في كتابه "انهيار الحضارة، التفكير بعد الهولوكوست" الصادر سنة 1988م صاغ المؤرخ الألماني- اليهودي دان دينر مصطلح انهيار الحضارة Zivilisationsbruchكمفهوم تاريخي يشير إلى الأحداث التي تقوض، جذرياً، المعايير الحضارية وتهز اليقين بالإنسانية وبالقانون وبالأخلاق. اتخذ الهولوكوست مثالاً للانهيار الحضاري، وتوصّل إلى أنها حالة فريدة في التاريخ غير قابلة للتكرار. لا يرى دان دينر في المأساة الفلسطينية، بما في ذلك جريمة الإبادة البشرية في غزة، انهياراً في القيم الحضارية، ناهيك عن إمكانية مقارنتها بالهولوكوست. بالنسبة له فالصراع في الشرق الأوسط لا بد من فهمه في سياق قومي وجيوبوليتيكي. إن أيّ محاولة لإجراء مقارنة بين ما يجري للفلسطينيين على يد جهاز الدولة الإسرائيلية مع ما جرى لليهود في القرن العشرين هي "عمل غير أخلاقي" في تقدير دينر. في الواقع تستخدم كلمة "المذبحة" عند الحديث عن غزة للإشارة إلى ما حدث في السابع من أكتوبر 2023، حصرياً.
أخذ المفهوم الذي طوره دان دينر مكانه في الدراسات الثقافية وحتى الأدبية، وثمّة اتفاق ضمني على الصعيد الأكاديمي الغربي يفيد بأن القيم الإنسانية الحضارية لم تنهر سوى مرّة واحدة: في الجانب المتعلق بالمسألة اليهودية إبّان الحرب العالمية الثانية. الحرب تلك، بالتقويض الشامل الذي أحدثته، لا ترتقي إلى مستوى اعتبارها انهياراً للحضارة. كانت معركة مدمرة في سياق حضاري علّمت الغربيين درساً مهماً: لا تفعلوها ثانية Nie Wieder. وهي كلمة، أو درس، تقال عادة في سياق متصل بمشروع الدولة الإسرائيلية. من الممكن أن تقع مذبحة أخرى، بل حروب مدمّرة، شريطة أن لا تنال من اليهودية. تحليل الخطاب السياسي الألماني، على سبيل المثال، لا يمكنه أن يأخذ مسألة "الدرس التاريخي" بعيداً عن هذا الاستنتاج.
أن المقارنة بين ما يجري في غزّة راهناً والمأساة اليهودية شأن محفوف ب��لمخاطر. في كتابه "الأمل لا يخيب أبدًا: الحجّاج في طريقهم إلى عالم أفضل"، الصادر مطلع العام 2025 تجرأ بابا الفاتيكان الراحل، الزعيم الروحي لما يداني مليار وثلث المليار مسيحي كاثوليكي حول العالم، على القول إ�� ما يجري في غزة يتطلب تحقيقاً قانونياً موسعّاً، إذ ربما يكون قد بلغ درجة الإبادة البشرية. لم يجزم الباب فرانسيسكو بالقول إن غزة تقع تحت إبادة بشرية، غير إن إيراده لمسألة الإبادة البشرية في سياق حديثه عن فعل تقوم به إسرائيل هو تجاوز للخطوط الحمراء. كان ملاحظاً أن وعكته الأخيرة التي أقعدته لبعض الوقت في المستشفى لم تحظ بالاهتمام الذي يستحقه الشأن البابوي، بل يمكننا القول إنه تعرّض للتجاهل وهو على مشارف التسعين. وليس من قبيل المبالغة أو التسرّع ربط ذلك التجاهل "الإعلامي" الغربي بما ورد في كتابه حيال الشأن الفلسطيني. كما لو أن المسيحي الغربي – لنأخذ ألمانيا مثالاً- بات مستعداً لهدم داره فقط ليؤكد لنفسه ولسائر العالم أنه فهم الدرس التاريخي.
إدانة الفعل العسكري الإسرائيلي على طريقة البابا، أي ربطه بالإبادة البشرية، قد يشكل خطراً على وجود دولة إسرائيل، كما يرى عالم اللاهوت النمساوي غريغور ماريا هوف. تضع المؤسسات الديموقراطية الغربية إسرائيل في فقاعة لاهوتية حمراء، هي مكّة ذلك العالم الممتد من كندا حتى موسكو، ولا ينبغي المساس بها. وحتى في أوج الصراع الشيوعي- الرأسمالي الغربي بقيت موسكو وواشنطن راعيتين مخلصتين للمشروع الإسرائيلي، بل سبق الاتحاد السوفيتي خصمه الأميركي بالاعتراف بدولة إسرائيل. في "المفاوضات السرّية بين العرب وإسرائيل" يروي هيكل تجربته الفريدة مع الآباء المؤسسين لحركة فتح. إذ اقترح هيكل على عبد الناصر اصطحاب عرفات في زيارته إلى موسكو، أغسطس 1968، لتقديم المنظمة بحسبانها حركة تحرر وطني للشعب الفلسطيني تستحق التأييد إلى القيادة السوفيتية. كان للسوفيت جهاز خاص تحت إشراف "الرفيق مازاروف" مسؤول عن دعم حركات التحرر الوطني في العالم. بحيلة مثيرة، غير رسمية، تمكن عبد الناصر من تقديم عرفات إلى الرئيس بريغنيف، والأخير أحاله إلى الرفيق مازاروف دون حتى أن يوجه إليه كلمة واحدة مباشرة، بل تجاهل النظر إلى وجهه. لأكثر من ساعتين، كما يروي هيكل، راح مازاروف يحقق مع القائد الفلسطيني عن موقف جماعته من مستقبل إسرائيل ومن القرارات الدولية التي تعطيها الحق في الجزء الأكبر من فلسطين. بعد أسابيع حصل القادة الفلسطينيون على شحنة صغيرة من الأسلحة تضمر من المعنى السياسي أكثر مما تحمله من الأهمية العسكرية. وما كان ذلك ليحدث لو لم تكن بعض التشكيلات الفلسطينية القومية قد تحوّلت إلى الماركسية، كما يذهب هيكل.
