي تفرض بالقوة العسكرية بل هي "العبودية الطوعية" التي فصلها المفكر الفرنسي "إتيان دي لا بويتييه"حيث ي��حول المستلب إلى مدافع شرس عن أغلاله مفتخراً بها دون ذرة من خجل .. في هذه الحالة المرضية لا يعود "التاج" رمزاً يستقر على رأس السيد وحده بل يتحول إلى جزء بنيوي من وعي التابع وعي مشوه لا يستطيع تخيل الذات خارج إطار التبعية ويستشيط غضباً إن لم يشاركه الآخرون هذا الانبطاح.
وعندما يعتاد الإنسان هذا النمط من الوجود البائس يصاب بعمى البصيرة يجعله عاجزاً عن رؤية نفسه ككيان مستقل وتجده مستعداً دائماً لخوض معارك الدفاع عن "السيد تاج الرأس" الخارجي بشراسة تفوق دفاعه عن وطنه الأم ويغضب لكرامة الرموز العابرة للحدود أكثر مما يغضب لكرامة شعبه وأهل جلدته .. وفي سبيل هذا العشق الأعمى تصبح التبريرات جاهزة والمسوغات الأيديولوجية معلبة لتغطية خطايا ذلك النفوذ مهما عظمت ومهما توغلت في تدمير محيطه ..
والخلاصة إن الطغاة يصنعون عبيداً أما العبيد فهم الذين يصنعون الطغاة وفي نهاية المطاف فكل تاج يرفع في سموات الاستبداد والتبعية لا يجد من ينحني له سيسقط حتماً بقوة الجاذبية التاريخية وإن الأوطان الحية لا تبنى بالنفوس الوجلة التي تبحث دائماً عن "تاج رأس" خارجي بل تزدهر بالمواطن الحر الذي يرفع رأسه بكرامة ويرى في انتمائه لترابه الوطني القيمة العليا والوحيدة التي تستحق الولاء والانتماء .
في هذه الأبيات يقدم الشاعر المصري محمد ا��شهاوي رؤية تأملية روحية وصوفية عميقة تدعو الإنسان إلى التحرر من سجن الأنا وظلمات الداخل حتى يرى الحقيقة بصفاء .. فالذات حين تنغلق على نفسها تصبح حجاباً أما النور الحقيقي فهو الكامن في أعماق الإنسان لا يستكشف إلا بمجاهدة النفس واستنفار أجمل الطاقات . إنها قصيدة تذكرنا بأن اتساع العالم لا قيمة له إذا بقي الإنسان أسير ��لامه الدائم ..
قلق الجغرافيا المفتوحة: الإنسان في عصر الاستنزاف الوجداني .
لم يتهيأ الكائن البشري عبر مسيرته التطورية والتاريخية لا نفسياً ولا عصبياً ليكون مستودعاً لآلام الأرض ومشاكل الإنسانية قاطبة . فإلى عهد قريب كانت الجغرافيا تعمل كعازل طبيعي يحمي الوعي البشري من التشتت والانفجار إذ كان الفرد يتحرك في حدود دائرته المحلية منشغلاً بقلق السعي اليومي ومكتفياً بكوارث محيطه الصغير التي يملك القدرة على التفاعل معها . أما اليوم فقد تلاشت هذه المصدات الوجدانية بفعل الطفرة التقنية المتسارعة ليجد الإنسان نفسه محاصراً بشاشة هاتفه على مدار الساعة بعد أن ألغت التكنولوجيا المسافات وحولت الفضاءات الأكثر خصوصية إلى مسارح مفتوحة لعرض مآسي البشرية الفردية والعامة في القارات السبع عبر بث حي ومستمر لا ينقطع .
إن العنف والظلم والفقد والمأساة الإنسانية ليست عوارض حديثة فالشر قديم قدم الأرض والملحمة البشرية منذ تراجيديا قابيل وهابيل مثقلة بالدموع والدماء . إلا أن الفارق الجوهري بين الأمس واليوم يكمن في سياق التواصل وأسلوبه ففي الماضي كان الألم يقع فيموت في مكانه أو يصل كخبر جاف متأخر عبر ناقل أو صحيفة أو إذاعة فلا ��علم به إلا القلة .أما الآن فإن التكنولوجيا تتيح لنا "معايشة" التفاصيل الدقيقة للفاجعة بلحظتها وتترصد الأنفاس والملامح والمشاعر بالصوت والصورة . هذا التدفق اللانهائي من الصور الصادمة للخراب الممنهج أدى إلى استنزاف مخيف للطاقة النفسية ذلك أن العقل البشري بطبيعته البيولوجية لم يصمم ليعيش في حالة استنفار وسوق عاطفي دائمين ولا ليمارس دوراً يتجاوز قدراته المحدودة في رؤية كل شيء وتحمل وزر كل شيء .
وتبرز المعضلة النفسية الأعمق عند الاستهلاك الكثيف والمستمر لصور المآسي فهذا الاستهلاك المتواصل لا ينتج بالضرورة تضامناً أعمق بل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً تعرف في علم النفس ب "بلادة الاستجابة" . فعندما تتحول المأساة الإنسانية إلى مجرد "محتوى" رقمي تتغير مشاهده في لحظات ويعرض بين إعلان تجاري استهلاكي ومقطع ترفيهي أو كوميدي، يفقد الألم قداسته وهيبته . ومع التكرار يتحول الإنسان تدريجياً من كائن متعاطف ومتأثر إلى "متفرج محايد" يلتهم الكوارث دون قدرة على التغيير مم�� يورث شعوراً دفيناً بالعجز والإحباط والعدمية الوجودية .
