قريحة خلقت طربا
قرأت ديوان "أنثى تحرّر الوجع" لإبراهيم أحمد حلوش، فوجدتني أغرق في سمفونية من الحرف والنغم، لأنّ هذا الشاعر لا يكتب الكلمة، بل يشهقها ويزفرها أنغامًا. إنه يبني بموسيقى خفية، كأنّه يحمل في حلقه جنّيةَ إيقاع، فينساب الحرف مع الحرف، فلا ترى حرفًا لا ينساب مع آخر ، ولا تسمع في كلمةٍ تجافِيًا بين المهموس والجهير، كأنه يهمس في أذن القصيدة: "هيا... غنّي نفسك" كقوله :
لشعري ضفافٌ تستريح بقربها
حروفي إذا ما أرهقتها النوازلُ
فراشات نبضي تستظلُّ بغيمهِ
فتغزل صبحاً موسقتهُ الجداولُ
والعجب أنه يصنع هذا كله دون أن يخدش برِقة العبارة بريق المعنى، أو يثقل رقة الصورة برنة الإيقاع : "أي عفريتةٍ تلك التي أروتك شعراً" مطرقًا، شاعرًا بأنّ الجمال قد صُهر هنا في بوتقة الشعر، وأنّ النار التي تخرج منها هذه الكلمات هي نفسها التي تصنع الجمر والجواهر.
ولمّا جلست إليه، وسامرته، وسمعت جديده، ازددت يقينًا بأنّ العفريتة ما زالت تُرويه، وأنّ التطور الهائل في شعره لم يأت على بصمته التي تعرفها الأسماع قبل العيون. فهو يبقى الحلوشي الذي لا يشبهه أحدٌ من القائلين، يحمل قاموسه الخاص، ونبرته التي تقول: "هذا صوتي، فتعرفوني".
ولا يسعني هنا إلا أن أرفع صوتي بنصيحة إلى كل من يهمه أمر الشعر: كونوا على حذرٍ فإن له أذنًا تشبه سكين الجرّاح، لا تترك وزنًا إلا وتشرحه ، ولا تقف على بحرٍ إلا واستخرجت منه لآلئ الإيقاع الخفية، وكأنه يقدم درسًا " فراهيدياً " لا على طريق الخليل فحسب، بل على طريق أولئك الشعراء الأوائل الذين كانوا يولدون والكلمة نغمة في نفوسهم ، وذات الأذن الحلوشية المرعبة تنهش الكلمة نحواً وكأنها " أم عامر " تحطم مابقي من عظام.
" فإن لقيتموه فاذكروني "
( بونو ) يا ديما بونو ديما
قل لي.
أعدك أني لن استوعب.
لأن استيعابك يعني أن العالم يمكن أن يُحل كمعادلة،
وأنت أثبت أن الروح هي المتغير الوحيد الذي لا يُحل.
أنت بونو.
أي أنك صوت المجد حين يهمس في أذن التاريخ:
"دعني أحاول مرة أخرى، ربما هذه المرة سأستوعب