يبقى وجود إسرائيل في الحسابات كلها خارج الحسابات. ومن المثير ملاحظة أن جزءاً كبيراً من اليهود الروس قد انتقلوا إلى فلسطين، منهم قرابة مليون فرداً بعد انهيار الاتح��د السوفيتي، وأن جزء كبيراً من يهود أوروبا الغربية قد انتقلوا إلى أميركا. وصارت الأمور إلى أن شكل يهود أميركا قوى مؤثرة، سياسياً ومالياً، هدفها دفع الولايات المتحدة إلى تقديم دعم غير محدود لدولة إسرائيل التي يشكل "اليهود السوفييت" غالبية سكانها البيض. في مكان ما، النسخة الغربية من مكّة، جسّرت اليهودية الهوّة السحيقة بين العالمين المتصارعين.
أشعلت قضية غزة حرباً ثقافية في الداخل الغربي على مستويات معرفية وثقافية وأكاديمية مختلفة. فبينما تعاملت الديموقراطية الأوروبية مع "الخطوط الحمراء" بهدوء، كأن يخسر الإعلاميون والأكاديميون الذين ينتقدون العدوان على غزة وظائفهم دون ضجيج، فإن الترامبية الأميركية تسلك في هذا الشأن طريق الضجيج. فقد حدد نظام ترامب كوداً لغوياً في المراسلات الفيدرالية يستبعد كلمة فلسطين، كما طالب بوضع قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة كولومبيا تحت إشراف قوات الأمن. علاوة على ذلك فإن تجريم أي نشاط طلابي يدين أفعال الجيش الإسرائيلي يمثّل، بصلافته ولا-قانونيته، تجريفاً خطراً لأهم المبادئ الأخلاقية التي تستند إليها الديموقراطية: حرية التفكير وحرية التعبير. صارت قضية محمود خليل، الذي قاد نشاطاً طلابياً مسانداً لغزة وصدر بحقه أمر ترحيل، إلى ما يشبه حكاية الضابط اليهودي- الفرنسي دريفيس، الذي اتهم بالتجسس لصالح الجيش الألماني في العقد الأخير من القرن التاسع عشر.
تستطيع الأكاديميا أن تختار مواضيعها لتتحدث عنها، وبمقدور الثقافة الشيء نفسه. غير أن تلك الاستطاعة، في السياق الديموقراطي، محكومة بما كان تشوميسكي يسميه "إطار الحديث" أو "مصنع الإجماع". أي حرية الحركة والقول داخل إطار محدد سلفاً. والتحديد هنا يكون أخلاقياً وفلسفياً وحتى لغوياً. الإطار المتعلق بالشأن الإسرائيلي لا يسمح باستخدام أكواد لغوية معينة مثل الهولوكوست والإبادة البشرية، ولا حتى استعارة مصطلح النكبة. داخل المنظومة الليبرالية تبدو حرية التعبير، بما في ذلك التعبير العلمي الأكاديمي، محدودة وضيقة بطريقة لا تختلف كثيراً عن نظيرتها في العالم "غير الليبرالي". ففي العام 1900م قررت جامعة ستانفورد طرد عالم الاجتماع الشهير إدوارد روس بسبب كتاباته الناقدة لأفعال وهيمنة شركة سكّة حديد أميركا، وكانت السكة تنفق أموالاً كثيرة على الجامعة التي يُدرّسُ فيها السيد روس. اختارت الجامعة الهبة المالية على حريّة التعبير. بعد أكثر من قرن من الزمن اختارت جامعة كولومبيا، ولفيف واسع من الجامعات المرموقة، الهبات الم��لية على حساب حريّة التعبير. فالجامعات، داخل السوق الليبرالية الكبرى، حرّة في عطائها الأكاديمي والمعرفي ما لم تقترب من الأسوار التي حددها المانحون "الخيّرون". فقد وجدت جامعة كولومبيا نفسها أمام حقيقة تقول إنها، إن لم تكبح جماح الطلبة والأساتذة، ستخسر من فورها ما يقارب نصف مليار دولار هي في مسيس الحاجة إليها.
في ديسمبر من العام 2024، نشرت مؤسسة الحقوق الفردية وحرية التعبير FIRE نتائج استطلاعها الواسع تحت عنوان "الصمت في الفصول الدراسية". شمل الاستطلاع 55 مؤسسة أكاديمية أميركية وما يداني سبعة آلاف أكاديمي أميركي. يعد ذلك الاستطلاع الأكبر، والأهم، من نوعه حول حرية التعبير في الفضاء الأكاديمي. من النتائج المثيرة التي كشفتها الدراسة أن 35% من الأكاديميين خففوا من كتاباتهم بسبب الخوف. هذه النسبة تساوي تقريبًا أربعة أضعاف النسبة التي ذكرها علماء الاجتماع عندما تم طرح عليهم السؤال نفسه في العام 1954، في الفترة المكارثية المعروفة بقمع كل أشكال حرية التعبير. وفيما يخص المسألة الفلسطينية قال 70% إنهم يمارسون رقابة ذاتية. في جامعة هارفارد، الشهيرة، قال 84% إن خوض نقاش حول الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني مسألة غاية في الصعوبة. وقال أحد أعضاء هيئة التدريس في جامعة كولومبيا لمؤسسة FIRE "لا يخاف المرء من العقاب بقدر ما يخاف من أن يتم حظره أو وضعه في قائمة سوداء. كل شيء يحدث من خلال النميمة والتواطؤ".