أمام هذا الطوفان الجارف بات مطلوباً من الفرد الالتزام ب "انضباط رقمي" صارم ليس كمجرد خيار رفاهي أو نصيحة عابرة في التنمية الذاتية بل كضرورة وجودية وأخلاقية ملحة لحماية ما تبقى من إنسانيته .
ولعل أبرز ملامح هذا الانضباط تتجلى ��ي سياسة "الحمية المعلوماتية" وهي تحديد ما يجب قراءته والاطلاع عليه بدقة وتجنب الاستغراق في التفاصيل التي لا طائل منها مع تخصيص أوقات محددة لمتابعة الأخبار بدلاً من استمرار البحث والتقصي طوال اليوم. إن الوعي لا يعني بالضرورة التجميع الكمي للأخبار فالجهل ببعض تفاصيل الكوارث البعيدة التي لا نملك القدرة على تغييرها هو نوع من الفضيلة الحتمية لحفظ الطاقة الروحية وتوجيهها نحو الممكن والنافع .
ويستتبع ذلك ضرورة الانتقال من "الاهتمام الافتراضي الشامل" إلى "الفعل المحلي الملموس" وإعادة تركيز الجهد الإجمالي على مجتمعاتنا القريبة المحيطة بنا حيث يمكن لتعاطفنا هن�� أن يترجم إلى سلوك نافع وفعل حقيقي يساعد في مواساة أصحاب المآسي بدلاً من التباكي الافتراضي العاجز خلف الشاشات . إن احترام فترات "الصمت الرقمي" واستعادة الليل كمساحة للتأمل والقراءة والعزلة والانفصال الطوعي عن الشبكة العنكبوتية لفترات زمنية محددة غدا ضرورة قصوى فالإنسان يحتاج دائماً إلى مساحات بي��اء في ذهنه ليعيد ترتيب ذاته وهضم تجاربه الخاصة بعيداً عن صخب العالم المتواصل.
إن الدعوة إلى وضع حدود صارمة مع العالم الرقمي لا تعني بأي حال من الأحوال الانكفاء أو السلبية أو اللامبالاة تجاه عذابات البشر وقضاياهم العادلة بل هي سعي متوازن وعقلاني ل "برمجة التعاطف" أي تحويله إلى طاقة مستدامة واعية لا شحنة انفعالية مؤقتة تتبدد وتتلاشى مع أول ضغطة زر لتحديث الصفحة . إن حماية التوازن الداخلي هي خط الدفاع الأخير عن قدرة الإنسان على البناء والتفكير السليم فالعالم مهما اتسع ضجيجه وتمدد على شاشاتنا سيبقى دائماً أكبر من قدرة روح واحدة على احتماله ومن يرفض الانفصال المؤقت عن مآسي البشرية سينتهي به المطاف عاجزاً عن مساعدة نفسه فكيف بمساعدة محيطه .
الأوبئة الفكرية ..من عتمة الجهل إلى جائحة وهم المعرفة .
يمثل الجهل في المتخيل الإنساني والفكري البنية التحتية لكثير من الانحرافات السلوكية والمعرفية فهو الأرض الخصبة التي تنمو فيها العصبيات "الطائفية والعنصرية" وتزدهر فيها الفوضى والعشوائية وتتراجع أمامها قيمة العقل والتبصر والتدبر ..
ولعل عبارة المتصوف سهل بن عبد الله التستري 818-896 م: "ما عصي الله بمعصية أعظم من الجهل" تختزل هذا الأثر العميق فالجهل في جوهره ليس مجرد غياب للمعلومة بل تعطيل للأمانة الإنسانية القائمة على الوعي والتأمل وحسن الإدراك .
غير أن التستري لم يقف عند حدود توصيف الظاهرة بل نفذ إلى أعماقها النفسية والمعرفية حين نبه إلى أن الأخطر من الجهل هو الجهل بالجهل نفسه .. وهنا ننتقل من الجهل البسيط الذي يدرك صاحبه نقصه فيسعى إلى التعلم إلى الجهل المركب تلك الحالة التي يتصلب فيها العقل وتغلق منافذ المراجعة والتعلم .. فكيف يبرأ من العلة من ينكر وجودها ؟ وكيف يطلب المعرفة من يظن أنه بلغ نهايتها ؟
هذا المعنى التقطه الفكر الفلسفي لاحقاً بعمق لافت حين حذر ابن سينا من "فطانة بتراء"وهي الفطنة الناقصة أو المعرفة المبتورة التي تمنح صاحبها وهم الإحاطة والفهم وهي ليست جهلاً صريحاً بل معرفة سطحية ترتدي ثوب اليقين فتتحول إلى حاجز يمنع التعلم بدل أن يكون باباً إليه . ومن هنا تبدأ أخطر الأوبئة الفكرية.."وهم المعرفة" . فالجاهل المركب لا يكتفي بإغلاق أبواب التطور على نفسه بل قد يتحول إلى مصدر عدوى معرفية للمجتمع إذ يتبنى خطاباً يقينياً متعالياً ويمارس الوصاية على الآخرين ويخوض معارك دفاعاً عن تصوراته باعتبارها الحقيقة المطلقة .. وفي هذه الحالة لا يعود الخلل نقصاً في المعلومات بل اضطراباً في العلاقة مع الحقيقة ذاتها .
