أصل معركة الوعي في الأنظمة العسكرية الشمولية ينبع من تعارض جذري بين طبيعة العقلية العسكرية التي تقوم على التراتبية، والأوامر، والطاعة الم��لقة، وبين طبيعة الوعي المدني الذي يتأسس على التساؤل، والنقد، وتعددية الأفكار..
في هذه المجتمعات، لا تكون معركة الوعي ترفا فكريا أو جدلا أكاديميا..
بل هي معركة وجودية تتمحور حول عدة نقاط أساسية، أهمها احتكار الحقيقة وسردية الإنقاذ..
فالأنظمة الشمولية تؤسس شرعيتها غالبا على فكرة المُخلّص أو الحامي الوحيد للدولة من الأخطار والانهيار..
الوعي هنا يُمثل تهديد مباشر لأنه يفكك هذه السردية، ويطرح أسئلة حول التكلفة الحقيقية للقرارات وجدوى السياسات، مما يسحب من النظام احتكاره لتعريف المصلحة الوطنية ويضعها تحت مجهر المساءلة المجتمعية..
لكي يستمر الحكم الاستثنائي أو تُبرَّر الإخفاقات المتعاقبة، يحتاج النظام الشمولي إلى حالة طوارئ دائمة نفسيا وعمليا..
يتم هندسة وتضخيم أعداء بشكل مستمر (سواء كانوا معارضين، أو دول أخرى، أو حتى مؤامرات كونية)..
الوعي يعمل كحائط صد ضد هذه الهندسة، حيث يُمكّن الفرد من التمييز بين التهديد الحقيقي الذي يمس كيان الدولة، والتهديد الوهمي الذي يهدف فقط لحماية بقاء السلطة..
تمتد المعركة لتشمل الثقافة، والفنون، والأدب..
النظام يسعى لتأميم العقل الجمعي لإنتاج مواطن مُتلقي لا يُبادر ولا يتخيل واقع مختلف..
لذلك تجد أن القلم المستقل، سواء في رواية أو قصيدة أو مقال، يُحارَب بضراوة لأنه يُبقي الخيال حيا ويطرح بدائل للواقع المفروض..
الوعي يُعيد للمواطن قدرته على التخيل خارج الصندوق الضيق الذي حددته السلطة..
السلطة الشمولية تسعى دائما لاحتكار كتابة التاريخ، بحيث تبدأ النهضة أو الدولة الحقيقية من لحظة وصولها للحكم، مع طمس أو تشويه أ�� حراك مجتمعي سابق أو رموز لم تخرج من عباءتها..
معركة الوعي هنا هي في جوهرها معركة أرشفة وتوثيق..
محاولة مستميتة لحفظ الذاكرة الوطنية الحقيقية من الممحاة الرسمية..
أصل المعركة يكمن أيضا في سعي النظام لعزل الأفراد عن بعضهم البعض، وزرع انعدام الثقة لضمان عدم تبلور أي عمل جماعي..
الوعي يخلق مساحات فكرية مشتركة، ويعيد ربط الأفراد بناء على فهم مشترك لواقعهم، مما يمهد لتكوين كتلة حرجة قادرة على التغيير أو على الأقل قادرة على الصمود..
المعركة في جوهرها هي صراع غير متكافئ بين قوة خشنة تمتلك أدوات الإكراه والإعلام الجماهيري..
وقوة ناعمة لا تملك سوى الفكرة والكلمة..
السلطة تسعى لتحويل المواطن إلى رقم يُدار بالأوامر..
بينما يسعى الوعي لإعادته إلى موقع الفاعل المستقل في مسار دولته..
بمناسبة خسارة منتخبات قطر، تونس والجزائر، هذه خسارة مباريات كرة وليست "فضائح" ولا "هزيمة مدوية"، كما أن الفوز بها ليس "انتصاراً تاريخياً" ولا "إنجازاً قومياً".
نزعل شوية صغيرين وخلاص.
الصين وأمريكا وروسيا لم يفوزوا أبداً بكأس العالم في حين الأرجنتين التي فازت بالكأس الأخيرة أفلست، ورئيسها المخبول مجرد ألعوبة بيد نتنياهو وترمب.
"الفضيحة" أن تكون بلداً مفلساً هامشياً يحكمك خائن أرعن مثل رئ��س الأرجنتين، أو أن تغرق بلدك في الديون، أو ألا توفر لمواطنيك الحياة الكريمة.