الليبرالية فكرة حول السوق، وهي فلسفة تذهب إلى تسليع كل شيء بما في ذلك حريّة التعبير والحقوق الفردية. وبما أن السوق الليبرالية صارت أكثر تعقيداً مما كانت عليه في خمسينيات القرن الماضي، فإن القيم الليبرالية التي تقع على هامش السوق، مثل حرية التعبير ومدونة الحقوق ال��ردية، صارت من التعقيد بمكان حتى إنه ليصعب تخيّل وجودها في أحيان كثيرة. رسم تشوميسكي حرية الصحافة على نحو كاريكاتوري عامر بالدلالة. فالصحيفة تعيش على الإعلانات، كمصدر دخل مركزي، وليس بمقدورها أن تدّعي غير ذلك. من أجل أن تحصل على حقوق الإعلانات عليها أن تقنع المُعلن أنها تتمتع بمقروئية عالية، أي لديها ما يكفي من الجماهير. في النهاية فهي تبيع القراء إلى المُـعلن، ثم تبيع بضاعة المُعلن إلى القراء. داخل هذه العملية التبادلية النفعية يصعب تخيل الصحيفة كوسيلة لنقل الحقيقة. إنها تسالعٌ بين طرفين بعيدين كل البعد عن قيم التعبير والحقيقة. ثمّة أمثولة ألمانية تقول "حين تقرأ الصحيفة فأنت لا تعلم ما يدور في العالم وإنما ما هو مكتوب في الصحيفة".
خلال أعوام الإبادة في غزة شوهد إعلاميون غربيون، على ضفتي الأطلسي، وهم يرتعدون لأن ضيفاً استخدم تعبيراً لغوياً من خارج الإطار، بلغ الأمر حد طرد الضيف أو إهانته. كانت غزة اختباراً صعباً لكل الادعاءات الأخلاقية في الشمال العالمي. مع عودة الحرب على غزة ذهبت حرية التعبير في الطريق الذي تفضله دائماً: التجاهل. يعتبر التجاهل، أو الإهمال، وسيلة ليبرالية أصيلة لتجنب الوقوع في إربكاك أخلاقي. فليس من حق حرية التعبير أن تتسبب في الإضرار بالمصالح. تمثل الحرب على غزة مصلحة إسرائيلية، ومن أكثر من وجه فإن إسرائيل هي مشروع غربي، بالمعنيين الديني والسياسي.
عمدت المؤسسات الديموقراطية الغربية إلى قلب الحكاية رأساً على عقب، وبذلك أنجز�� هدفها الرئيسي: الصمت المطبق تجاه جريمة بمستوى تاريخي، كما لاحظ أوين جونس على الغارديان.
سأنهي هذه المقالة بتساؤل جونس:
"ماذا لو تحدث كل من يعلم أن شرًا مروعًا يُرتكب؟ سيستقيل الوزراء من الحكومات. ستتصدّرم إسرائيل عناوين الصحف والنشرات الإخبارية، وستُوصف بشكل صحيح على أنها جرائم شنيعة تستوجب تحركًا عاجلًا لإيقافها. ستصبح المطالب بفرض حظر على الأسلحة وعقوبات على إسرائيل أمرًا لا يمكن تجاهله. وبدلًا من أن يتعرض مناهضو الإبادة الجماعية للملاحقة والتشهير، سيكون المتواطئون فيها هم من يُقصَون من الحياة العامة".
مروان الغفوري
في الشرق الأوسط الغامض والمعقد لا يستقرّ شيء على حاله، لا السلام ولا السياسة ولا النبوءات. كما لو أن ديناميكا الاجتماع والسياسة فيه تدفع الأمور لتمضي في شكل دائرة لا على هيئة شلّال. ولعلّ أصدق لوحة كتبت عن انتصار الثورة السورية هي تلك الجملة القائلة "سقط الأبد". لا مكان للأبدية في الشرق الأوسط، حتى إن أشهر جملة يرددها الساسة الغربيون حول المنطقة هي "حق إسرائيل في الوجود". الطبيعة الهيولية للشرق الأوسط تجعل كل شيء غير مستقر، بما فيها المدينة العبرية المحمية بكل آلات الموت والنجاة. لا تزال إسرائيل مشروعَ دولة، ولا يزال الحديث عن حقها في الوجود موضوع الساعة، وحتى وهي مدرّعة بالقنابل النووية.
ما من شيء مستقرّ في الشرق الأوسط.
فكل محاولة لإعادة هندسته ليبدو جديداً ومقبولاً تصطدم بحقيقة أنه لا بد من إصلاح ماضيه أولاً. تقع مسألة الصراع العربي- الإسرائيلي في أعلى كشف الحساب، ثم تليها مسألة الوحدة العربية، ومن خلفهما شبكة من القضايا الاجتماعية والسياسية بالغة التعقيد، وكل ذلك من الماضي المفتوح. المشاريع الإيديولوجية التي ظهرت في الشرق الأوسط خلال القرن الماضي كانت كلها، من أقصى اليمين إلى اليسار، عابرة للحدود، وحدوية، ترفض مشروع الدولة القطرية التي جاءت على حساب "وحدة الأمة". ماضي الشرق الأوسط ثقيل ومركّب، وهي حقيقة تجعل من "الاستقرار" حدثاً غير مستقر.
يترابط الشرق الأوسط على نحو مثير، ويحدث أن يثير بردٌ في القاهرة حمّى في صنعاء. الأمة الواسعة ذات اللغة الواحدة والدين الواحد والتاريخ المشترك تعرضت لتقسيم انتحاري قبل قرن من الزمن. ترك ذلك التشظي جرحاً كبيراً في نرجسية المجتمع العربي المعتد بتاريخه الحضاري وبنظامه الأخلاقي. ما إن لاحت بوادر انهيار الإمبراطورية العثمانية حتى نهضت القوى الاستعمارية الكبرى آنذاك لتتدبر سؤالاً خطراً: كيف سيبدو شكل السلم والسياسة في العالم إن نجح العرب، ذوو اللغة الواحدة، في تشكيل دولة مركزية تمتد من لبنان على طول البحر المتوسط حتى المغرب المشرف على المحيط الأطلسي؟ المراهق المضطرب نفسياً مارك سايكس، وكان في الثلاثينات من عمره، وقف أمام القادة البريطانيين ورسم خطاً من كركوك إلى عكا، قائلاً إنها بلاداً شبه فارغ فلنقسمها على هذا النحو. لم يستقر شيء منذ ذلك الحين، فالحقيقة الشرق الأوسطية التي نشأت كنتيجة للحرب العالمية الأولى لا تزال حقيقة فارغة وغير مستقرة.
