صدقت يا ابا طارق، فالحركة سنة كونية لا يخرج عنها شيء، فالأرض تدور ليتعاقب الليل والنهار، والشمس تسير لتتبدل الفصول، والدم يجري في العروق حاملاً الأكسجين، فإن توقف لحظة، توقفت الحياة، وداخل جسم الانسان مصانع لا تتوقف عن الحركة لتصنع الحياة.
حتى في عالم الذرة، الإلكترونات لا تسكن أبداً، فالجمود غائب حتى في أصغر مكونات الوجود وأيضاً في اعظمها وهو الكون.
ولذلك كان الماء الراكد آسناً يتعفن، والماء الجاري صافياً يحيي الأرض، والعقل الذي لا يتحرك بالقراءة والتفكير يصدأ كما يصدأ الحديد المهمل، والجسد الذي لا يعمل يوهن.
فالجمود ليس راحة كما يتوهم البعض، بل هو موت بطيء يتسلل في صمت، من توقف عن السعي توقف عن التطور، ومن توقف عن التطور بدأ رحلة الاندثار.
فليكن الإنسان كالنهر: يمضي ولا يلتفت، يعطي ولا ينتظر، يترك أثراً في كل أرض يمر بها، حتى إذا وصل إلى بحر النهاية كان قد أسدى للوجود خيراً ولم يكن عبئاً راكداً عليه.
أحسنت وبارك الله فيك، فقد أصبت كبد المعنى، ويقترن بقوله تعالى في سورة لقمان قوله في أواخر سورة الكهف:
﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.
والمراد بـ«كلمات الله» هنا: علمه وقدرته وحكمته الجارية في خلقه، وهي خارجة عن حدود المقارنة والإحصاء.
فكلّما اتسعت مدارك الإنسان، ازدادت الأدلة على أن ما وصل إليه قطرة من بحر عظمة الخالق.
في الفلك: مليارات المجرّات، وفي كل مجرة مليارات النجوم، تجري بفلكٍ محسوب لا يختلّ طرفة عين: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
وفي الأرض: توازن دقيق في الغلاف والماء والهواء، لو اختل منه مقدار ذرة لفسدت الحياة كلها.
وفي الذرّة: حيث تتجلى القدرة في أصغر الخلق، ففي جسيم لا تدركه العين نظام من الحركة والطاقة يحيّر العقول.
وفي الإنسان أعظم الآيات وأقربها: قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، قلب ينبض دون أمرك، ودماغ فيه من التعقيد ما يفوق أعظم الحواسيب، وروح لا يعلم كنهها إلا خالقها.
وتحسبُ أنك جرمٌ صغيرٌ ... وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ
فسبحان من أعجز الكلمات أن تبلغ مداده، وأعجز الأفهام أن تحيط بشيءٍ من علمه.
اللهم ارزقنا التفكر في آياتك، والتسبيح بحمدك، واليقين بأن قدرتك فوق كل شي 🤲
وكمْ تغافلتُ عن أشياء أعرفُها
وكمْ تجاهلتُ قولاً كان يُؤذيني
وكمْ تغاضيتُ لا جُبناً ولا خَوَراً
هي المروءةُ من طبعي ومن ديني
جازيتُ بالطيبِ كلّ الناسِ مجتهداً
لعلَّ ربّي عن طيبي سيجزيني
———-
@up1379 شكراً أبا طارق على هذه الكلمات المحفّزة التي تمنحني دافعاً أكبر للإسراع في إتمام الكتاب، ويشرفني ويسعدني أن أضعه قريباً بين يدي قامة كبيرة مثلكم.
تحياتي وتقديري،،
ولي تعقيب حيث كنت اقرأ مؤخراً موضوع مشابه يؤيد فكرة هذه العبارة :
ما سمّيته يوماً "خصومة" لم يكن سوى اختلاف، لكن عقلك وقع في فخ "التغيّر المفاهيمي المُحدَث بالانتشار" الذي أثبتته دراسة هارفارد (ليفاري، Science، 2018): حين تقل الأخطار الحقيقية، يخفض الدماغ عتبة الإنذار ويوسع تعريف التهديد، فيصنف الاختلاف عداوة، ورأينا الوجه المعاكس في جائحة كورونا: حين حضر تهديد وجودي حقيقي، تلاشت الخلافات الجانبية وانكمش مفهوم "المشكلة" إلى حجمه الطبيعي، ولما اتسع وعيك، أعدت معايرة مقياسك دون انتظار جائحة، فانكشف أن الخصومة كانت زحفاً مفاهيمياً (Concept Creep) لم يتغير خصومك، بل تغيرت عتبة تصنيفك.