ويلتقي هذا الإرث الفكري مع نتائج العلم الحديث بصورة لافتة.فعندما قال الفيزيائي ستيفن هوكينغ: "أعظم أعداء المعرفة ليس الجهل بل وهم المعرفة"كان يصف أحد أكبر العوائق أمام التقدم الإنساني إذ إن الجهل يمكن معالجته بالتعليم أما وهم المعرفة فيقاوم التعلم لأنه يتخفى في هيئة اليقين.
وتجسدت هذه الظاهرة ��يما يعرف في علم النفس الحديث ب "تأثير دانينغ كروجر" وهو انحياز معرفي يشير إلى أن محدودي الخبرة أو الكفاءة يميلون إلى المبالغة في تقدير قدراتهم لأنهم يفتقرون أصلًا إلى الأدوات التي تكشف لهم حدود معرفتهم. ولهذا يتقدم بعضهم إلى واجهة المشهد الإعلامي أو فضاءات التواصل بثقة عالية لا تسندها خبرة حقيقية بينما نجد أن العلماء وأصحاب التخصص كلما ازدادوا معرفة ازدادوا تواضعاً وإدراكاً لاتساع المجهول .
وخلاصة القول إن أخطر الأوبئة ليست تلك التي تضعف الجسد بل التي تصيب الوعي وتشوه علاقة الإنسان بالحقيقة . فالجهل مهما اشتد يظل قابلاً للعلاج ما دام صاحبه يعترف بحدوده أما وهم المعرفة فهو المرض الذي يلبس قناع "المعرفة" . ولذلك يبقى التواضع المعرفي والقدرة على السؤال والاستعداد الدائم لمراجعة القناعات من أعلى مراتب النضج العقلي .. فالحكمة لا تبدأ حين نعرف الكثير بل حين ندرك أن ما نجهله أكبر بكثير مما نعلمه .
الإنسانية هي الربح الأخير.. تأملات في فلسفة "نياله من ربح نفسه"
في زحام الحياة المعاصرة وصراعاتها المحمومة ثمة أشخاص يربحون معارك كثيرة ويحرزون مكاسب مادية واجتماعية لافتة لكنهم في غمرة ذلك كله يخسرون أنفسهم إذ يغرقون في وحل التعصب للطائفة والكراهية والانغلاق والركض اللاهث وراء الشهرة والمصالح الخاصة الضيقة ..
وفي المقابل ثمة آخرون قد لا يملكون حظاً وافراً من بهارج الدنيا ومظاهرها لكنهم ربحوا أعظم ما يمكن أن يربحه الكائن في الوجود ..ربحوا إنسانيتهم الفطرية .. ول��ل هذا ما يفسر التعبير الشعبي العميق "نياله من ربح نفسه" فالربح الحقيقي هنا يشير إلى ذلك الإنسان الذي استطاع أن يتحرر من سجن الطائفة الضيق ومن وهم الانتماءات "الشوفينية" التي تحاول اختزال البشر في هويات صغيرة مغلقة تقتات على إقصاء الآخر ونفيه وتهميشه.
إن أولى الخطوات نحو ربح الذات تكمن في ألا يسمح الإنسان للطائفة أو الدين أو العشيرة أو أي هوية فرعية بأن تحدد سقف تفكيره وتؤطر نظرته إلى الآخرين ..فالإنسان حين يرى الناس بوصفهم بشراً أولاً قبل أي توصيف أو تصنيف آخر يكون قد انتصر على أخطر أشكال الانقسام الداخلي وحرر عقله من الأحكام المسبقة والكراهية الموروثة وحيد ذلك الوحش الكاسر في أعماقه والذي إن أطلق سراحه دمر صاحبه ودمر من حوله. وعندها فقط يتذوق المرء طعم السلام الداخلي الحقيقي ويفيض بالعطاء الدائم لأن قلبه لم يعد مثقلاً بالخوف من الآخر أو بالعداء المجاني له ..ويحضرني هنا قول الكاتب والمفكر اللبناني الفرنسي أمين معلوف في كتابه "الهويات القاتلة"حيث يفكك هذا الوهم قائلاً: "عندما تختزل الهوية ��ي انتماء واحد فإنها تدفع بالبشر نحو التعصب وتحولهم إلى وحوش مستعدة للقتل دفاعاً عن هذا الانتماء الضيق".
بناءً على ذلك فإن الذكاء الإنساني الحقيقي يكمن في اكتشاف المساحات المشتركة بين البشر فما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم وتجمعهم حاجتهم الفطرية إلى المحبة والعدل والكرامة والأمان كما يجمعهم الألم المشترك والأمل المتجدد وال��حث الدؤوب عن معنى للحياة .. ومن يربح نفسه حقاً هو ذاك الذي يقضي عمره في بناء الجسور بين البشر لا في تشييد الجدران النفسية والطائفية والعنصرية.