بعد الحادي عشر من سبتمبر، 2001، تبنى الأميركان الفكرة القائلة إن الديكتاتورية هي المولد الرئيس لظواهر العنف والإرهاب الطالعة من الشرق الأوسط. وكتب توماس فريدمان مقالة شهيرة جادل فيها قائلاً إنه ما من معتقل هندي واحد داخل غوانتانامو حيث 35 ألف معتقل، برغم أن الهند تحوي أكبر تجمع للمسلمين في العالم. في تقديره، وكانت تلك الفكرة قد صارت إلى تيار عام، فالديموقراطية الهندية أتاحت منصّات مفتوحة للتعبير السياسي والثقافي، فاستغنى الناس عن التنظيمات السرية والأنشطة العنيفة. فتح الربيع العربي، 2011، فرصة لشرق أوسط قابل للاستقرار وبقي العالم الغربي متوجّساً. لم يعلق أوباما على الحدث التونسي إلا قبل رحيل بن علي بيوم واحد. استقبلت إسرائيل الربيع العربي على نحو مختلف، إذ نقلت واشنطن بوست )فبراير 2102) عن مسؤول إسرائيلي قوله "بعض الناس في الغرب يقارن ما يحدث في مصر بما جرى في أوروبا سنة 1989. أما نحن نراه مشهداً شبيهاً بطهر��ن 1979".
ثمة دلائل كثيرة تشير إلى أن الرؤية الإسرائيلية للديموقراطية في الشرق الأوسط وجدت مكانها داخل الرؤية الغربية، وهي رؤية ستتجلى في مقالة مهمة لتوماس فريدمان )نيويورك تايمز، 27 نوفمبر، 2011( حول إسرائيل والربيع العربي، تذهب المقالة إلى اعتبار إسرائيل "أكبر الخاسرين" من تلك الصحوة العربية. إسرائيلياً اتخذت الاستخبارات العسكرية اسماً غامضاً للربيع العربي Taltala وهي كلمة عبرية تعني "الهزة"، وأشير إليه على مستويات أخرى مختلفة ب"الطاعون المصري"، في سياق توراتي غريب بعض الشيء. حين يتعلق الأمر بالشرق الأوسط فإن الخيال الإسرائيلي، السياسي والأمني، يصبح مخيالا�� غربيّاً.
هل الديموقراطية حلّا لمعضلة الشرق الأوسط أم هي الديكتاتورية؟ يقدم الكاتب الإسرائيلي لازار بيرمان، في مقال له على تايمز أوف إسرائيل )أبريل،2021) إجابة صادمة "تقوم استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي على التفاهمات الضمنية والاتفاقات المكتوبة مع المستبدين العرب وليس مع الجماهير التي لا تقبل بالوجود الإسرائيلي بشكل كامل". الاستبداد معضلة تخلق الإرهابيين المهددين للغرب، والديموقراطية تصدّر الإسلاميين والقوميين المعاديين لإسرائيل. أخذت الخفّة "الاستراتيجية" هذا الشكل المأساوي في مقاربة الشرق الأوسط، بل وردت التناقضات على لسان المفكر نفسه – فريدمان- في مناسبتين مختلفتين. في مقالة له على هآرتس، ديسمبر 2020، يقرر الكاتب الإسرائيلي آشيل فيفر "بعد عشر سنوات من الربيع العربي لم يعد أحد يرى في الديموقراطية علاجاً شافياً للشرق الأوسط". أين نذهب بهذا الشرق الأوسط، وكيف نعالجه؟
في عمله المهم "مائة وهمٍ حول الشرق الأوسط، صدر سنة 2005" عالج الكاتب الإيرلندي فريد هاليدي أشهر الخرافات، المفاهيم الناجزة، المتعلقة بالشرق الأوسط، سواء تلك الاستيهامات التي تعيش في خيال المنطقة، أو ما يتخيله الآخر الغربي عن حقيقة الشرق الأوسط وطبيعة سكّانه. مائة عقيدة حول الشرق الأوسط لا تفيد شيئاً، لا في فهم ماضيه ولا من أجل التنبؤ بمستقبله. تشكل الخرافات، أو المفاهيم، التي ناقشها فريدي النواة الأساسية للخيال الغربي حول الشرق الأوسط. وإن كان الكولونيالي القديم يعتقد أن خير مقاربة للشرق الأوسط هي تلك القائلة "اطعم العرب وجوّع الفرس" فإن الرؤى الغربية الحديثة، بما فيها "برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية، 2002" لاتزال مقيمة في الحقل الاستيهامي نفسه، حيث القيم التقليدية – أي الثقافة- هي المعضلة، كما يلمح التقرير الأممي المشار إليه. تجاهل التقرير الأممي السياق التاريخي والدولي الذي تشكلت في ظله مجتمعات الشرق الأوسط خلال قرنين من الزمن، كما يجادل هاليدي. التبعية للغرب، خلق الدولة السلطوية، والاقتصادات الريعية، كل ذلك قولب مجتمعات الشرق الأوسط داخل كيانات تابعة وغير مستقرة.
من قبيل السخرية يرى هاليدي إن الدولة الوحيدة بين كل دول الشرق الأوسط التي اتخذت لها اسماً دينياً نابعاً هي إسرائيل، وهي التي يشار إليها بحسبانها الكيان الديموقراطي الحداثي الأوحد. رفضت إسرائيل، الحداثية، تصنيف نفسها كجمهورية أو ملكية، محتفظة بحالتها المائعة في شكل "مدينة عبرية"، الميوعة التي يتطلبها ظهور "المسيح اليهودي" في آخر الزمان، بحسب هاليدي. يبدو كل شيء في الشرق الأوسط مائعاً، هيولى، مركباً غير مستقر.
لنلق نظرة على صورة الشرق الأوسط قبل أسبوع واحد من السابع من أكتوبر 2023. جلس جيك سوليفان- مستشار بايدن لشؤون الأمن القومي- على خشبة مسرح في واشنطن يقابله غولدبيرغ، رئيس تحرير مجلة ذا أتلانتيك، وتحدثا عن الشرق الأوسط. قال سوليفان إن "منطقة الشرق الأوسط باتت اليوم أكثر هدوءاً مما كانت عليه منذ عقدين من الزمن". ولكي يبدو واقعياً قال سوليفان إنه "لا تزال هناك تحديات، كمثل التوترات بين الإسرائيليين والفلسطينيين". لكن، يستدرك سوليفان "مقدار الوقت الذي يتعين علي أن أقضيه في الأزمات والصراعات في الشرق الأوسط اليوم، مقارنة بأيّ من أسلافي، قد انخفض بشكل كبير". التوترات البسيطة، كما تخيلها العقل الاستراتيجي الأميركي، زعزعت الكوكب بأسره فجأة. ضربت فراشة بجناحيها في اللامكان، في بقعة هي أبعد ما تكون عن التأثير ��ول ما يجري في العالم.
يفترض المفهوم الفيزيائي "أثر الفراشة" أن حركة طفيفة للغاية بمقدورها أن تحدث تغييراً هائلاً في النتائج. وإن كان ذلك ممكناً في سياق من الاستثناء الطبيعي في العالم، ففي الشرق الأوسط يبدو أثر الفراشة قانوناً مركزياً. ما إن تستريح القوى الكبيرة، المحلية والدولية، لترتيب ما جارٍ في المنطقة حتى ينهار البناء بالكامل بسبب حدث صغير في مكان غير متوقع. لم يكن الحادي عشر من سبتمبر، 2001، استثناء، ليس والتاريخ يخبرنا أن الانتفاضة الأولى حدثت بسبب حادث سير في العام 1987. تضرب فراشة صغيرة بجناحيها، أحياناً على شكل مزحة عابرة، فتصعد الأمواج وتضرب أبعد الأماكن.
مروان الغفوري
أن تقفز إلى الهجوم على شخصي في مسألة تتعلق بجودة الترجم هو موقف يجعلني أتساءل ما إذا كنت شخصاً ناضجاً بالمعنى النفسي. أنا هنا أقترح ترك الكلمة كما هي على العنوان كما فعل دريدا، لا تعريب الصوت. ما القيمة المعرفية، أو الفنية، لكتابة
Geschlecht
على هيئة غيشليخت، في كتاب موجه للقارئ العربي؟ كان دريدا يكتبها في النص على نحو ��ائل، لفرادتها، أو لاعتقاده بفرادتها. على أنها ليست أكثر فرادة من "الجنس" التي تعني عربيا: النوع، الهيئة، الغريزة، الأصل، الشعب، الجماع، والسلالة، كل ذلك معاً.
أن يكون الاعتراض فهلوة فهذا يعني أنك قد ابتلعت هرا��ة في طفولتك تجعلك ترى في قول لا جريمة.
لا أدري أهي فوضى ترجمة أم تفاهة.
لجاك دريدا كتاب اختار له عنواناً بالألمانية
Geschlecht
اختار المترجم أن ينقل العنوان بإيقاع بصري وصوتي (دعك من الأشياء الأخرى) ناشز بل وضال.
الحقيقة أني لم أفهم العنوان إلا بعد أن قلبت صفحات الكتاب، وأنا أتحدث الألمانية. كيف ستقع الكلمة على مسامع أولئك الذين لم يحدث لهم أن اتصلوا بتلك اللغة. لمن إذن اخترعت تلك الكلمة التي على الغلاف؟
Geschlecht
الألمانية يقابلها الجيندر بالإنجليزية، ولكنها في الواقع أوسع، كما هو الحال مع اللغة الألمانية بشكل عام. ولأن ألمانيا كانت في القرون الثلاثة ال��اضية معملاً حيوياً للفلسفة فإن التعبيرات التي دخلت المعمل فقدت بداهتها وبراءتها، صارت متعددة الطبقات. الجيندر، كتعبير، لم يعد مقابلا للجنوسة بمعناها البيولوجي ولا حتى الثقافي، وهي فكرة مركزية في عمل دريدا هذا. المترجم، وهو ينقل دريدا، خاف من الاتهام بالسطحية والسذاجة فقرر كتابة العنوان على الطريقة التي ترونها. وهو هنا لا يتحاشى الاتهام بالسذاجة بل يرفع نفسه لدرجة الساحر، يخترع أصواتاً لم تصلنا من قبل، كما لو أنها كلمات.
حال الترجمة العربية التي تتعاطى مع الأعمال الفلسفية هكذا، وهذه ليست مثاقفة. إنها، ببساطة، غيشليخت!
يشبه الحال ما فعله محمود أبو زيد في سيناريو فيلمه الشهير "الكيف"، حيث سيكرر المزجنجي (محمود عبد العزيز) على مسامع شقيقه الكيميائي (يحيى الفخراني) تعبيرات من نوع: الشخرمون طاخ في الطراللي،
أو:
اديني في الهايف وانا احبك يا نننس.
محبة
م غ
لا هذا ولا ذاك الصورة المرئية للكلمة تبقى على حالها حين نخرجها من حقل اللغة الألمانية إلى حقل جارتها الفرنسية، كون الحقلين ينتميان إلى فضاء أبجدية مشترك.
لا توجد كلمة ألمانية إيقاعها الصوتي "غيشليخت".
إن كان ولا بد فليكن: كيشليشت/ أو جيشليشت بالجيم العبرانية- اليمنية.
واضح أن دريدا استخدمها داخل الحقل الفرنسي الذي يصعب عليه حتى نطقها، ولكنه كتبها كما هي دون تغيير على صورتها الكتابية لأسباب أكاديمية لا فلسفية، ذلك أنها ألمانيا - على الأقل كما يدعي هايدغر- تعني الجنس والنوع والجيل والفئ�� وأشياء أخرى معا. وإذا كان الأمر كذلك، للدواع الأكاديمية، فلماذا لا يترك العنوان على الغلاف العربس كما هو. أفهم أن المعنى يعرب، ولكن تعريب "الصوت" غريب بعض الشيء!