ويمتد هذا النضج الإنساني ليتجلى بوضوح في طبيعة الحوارات اليومية إذ لا يكون النضج في أن تستمع للآخر لمجرد الرد عليه أو لتنتصر لنفسك وتحقق ذاتك على حسابه بل في أن تستمع لتفهم وتستوعب وتفتح آفاقاً جديدة للتعايش الخلاق ..
إن الاتساع المعرفي والتعاطف مع وجهات نظر الآخرين يمنحان الإنسان قدرة أكبر على فهم الآخر وفهم نفسه في آن واحد أما التعصب الأعمى فلا يورث صاحبه سوى الخوف وضيق الروح واستنزاف الطاقة النفسية وإيقاظ الوحش الكاسر الكامن في الهويات المغلقة والانشغال في صراعات عبثية لا تنتهي ..فعندما يسلم الإنسان عقله للتجاذبات الطائفية والمذهبية فإنه يتخلى طوعاً عن إنسانيته وعن معنى وطنيته وآفاقها الرحبة الجامعة ويتحول إلى مسخ يرى في الآخر مجرد خصم أو هدف مباح تجوز استباحته لا بشراً مساوياً له في الحق والوجود ..
وخلاصة القول إن الأوطان لا تبنى إلا بالقلوب العابرة للحدود الضيقة وبالنفوس التي تؤمن بأن الإنسان ق��مة عليا لا تقبل التجزئة أو الاختزال بهوية تمزق النسيج الاجتماعي ..فطوبى لمن ربح نفسه وحافظ على إنسانيته وبئس المصير لمن باع إنسانيته في سبيل أوهام عابرة وزائلة .
# لوحة بعنوان: "الإنسان وما يسعى”
عمل تشكيلي فلسفي بأسلوب رمزي سريالي للفنان العراقي د. علاء بشير يجسد قلق الإنسان وتعدد رؤاه من صفحته على الفيسبوك .
الفيلسوف الخ��يس ..حين ينفصل العقل عن الشرف بين التاريخ والحاضر..
تستقر في الوجدان الإنساني صورة مثالية للفيلسوف والمفكر بوصفه حارساً للفضيلة ومنارة للمبادئ وصوتاً للضمير في مواجهة الطغيان والزيف..لكن الواقع كثيراً ما ينسف هذه الصورة حين يكشف أن العبقرية لا تعني بالضرورة النبل وأن العقل اللامع قد يسكنه ضمير معطوب..فالفلسفة التي تعلم الناس الحكمة قد تعجز أحياناً عن تعليم صاحبها الحد الأدنى من الشرف.
عبر التاريخ اختلف الناس مع أفكار كبار الفلاسفة والمفكرين من طاليس إلى رينيه ديكارت مروراً بأعلام الفكر العربي الإسلامي مثل الفارابي وابن رشد وصولاً إلى ثورات تشارلز داروين وسيغموند فرويد. ورغم الجدل العنيف حول أفكارهم ظل هناك احترام ضمني لهم لأنهم اجتهدوا بصدق وقدموا للبشرية عصارة عقولهم.. بعضهم أخطأ وبعضهم أصاب لكن كثيرين منهم قرنوا الفكرة بالموقف ودفع بعضهم حياته ثمناً لقناعاته مثل سقراط الذي فضل تجرع السم على المساومة على مبادئه.
غير أن التاريخ يسجل أيضاً استثناءات صادمة ولعل أبرزها الفيلسوف والعالم الإنكليزي فرانسيس بيكون أحد أهم مهندسي الثورة العلمية الحديثة وصاحب المنهج التجريبي الذي مهد لعصر التكنولوجيا وصاحب المقولة الشهيرة: "المعرفة قوة"..فقد كان بيكون عاشقاً للعلم ومنظراً بارعاً لكنه في حياته السياسية قدم نموذجاً معاكساً تماماً لصورة الفيلسوف النبيل ..تحت عباءة المفكر كان يقبع سياسي انتهازي شديد البراغماتية استخدم القانون أداة للتقرب من السلطة وساهم في ترسيخ الظلم خدمة للبلاط الملكي..لكن أكثر ما لطخ سيرته كان موقفه من صديقه وراعيه "إيرل إسيكس" الرجل الذي احتضنه وساعده في بداياته..فحين غضبت السلطة على إسيكس تنكر له بيكون ووقف ضده في المحكمة مطالباً بإعدامه في مشهد ظل لاحقاً رمزاً للخيانة الفكرية والأخلاقية.
لهذا لم يتردد كثير من النقاد في إطلاق أوصاف قاسية عليه فوصفه الشاعر ألكسندر بوب بأنه "أعظم العقول وأخس إنسان" بينما رأى المؤرخ ويل ديورانت أنه "حظي بكل شيء إلا الشرف"أما المفكر عبد الرحمن بدوي فاختصر المشهد كله بعبارة مكثفة: "فيلسوف الخسة".
والمؤسف أن هذا النموذج لم يبق حبيس القرن السابع عشر بل ما زال يتكرر بأشكال مختلفة في حاضرنا. نراه في بعض الأكاديميين الذين تحولوا من حراس للحقيقة إلى مبررين للفساد وفي مثقفين وصحفيين استبدلوا النقد بالتطبيل والضمير بالمصلحة ثم أعادوا تغليف كل ذلك بلغة أنيقة عن "الواقعية السياسية" و"متطلبات المرحلة ". فالحقيقة عندهم قابلة لإعادة الصياغة والمبادئ مرنة بقدر ما تقتضيه مصالح السلطة.