ثمّة بيانات كثيرة تقول إن اليمين الراديكالي يعتمد، في الأساس، على إيديولوجيا خوف لا تعنى بالحقائق بل بالمشاعر والمزاج العام. تقدم الشعبوية الحقائق البديلة، أي الأوهام. ولأن الليبرالية السياسية توزع الوعود والليبرالية الاقتصادية توزع اللامساواة، فإن فضاء واسعاً ينشأ بين السياسة والاقتصاد. في داخل ذلك الفضاء تستثمر الشعبوية في إيديولوجيا ال��وف، وفي إنتاج الحقائق البديلة.
فقد كشفت دراسة أجريت على عينة من 1000 شاب ألماني تتراوح أعمارهم بين 16 و25 عامًا أن مستويات القلق كانت أعلى بين الأشخاص الذين يضعون أنفسهم في خانة اليمين المتطرف، بخلاف من قالوا إنهم ينتمون إلى الوسط الديموقراطي.
تنزلق أوروبا إلى حرب ثقافية داخلية، ومن نتائج تلك الحرب أن أحزاب الوسط أصبحت أكثر راديكالية أملاً في استجلاب رضا الناخبين، وتجنباً للخروج من الحلَبة.
على المستويات الدنيا داخل جمهور حزب البديل ثمة "تطرف يميني، تلاعب بالتاريخ، وانعدام ثقة في النظام الديمقراطي" كما لاحظت الصحفية جيسكا بيركا وهي تعدّ تقريراً ميدانياً لصالح بي بي سي عن شباب الحزب. إنكار المحرقة، مديح هتلر، وكراهية "أولئك الذين في الأعلى" هي المادة اليومية التي يتناولها شباب الحزب. وبحسب فحص أجرته صحيفة دي تسايت الألمانية فإن أكثر من 80% من أعضاء الحزب الراديكالي لا يملكون شهادة ثانوية عامة. ثمة شعور واسع بال��ستياء والخوف واللايقين، وبالنتيجة يندفع قطاع ممن فقدوا ثقتهم بالمؤسسة الديموقراطية وبكفاءة الدولة الليبرالية إلى الجماعة التي تنجح في استثمار استيائهم.
يدعي ساسة ألمانيا أن بلادهم تمثل آخر "مرج أخضر" للديموقراطية في العالم، وأن مؤسساتهم الديموقراطية محميّة بالعبرة التي تعلموها من التاريخ. وهو اعتقادٌ لم يعد يشاركهم فيه أحد، ولا حتى أنفسهم ..
م غ
قال مصدر سعودي لشبكة CNN إن #السعودية لن تطبع العلاقات مع إسرائيل إلا بعد وجود مسار لا رجعة فيه نحو إقامة دولة فلسطينية، وذلك بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن دول الشرق الأوسط ستكون مطالبة بالاعتراف بإسرائيل بمجرد التوصل إلى اتفاق مع إيران.
وأضاف المصدر أن السعودية "تتمسك بالموقف نفسه كما كان دائمًا… وهو وجود مسار لا رجعة فيه نحو إقامة دولة فلسطينية".
وكان ترامب قد قال، في وقت سابق يوم الاثنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إنه "يطلب إلزاميًا" من دول الشرق الأوسط ودول أخرى التوقيع على اتفاقات أبراهام بعد التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران، ملوّحًا في الوقت نفسه بعمل عسكري "أكبر وأقوى من أي وقت مضى" إذا فشل الطرفان في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع.
سي ان ان
اختار الله بن غفير، ومنحه تلك الأرض المقدسة. أخبره، في النص المكتوب، أنه وضع قبيلته فوق العالم، فوق القانون، وفوق الأخلاق. قال له على باب أريحا: لا تبقي عليها من شيء سوى الذهب والفضة.
هو وقبيلته سادة العالم وكبراؤه، كما قال فيسلوف التنوير هيغل. استح��وا عن جدارة ٢٣% من جوائز نوبل التي يتنافس عليها ٨ مليار بشر من ٥ آلاف لغة وثقافة. بن غفير هو ابن الله، حتى يسوع ليس من حقه إزاحته عن تلك المكانة، هذا ما قاله تعديل الفاتيكان ١٩٦٥. لا يمكن لأحد أن يزحزحه عن مكانه من الله، يفعل الله ما يشاء، ومشيئته هي مشيئة أبنائه المختارين.
بن غفير هو العبقري، المقدس، الإنساني. لا يكتمل بناؤك النفسي والأخلاقي ما لم يكن بن غفير هو سقف أخلاقك ومركز خيالك. وهو هناك، في الشرق الأدنى، يقف على أسوار "الحضارة" حاملاً الرمح والشعلة. ولولاه لاقتحم البرابرة الأسوار وحطموا حضارة العالم من برلين إلى نيويورك.
إنه "الحصن الغربي" في تلك البقاع، كما قال كونراد أدناور، مؤسس ألمانيا الحديثة. وهو الصوت الصارخ في البرية، صوت الله، كما تراه الديموقراطية الليبرالية العلمانية.
وإن غضبنا من بعض أفعاله فلا يلبث أن يسكن الغضب، فهو باب الله وباب رحمته. ولو أغلق كتابه المقدس لحجب عنا كل الأنوار. انظر فقط إلى هوليوود، سأعطيك جائزة إن وجدت فيلماً لا يخلو من اقتباس توراتي علني أو ضامر. كيف ��تدرك الأشياء إن لن يكن بن غفير مصدر وعيك، وكبريتك الأحمر؟
قيل قديما إن الله وضع الكون على ظهر حوت، وهو الحوت. اقرأ الخطاب الثقافي لكل السرديات الكبرى القادمة من الغرب، ابحث في شقوقها اللغوية وانزلاقتها (كما علمنا دريدا) ستجد نفسك أمام هذه الحقيقة: الله خلق الكون�� والكون على كتفي بن غفير. وربما على ظهره.