إن أخطر ما في "الفيلسوف الخسيس" أنه لا يبدو جاهلاً أو سطحياً بل غالباً ما يكون شديد الذكاء وواسع الثقافة لكنه يستخدم معرفته لا لتحرير الإنسان بل لخدمة النفوذ وتجميل القبح ..وهنا يصفعنا التاريخ بحقيقته القاسية.. ليس كل عقل عظيم إنساناً عظيماً ..فالعلم بلا أخلاق والذكاء بلا ضمير والمعرفة بلا شرف قد تصنع نفوذاً أو تقدماً مادياً لكنها لا تصنع إنساناً.
التشكيلة الوزارية ..تحديثات شكلية ونظام لا يتوقف عن إنتاج المعاناة.
في العراق يبدو أن المواطن قد أجبر على اشتراك أبدي مع المعاناة خدمة قسرية لا تقبل الإلغاء ولا يتراجع سقف ��ؤسها مهما تغيرت الوجوه وتبدلت العناوين..ومع كل مخاض سياسي يعقب انتخابات شكلية يترقب الناس مشهد تشكيل الحكومة كما لو أنهم يحدثون تطبيقاً إلكترونياً قديماً تتغير الأيقونات وتصقل الواجهات لكن "الأخطاء البرمجية" ذاتها تظل مزروعة في عمق النظام ..بل إن هذه الأخطاء تزداد تعقيداً كلما اشتد حبل التنافس الإقليمي والدولي بين النفوذين الأمريكي والإيراني وكأن هذا الوطن قد أُخرج من سياقه الجغرافي والسياسي ليكون ساحة تجارب مفتوحة لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل الساخنة لضمان نفوذ أطراف لا تنظر إلى العراق إلا بوصفه غنيمة وافرة للأرباح.
إن المشهد السياسي الراهن لا يشي بإدارة دولة تبنى لمصلحة مواطنيها أو لتخفيف أوجاعهم بقدر ما يشبه اقتسام "غنيمة " وقعت بين أيدي نخب جائعة للسلطة ترفع شعارات الوطن والسيادة في الخطب والمحافل ثم تنكفئ وراء الكواليس لتقاسم الوزارات والمناصب كأنها حصص في وليمة غنائمية لا تنتهي. والمفارقة ال��ارخة هنا هي أن الجميع بلا استثناء يتحدث باسم "خدمة الشعب" ورفع الحيف عنه في حين يقف الشعب نفسه معزولاً خارج قاعة المأدبة يراقب من بعيد ما قد يسقط من فتات الصفقات السياسية أو يتابع عبر الشاشات فصول المصارعة الحرة والمساجلات الحادة داخل أروقة البرلمان والتي تنتهي دائماً بتوزيع المناصب بعقلية المحاصصة المقيتة.
وفي الوقت الذي تدار فيه الدولة بمنطق الولاء الحزبي والطائفي بدلاً من الكفاءة والمهنية يظل المواطن العراقي لاهثاً خلف أدنى مقومات العيش الآدمي يبحث عن طاقة كهربائية لا تجهضها أول موجة حر وعن مياه صالحة للشرب لا تحمل الأوبئة وعن فرصة عمل كريمة لا تحتاج ��لى صك غفران من "واسطة" متنفذة وعن كرامة مصونة لا تذل على أعتاب الدوائر الرسمية المعقدة..
إن العبثية في المشهد العراقي لم تعد مجرد حدث سياسي عابر أو أزمة مؤقتة بل استقرت لتصبح أسلوب حياة يفرض فرضاً على المجتمع.
بناءً على هذا الواقع غدت كل دورة انتخابية كأنها حلقة جديدة من مسلسل طويل وممل الوجوه ذاتها والخلافات السطحية نفسها والوعود البراقة التي يعاد تدويرها باستمرار حتى صار المواطن يحفظ "الحوارات السياسية" عن ظهر قلب قبل أن تنطق ويتوقع مآلات الأفعال ونتائجها الحتمية قبل أن تبدأ..ومع كل هذا الانسداد لم يجد العراقي من ملاذ سوى ممارسة سخريته السوداء كوسيلة نجاة أخيرة من واقعه المرير فهو يضحك على أزماته ويصنع النكات من مفارقات شخوص العملية السياسية ويحول الخيبات اليومية المتلاحقة إلى صور تهكمية بعد أن أدرك حقيقة مفادها أن البكاء أمام هذا الصمم السياسي لم يعد يجدي نفعاً وأن السخرية باتت آخر أشكال المقاومة النفسية والشاهد الوحيد على أن الناس ما زالوا يحتفظون بقدرتهم على الإحساس رغم اعتيادهم اليومي على الألم.
ولعل أقسى أنواع الموت ليس توقف النبض في الجسد بل أن يعيش الإنسان في وطن يشعر فيه بأن كل مقدراته وثرواته مملوكة لطبقة سياسية متنفذة..وطن يطالب فيه الشعب دائماً بالصبر والتحمل والتضحية والسكوت "من أجل المصلحة العامة"بينما المصلحة الوحيدة التي تدار بكفاءة مذهلة وتنظيم دقيق هي مصلحة المتصارعين على النفوذ والمال والبارعين في تقنين الفساد وهدر المال العام..أما المواطن فقد أُقحم في دور المتفرج الدائم على مسرح عبثي يدفع ثمن التذكرة من سنين عمره وراحته وكرامته ويجبر كل يوم على مشاهدة العرض ذاته مع تعديلات طفيفة في أسماء الممثلين لتكتمل فصول العبث بمقدرات العراق وشعبه الأبي.
# الرسم للفنان الكاريكتير العراقي الراحل حسيب الجاسم أحد أبرز رسامي الكاريكاتير في العراق والذي عرف برسوماته الساخرة التي لامست هموم المواطن العراقي وكشفت عبث الواقع السياسي والاجتماعي بأسلوب لاذع ومؤثر.
في اليوم العالمي للحمير.. اعتذار متأخر لكائن أشرف من ساسة الصدفة.
يحتفل العالم في الثامن من أيار/مايو من كل عام بـاليوم العالمي للحمير وهي مناسبة أطلقها عالم الصحراء آرك رازق عام 2018 بهدف تسليط الضوء على الدور الحيوي والخدمات الجليلة التي يقدمها هذا الحيوان الصبور وتعزيز الوعي بأهمية رعايته وحمايته بوصفه واحداً من أقدم رفقاء الإنسان في رحلة الحضارة والعمل الشاق.
وتشير دراسات منظمة الأغذية والزراعة إلى مفارقة صادمة إذ لا يتجاوز متوسط عمر الحمار في منطقتنا العربية سبع سنوات بسبب سوء التغذية والقسوة والإهمال بينما ينعم نظيره في الدول الغربية بحياة قد تمتد إلى أربعين عاماً من الرعاية والدلال وربما تمر هذه المناسبة على المواطن العراقي مروراً عابراً لكنها عند التأمل تكشف مفارقة موجعة تستدعي قدراً كبيراً من السخرية السوداء فالحمار الحقيقي يموت مبكراً من فرط التعب واحياناً الجوع بينما “حمير السياسة” في بلادنا يتمتعون بصحة تحسد عليها الخيول وأعمار سياسية تتجاوز كل منطق بيولوجي أو أخلاقي.
ففي الوقت الذي اتخذ فيه الحزب الديمقراطي الأمريكي من الحمار رمزاً للصبر والعمل وخدمة المواطن جعلت أحزاب السلطة في العراق من الشعب ذاته “حماراً انتخابياً” يركب في مواسم الاقتراع ثم يجلد بالسياط كلما طالب بقطرة ماء أو ساعة كهرباء أو حق بسيط من حقوق الحياة.
العالم ينظر إلى الحمار بوصفه كائناً صبوراً شارك الإنسان بناء الحضارات بينما يقف العراقي متأملاً في سيرة “الحمار الأصيل” مقارنة بسيرة طبقة سياسية جثمت على صدره لسنوات طويلة..هنا تبدو المعادلة أكثر عبثية فالحمار الذي نقل الماء والمؤن وحرث الأرض وبنى الطرق يموت جوعاً وإرهاقاً في حين أن طبقة سياسية لم تنقل حجراً ولم تشيد مشروعاً حقيقياً تزداد كروشها تضخماً وأعمارها امتداداً محصنة بالمنطقة الخضراء والامتيازات والحمايات وكأن قانون “البقاء للأصلح” قد استبدل في العراق بقانون آخر عنوانه.. “البقاء للأسوأ”.
ويؤكد مربو الحمير أن هذا الحيوان يتمتع بوفاء نادر وصبر استثنائي بل إن بعض أنواع البغال وهي نتاج تهجين الحمير قد تهلك نفسها إذا تعرضت لإهانة قاسية..وهنا تبلغ الكوميديا السوداء ذروتها ففي الوقت الذي يرفض فيه الحمار “الضيم”يتسابق كثير من قادة الأحزاب على موائد المحاصصة يبيعون السيادة ب��رة قلم ويشترون الولاءات بفتات المناصب والعقود.
لم نسمع يوماً عن حمار أصدر بياناً استنكارياً وهو يجر عربته في الوحل لكننا سمعنا آلاف الخطب الرنانة عن الوطنية والإصلاح تخرج من أفواه أصحاب البدلات الإيطالية والساعات السويسرية أمام وسائل الإعلام بينما لا تتجاوز أفعالهم نهش ما تبقى من جسد الدولة والمواطن.
وفي غزة حيث الموت يترصد الجميع استعاد الحمار هيبته التاريخية صار وسيلة لنقل الجرحى وصهريجاً للماء وعربة نجاة للعائلات النازحة في وقت وقفت فيه أنظمة بأكملها بأحزابها وجيوشها موقف المتفرج المكتفي بالشجب وإصدار البيانات الفارغة. وربما سيسجل التاريخ يوماً أن “حماراً” أنقذ طفلاً من تحت القصف بينما كان “زعيم حزب” منشغلاً بتعيين قريب له في منصب جديد أو التفاوض على عمولة عقد مشبوه..عندها فقط يحق لنا أن نسأل: من منهما يستحق حقاً صفة “الكائن العاقل” ؟
وفي اليوم العالمي للحمير ربما يجدر بنا أن نقدم اعتذاراً صريحاً لهذا الحيوان النبيل..