أليس هذا ما قاله ميرتس وماكرون وبايدن في العامين الماضيين: إنهم يشبهوننا ويدافعون عن قيمنا، وقيمنا هي أسمى ما اخترعه البشر. أي: قيم إلهية.
وما الإله في المعرفة الغربية إن لن يكن بن غفير؟ ما هو سواه؟
م. غ.
"تصدر القرآن والتلمود قائمة الكتب التي تعرضت للحرق؛ أما أول عملية كبرى لإحراق الكتب فتعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد في الصين، في عهد كين هوانغ، أحرقت الكتب كلها، ومعها أحرق الفلاسفة والشعراء!". | @malghafory
⭕️ لماذا أراد هوانغ أن تُحرق كل الكتب؟
https://t.co/JlTD9h4zVc
عندما هدد ترامب الدنمرك قائلاً إنه سيحتل غرينلاند
قام الدنمركيون، أفراداً وتنظيمات، بمقاطعة البضائع الأميركية.
وعندما قال إنه لا يعترف باستقلال كندا وهدد استقلالها
قام الكنديون بمقاطعة البضائع الأميركي��، من الكوكاكولا إلى الدوري الأميركي.
كذلك فعل الهنود مع البريطانيين ..
إلخ إلخ.
ليست نكتة أن تعلن الشعوب مقاطعة بضائع المستعمِر.
وليست نكتة أن تقاطع البيبسي وتشتري الآي فون. لأن صديقك سيشتري البيبسي ويقاطع الآي فون.
المقاطعة فعل احتجاجي معقد وعميق وفاعل، يرسل ألف رسالة في الوقت ذاته. هو "لا"، ببساطة. و"لا" تثير الضحك أحياناً، ولكنها قاسية في حقيقتها.
إذا كنت ترى ال "لا" مادة للضحك فيستحسن أنك تشيل طقم التقويم عشان أركز في ضحكتك.
م.غ.
مؤسستان دوليتان (نيرا، وتحالف الديموقراطيات) تعرضان نتائج الاستطلاع الذي نفذتاه، شمل حوالي ٤٧ ألف شخص من ٨٤ دولة حول العالم.
كما ترون فقد حازت إسرائيل المركز الأخير على مستوى العالم، بوصفها الدولة ذات السمعة الأكثر سوءاً.
قال دان باتريك، رئيس اللجنة الاستشارية للحريات الدينية (تابعة للبيت الأبيص):
"علينا أن نقول إنه لا يوجد فصل بين الدين والدولة. هذا كذب".
كما اقترح في اجتماعات للجنة:
- طباعة مليون ملصق سيارة بهذا المعنى
- عمل خط ساخن فيدرالي مزود بتسجيل صوتي آلي يقول "لا فصل بين الدين والدولة"
ولم يعترض أحد في اللجنة على مقترحاته.
أسوشييتد برس/ الجزيرة- نت
مؤخراً كتب العتيبة، سفير الإمارات في واشنطن، مقالة مثيرة ��لى فايننشال تايمز. تحدث عن الأجواء التي دفعت بلاده إلى مغادرة أوبك.
جاءت المقالة بلغة متعالية، متعجرفة، تثير الشفقة أكثر من الغضب. حتى كيبلينغ، شاعر الإمبراطورية ومخترع فكرة عبء الرجل الأبيض، ما كان ليكتب مثلها حقّاً.
- بلادي غادرت المنظمة - يقول العتيبة - لأنها باتت تعتمد في اقتصادها على الذكاء الاصطناعي وعلوم الحياة.
- منذ عقود ونحن نفكر بمغادرتها، فقد حضرت اجتماعاً لها وأنا أبلغ من العمر ١٣ عاماً ولم أكن سعيداً بمستوى النقاش ولا طبيعته.
- بلدي، على خلاف الآخرين، تفكر بتحقيق الأمن والسلام في العالم كله. انسحبنا لنبقى حاهزين ومستعدين لإنقاذ العالم من أي أزمة في الطاقة. وجودنا داخل أوبك يعرقل هذه المهمة.
- لقد تجاوزنا مرحلة الوقود الأحفوري وصرنا شريكاً اقتصاديا لأوروبا وأميركا وشرق آسيا على مستوى العينين.
- أوبك مؤسسة من الماضي ونحن دولة من المستقبل.
هذا تكثيف أمين لمقالة العتيبة، وهي نص سيستعاد بعد سنوات وسيدرس جيداً للعظة والعبرة.
م. غ
مقالتي الأجد على الجزيرة نت، رابط المقالة في التعلي��ات.
من أجواء النص:
دائما ما كان الخطاب السينمائي الديني المسيحي توراتيا، فهناك موسى وفرعون، وداود وجالوت. أفلام الملاحم، ببطولاتها التوراتية وخطابها الإيماني، شغلت الفضاء الأمريكي، وخلقت بيئة حيوية للتفكير القيامي الأخروي الذي يشكل عصب الذهن الإنجيلي الأمريكي.
بينما كان الصراع بين الكتلتين الغربية والشرقية، في زمن الحرب الباردة، يدور حول المصالح والنفوذ في العالم، كانت السينما الأمريكية تمثل واحدا من خطوط الدفاع المتقدمة في تلك المعركة.
في الفترة المكارثية (حملة مطاردة الشيوعية في أمريكا)، أوائل خمسينيات القرن الماضي، أنتجت السينما ما يزيد عن خمس��ن فيلما عن الشيوعيين الأشرار، ثلث تلك الأفلام على الأقل استند إلى خطاب إيماني، توراتي الطابع.
كان البطل داود، القروي النحيل والشجاع، يذهب بسلاحه الوحيد "الإيمان" إلى المعركة، ولا يغادر المكان إلا على جثة العملاق جالوت، كما نشاهد في فيلم يحمل اسم "داود وجالوت" من إنتاج العام 1960، وهو عمل غاية في الأهمية أنتج بعد الحقبة المكارثية بقليل.