لقد ظلمناه حين استخدمناه شتيمة لتوصيف بعض ساسة الصدفة فالحمار يحمل الأثقال ليخدم الآخرين أما هؤلاء فيحملون المواطن أثقال فشلهم وفسادهم وعجزهم.. إن أزمة العراق لم تكن يوماً في "عقلية الحمير"بل في عقول تدعي الحكمة والوطنية وهي لا تملك من وفاء الحمار ولا خدمته للناس بتفان ولا من صبره ذرة واحدة بل لا تجيد سوى "النهيق" المستمر على شاشات الفضائيات..عذراً أيها الحمار.. أهنئك بيومك الذي تستحقه بجدارة لقد كنت دائماً أشرف من كثير من كراسيهم.
كلما تقدمت الحربّ في السنّ،
تبدو أهدافها أكثر وضوحاً.
هؤلاء لا يحاربون من أجل الشرعية،
ولا أولئك يدافعون عن العدالة،
هي تبدو أقرب من أيّ وقت مضى،
كصراع الأضداد من أجل منافعهم ومصالحهم،
وما لا يرضوه على أنفسهم، يرضوه لنا،
يا له من إِسْتِخْفاف وإِسْتِهَانة بكرامتنا كدول وكأمّة.
عميقة ومؤلمة في آن واحد..
فالحروب كلما طالت تسقط عنها الأقنعة وتنكشف الشعارات التي كانت ترفع باسم العدالة أو الشرعية أو حماية الشعوب ليظهر في النهاية وجه المصالح مجرداً من كل زينة.
الأشد قسوة ليس صوت المدافع بل هذا الاستسهال المريع في تحويل أوطان بأكملها إلى ساحات تصفية حسابات وكأن دماء الناس وتعب الشعوب مجرد أرقام في دفاتر السياسة..لقد لخصت ببلاغة كيف أصبح الإنسان يدفع دائماً ثمن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل بينما يتحدث الجميع باسمنا دون أن يسمعوا صوتنا ..
توقيع في حضرة الظل..قصة التوقيع الذي اختبأ في لحية كاسترو .
في غمرة صيف بغداد اللاهب من عام 1978 كان شقيقي الراحل الفنان التشكيلي ظاهر الصفار يخط بمداد روحه لوحة لم تكن تدري الأقدار أنها ستغدو يوماً نسيجاً يطوي المسافات ويتحول إلى سجادة جدارية نادرة لم تكن مجرد صوف وحرير بل كانت رسالة بصرية محملة بعبق التاريخ حملها الوفد العراقي برئاسة صدام حسين إلى هافانا إبان مؤتمر عدم الانحياز عام 1979 لتستقر كهدية رمزية في يد الزعيم الكوبي "فيدل كاسترو".
نسجت تلك السجادة في معاقل الحرفة اليدوية ببغداد "معمل السجاد اليدوي" حيث امتزجت الأنامل الشابة بالخيوط لتصوغ شاهداً على حقبة سياسية وثقافية مضت بايجابياتها وسلبياتها وهي اليوم تتبوأ مكان الصدارة في متحف كاسترو بهافانا تنظر إلى الزا��رين بصمت مهيب وتحكي قصة بلاد ما بين النهرين.
بيد أن الجوهر المكنون في هذه الحكاية لا يكمن في دبلوماسية الهدايا بل في ذلك "التوقيع" الذي اجترح معجزة البقاء.
فعندما باركت الرئاسة النموذج المقترح هبطت على شقيقي مذكرة رسمية باردة تحمل في طياتها أمراً جازماً.. "يمنع إثبات اسم الفنان أو وضع توقيعه على العمل". كان الطلب بمثابة نفي للذات واغتيال معنوي لهوية المبدع التي لا تكتمل إلا بختم صانعها. ضاق شقيقي ذرعاً بهذا القيد فالفن لديه لم يكن يوماً وظيفة تؤدى بل كان نفحة من كينونته لا تقبل المحو..وبكبرياء المبدع وعناده الجميل أعلن رفضه القاطع وعزم على الاعتذار عن إتمام المهمة مهما كلفه الثمن.
وفي ليلة بغدادية سكنها القيظ جلسنا نقتسم القلق ونتدارس فحوى المذكرة.. كان ينبش في لغته عن صيغة اعتذار تبرر موقفه غير أنني بصدق الأخوة الصريحة رأيت في مبرراته وهناً قد يفضي به إلى المساءلة التي لا طائل منها..وبعد طول سجال واحتدام رؤى لمعت في ذهني فكرة خلتها للوهلة الأولى ضرباً من الفكاهة لكنها كانت طوق النجاة..قلت له: "يا أخي لم لا تزرع اسمك في جسد اللوحة زرعاً خفياً ؟ ليكن توقيعاً مستتراً ببراعة الفنان لا تهتدي إليه عين الرقيب لكنه يظل نابضاً هناك لك أنت ولمن يمتلك بصيرة التأمل".
ساد صمت قصير ثم انفرجت أساريره عن تلك الابتسامةِ التي لا تلوح إلا حين يمس بريق الإلهامِ شغاف قلب الفنان.. غاب عني برهة ثم عاد والزهو يسبقه واضعاً التصميم بين يدي متسائلاً بلهجة الواثق إن كنت أرى اسماً أو أثراً.. حدقت طويلاً فتهت في التفاصيل ولم أقبض على أثر..ضحك بخبث طفولي ساحر ثم قلب العمل وكشف لي السر العظيم..لقد كان اسمه ولقبه منسوجين بمهارة فائقة في ثنايا "لحية كاسترو" !! هناك بين تلافيف الظل والضوء وفي منعرجات الشعر المنسوج اختبأ التوقيع في العلن ليعلن سيادة الفنان على أثره في الخفاء.. وكأن الخيوط التي نسجت لحية كاسترو كانت هي ذاتها الشرايين التي تهجت اسم مصممها في صمت الحرير
في تلك الليلة تعانقنا وضحكنا طويلاً ورحنا نترنم مع صوت نرجس شوقي وهي تشدو.. "من يدري بالباطن شكو.. كلها عليها بالظاهر"..سهرنا حتى ت��كلت العتمة ومع انبلاج الفجر الأول كان قد عقد العزم على إتمام منجزه .
اليوم حين سكنت العواصف وانطوت صفحات تلك الأيام أعود بذاكرتي إلى تلك الليلة فأدرك أن ما اجترحه شقيقي لم يكن مجرد مراوغة فنية لشرط إداري بل كان "فعلاً وجودياً" يصدح بأن المبدع عصي على المحو وأن الريشة لا تنحني لقرار ..
هناك في "لحية كاسترو" المنسوجة بخيوط الصبر العراقي حيث بدت تلك الخيوط كأنها الشرايين ذاتها التي تهجت اسم مصممها في صمت الحرير.
فلم يكن شقيقي يحمي توقيعه فحسب بل كان يواري فكرته عن الحرية تلك الحقيقة التي قد تضطر أحياناً للمراوغة كي تعبر لكنها تظل هي الحقيقة." إنها حكاية الفن حين يحاصر فيتحول إلى ذكاء كما في الشعر والأدب وحين يضيق عليه الخناق يبتكر لنفسه مساراً أبدياً بين غواية الظل وسطوة النور.
# الصورة الاولى :
سجادة هافانا..وجه الزعيم كاسترو الذي استضاف أسرار الفنان ظاهر الصفار الذي رحل وهو يحمل يقين أن سره ما زال دافئاً في حضرة الظل .
# الصورة الثانية:
السجادة لم تكن نتاج آلة صماء بل ولدت من أنامل شابة جاءت لتؤطر الحقبة الزمنية وتجسد روح الجماعة التي صنعت هذا الإنجاز.
سدنة الوهم.. عن "رداءة الإعلام " في مديح السلطة.
لم تكن التصريحات الإعلامية الأخيرة حول أعمار الأنبياء أو الشبيه التاريخي للمكلف برئاسة الوزراء "علي الزيدي" مجرد هفوات عابرة بل هي عرض لمرض عضال يضرب جسد الخطاب الإعلامي "التملق السياسي" الذي يسعى لصناعة قداسة وهمية تعوض غياب المنجز الواقعي.
إن محاولة عقد مقارنات ولو ضمنية بين شخوص السياسة والرموز الدينية الكبرى تعكس ضحالة فكرية تفتقر إلى الكياسة فالعراق بتاريخه الممتد ليس مجرد ساحة للجناس اللفظي أو الإسقاطات الوعظية إذ إن الرموز الكبرى تمثل قيماً كونية للعدالة واستحضار أسمائها كالإمام علي بن أبي طالب في سياق 'التملق والمنافسة على المناصب يعد تقليلاً من شأن تلك القيم وإفراغاً للمقدس من محتواه لخدمة واقع مأزوم.
أما الاتكاء على "أربعينية العمر" وعقد مقارنات مع الأنبياء كشرط للقيادة فهو قراءة سطحية تصطدم بحقائق التاريخ الحديث فنوري سعيد وعبد المحسن السعدون قادا الدولة في مقتبل الأربعين بكفاءة فرضتها الظروف والبرامج لا "البركات" المفترضة.
ولعل الأشد مرارة هو الخطاب الطبقي الذي يربط النزاهة ب "البطون الشبعانة" في إهانة صريحة لقيم الإنسان..فالنزاهة ليست امتيازاً طبقياً والفقر لم يكن يوماً عائقاً أمام الشرف والتاريخ يشهد أن "الشبع" لم يمنع الفساد كما أن "العوز" لم يلوث يد الشرفاء..
إن العراق اليوم في أمس الحاجة إلى "رجل دولة" يحاكم ببرنامجه الاقتصادي والأمني لا إلى "مسؤول" يسوق عبر بوابة التشابه مع العظماء..إن الاستغراق في صناعة الأوهام الرمزية يغيب الوعي الجمعي ويصرف النظر عن استحقاقات الإصلاح الحقيقية.
في النهاية التاريخ مصفاة لا تعترف بالاستعارات المضللة والمكانة السياسية تبنى بالأثر لا بالتمسح بالألقاب فما ينفع الناس يمكث في الأرض أما زبد "المديح المتملق" فيذهب جفاءً.