عبَرت الكنيسة، من خلال شاشتها الإلهية "Godlywood"، إلى الفضاء السياسي، أو عبرت إليها السياسة. مبكرا في الحرب الباردة أخذت التوراة مركزا متقدما في المعركة، وقدم الإيمان بوصفه المعنى النهائي للحرية، بينما أخذ الاتحاد السوفياتي الصورة المناقضة ليس للإيمان وحسب، بل لحرية الفرد.
في العام 1956 شاهد الناس فيلم "الوصايا العشر"، وهالهم مستوى الإنتاج وتكاليفه. كان، بحق، أغلى عمل سينمائي حتى ذلك الحين.
قال الفيلم رسالته بوضوح، فهو يحكي عن صراع موسى وفرعون، موسى الأمير اليهودي الذي ترك البلاط وانحاز لشعبه المعذب، وفرعون العدو للإله والإنسان معا. في سياق درامي، مثل فيه مشهد شق البحر ذروة الإثارة، ينتصر الشعب المُضطهد على فرعون مصر.
علمياً كل هذا النقاش لا قيمة له، لأن مجتمع قرية لوط لم يكن مثلياً بتعريف المثلية كما نعرفها اليوم. بل كان عدوانيا انعزالياً انقلب على قوانين ذلك الزمان وفي مقدمتها الضيافة والكرم. فقد منع تقديم المأوى والماء للمسافرين ومن تقطعت بهم السبل وأراد أن يحتفظ بكل ذلك لنفسه. ومن أجل فرض قراراه وإرادته قرر معاقبة كل من يضل طريقه إلى مدينتهم من خلال اغتصابهم في مشهد جماعي إجرامي. التأمل في القصة كما يسردها القرآن والعهد القديم يوصل لهذا الاستنتاج.
ستخرج إيران من هذه الحرب محطمة، منهكة، ومدينة. وأول ما ستعول عليه من أجل تعافيها هو مخزونها من النفط. سعر جيد للبرميل ه�� مسألة حيوية لبلد يريد أموالاً عاجلة، تحديداً وعملته المحلية تكاد تفقد معناها. فضلاً عمّا تعرفه إيران من التاريخ: يبدأ عناء الحرب بعد انقضائها. سيتعين على نظامها أن يمتص آثار الزلزال، ويمنع مضاعفاته الأمنية والسياسية. كل الهزائم العسكرية، ربما بلا استثناء، زعزعت أنظمة الحكم، حتى تلك الأشد تماسكاً والموغلة في التاريخ. الورطة الاقتصادية ستربك نظام طهران، وقد تفتح عليه صنادق الجن كلها، ما إن يذوب الثلج ويبان المرج.
على ال��فة الأخرى للخليج تنظر الإمارات في أوراقها، وتوشك أن تتخذ قرارات خطرة. قد تطلق مدفعية ثقيلة على قلب إيران في حال قررت إغراق السوق العالمية بالنفط خارج حسابات وضوابط أوبك.
فيما لو بدأ البرميل طريقه في الهبوط فسنحصل على مشهد شبيه بما صار للعراق في العام ١٩٩٠!
كان العراق خارجاً لتوه من حرب طاحنة أنهكته، وشرب فيها نظامه من الدماء ما يكفي لجعله مسعورا لمائة عام. احتاج لكل دورلا يجنيه من النفط من أجل استقرار نظامه في المقام الأول. تحدث إلى جيرانه وطلب منهم معاونته في الحفاظ على سعر معقول للبرميل في الأسواق العالمية، حتى يتمكن من اجتياز أثر الحرب.
بلا مقدمات، ��لأسباب غامضة للغاية، قررت الإمارات آنذاك رفع إنتاجها من النفط من مليون و٧٠٠ ألف برميل في اليوم إلى ما فوق المليونين. ولأسباب غامضة لحقت بها الكويت.
آنذاك لاحظ العراق مؤشر النفط وهو يهوي، وفرص البلاد في التعافي تتلاشى. تحسس مدفعيته. في خطاب شهير لصدام حسين مطلع ذلك العام قال إن العدوان على البلدان لا يكون فقط بالمدفعية، فقد يأخذ شكلاً اقتصادياً هو أكثر تدميراً من النيران. وألمح إلى حق بلاده في الدفاع عن نفسها، إلى آخر التفاصيل التي تعرفونها.
العراق الذي كان قد ألف الحروب وخساراتها ذهب في ردة فعله بعيداً، مدعياً أنه ما من خيارات لديه لصون حقوق "الماجدين والماجدات" سوى الذهاب إلى قتال جديد ردعاً للعدوان!.
الحقيقة أن المقامرات التي تجري على ركام المعارك قد تكون آثارها كارثية على المدى الطويل، وحتى الآن لا تزال مقامرات تلك الأيام تهز المنطقة. فالناس تصبح بعد الحروب أكثر ذكاء.
وفيما يبدو ليس كل الناس.
فيما لو نفذت الإمارات خطتها ورفعت الإنتاج إلى ما فوق ال٥ ملايين برميل/ يومياً فقد تهز، عملياً، أسواق النفط. إيران، المصابة والجائعة، ستصاب أكثر وتجوع أكثر!
كيف ستتعامل إيران مع التحدي؟
في الواقع يبدو سؤال آخر أكثر أهمية: هل من الحكمة أن تكسب الإمارات في الوقت ذاته عدوين عملاقين ( السعودية وإيران) يح��طان بها كالسوار بالمعصم؟ وهل كان درس ١٩٩٠ تافهاً جداً لدرجة أنّ ما من أحد يتذكر تفاصيله؟
أما الحقيقة التي ينبس بها كل شفتين عليمين في الغرب فهي أن إسرائيل فريدة ولا نسخة ثانية منها في العالم. هي واحدة لا تستنسخ، أهميتها في كتابها المقدس، لا في موانئها ولا لوبياتها، ولا حتى في كونها حصناً غربياً في الشرق الأدنى.
أما أغرب ما في الأمر هو أن أحداً لم يتحدث قط عن كيف انزلقت المنطقة، ١٩٩٠، إلى الهاوية.
كما لو أن نيزكاً ضربها عن طريق الخطأ.
م. غ.