طرح جميل بارك الله فيك، ولكن لدي إضافة تكتمل بها الصورة:
تكررت ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ بعد آيات في نفس السورة مع مريم عليها السلام، فإذا كان حاجز زكريا عليه السلام الكِبَر والعُقم، فحاجز مريم أعظم: لا زوج أصلاً ولم يمسسها بشر! ومع ذلك: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾.
فما أُغلق في وجهك واستحال في نظرك، ممكنٌ هيّنٌ بقدرة الله؛ فالموانع عنده سواء.
فقط أحسن الظن بربك، ما استحال في الأسباب، فهو عنده أمر مقضيّ:
﴿كُن فَيَكُونُ﴾.
وارى اننا نتقاطع هنا في نفس المفهوم والاعتقاد : فقد تناولت كذلك في مبحث "من المساعد الرقمي إلى شريك التفكير" أثر الذكاء الاصطناعي في تطوير السؤال نفسه، وفي مبحث "الاعتراض المنظم" عندما تعيد الخوارزمية إنتاج السياق والافتراضات ذاتها بصورة تبدو موضوعية.
وأخيراً :
قد تملك الخوارزمية قدرة هائلة على إنتاج المعرفة، لكن السيادة الحقيقية تبقى لمن يملك حق صياغة السؤال، وتحديد الغاية، والحكم على الإجابة.
طرح مهم، وقد تناولت جانباً قريباً منه في كتابي الجديد (تحت المراجعة النهائية قبل الطباعة) :
"قيادة الموارد البشرية من الاستراتيجية إلى الذكاء الاصطناعي"
في الفصل الثاني: "القيادة المعززة بالذكاء الاصطناعي وصناعة القرار القيادي"، وبخاصة مبحث "الاعتراض المنظم: حماية القرار من الإجماع السريع".
فالقضية في تقديري ليست فقط: من يملك المعرفة؟ بل من يحدد السياق، ويصوغ السؤال، ويختار الافتراضات التي تُبنى عليها الإجابة؟
وقد أشرت في الكتاب إلى خطر ما أسميته:
"الإجماع الاصطناعي"
حين تبدو إجابة الذكاء الاصطناعي موضوعية، بينما تكون في حقيقتها انعكاساً للسياق والافتراضات التي زُوّد بها.
لذلك، كلما ازدادت قدرة الخوارزمية على صياغة الإجابة، ازدادت أهمية احتفاظ الإنسان بسيادته على السؤال والسياق والحكم النهائي.
جميل ما كتبت، والقسم هنا يدل على عظمة المقسم به، كما أن الآية فيها إعجاز علمي كبير، فقد أقسم الله عز وجل بمواقع النجوم وليس النجوم نفسها، كون أن ما نراه في صفحة السماء هو الماضي وليس الحاضر، فالنجوم قد اندثرت من ملايين السنين،
وهذا يعني أن «مواقع النجوم» التي نراها على القبة السماوية هي في حقيقتها بصريات تاريخية (Historical Optics) فالضوء يحمل معلومات الماضي، والسماء ليست خريطة للحاضر، بل أرشيف زمني مُضاء.
قد تكون هذه النجوم قد انتهت حياتها في انفجار مستعر أعظم (Supernova) منذ مئات أو آلاف السنين، لكننا لم نتلقَّ ضوء ذلك الحدث بعد.
نحن نرى «الموقع» لا «الوجود»، تماماً كما نرى وميض برق قد مات مصدره منذ لحظات.
فالآية إذن لا تُقسم بأجرامٍ قابلة للاندثار فحسب، بل بـالمواقع الفلكية التي تشكل شبكة إحداثيات كونية ثابتة نسبياً في الفضاء الزمكاني، بينما الأجسام نفسها قد تكون قد زالت.
فكأن الآية تقول: إنما أنا أُقسم بما وراء ما ترون، بحقائق الكون المؤسسة على الزمكان، لا بصوركم الظاهرية.
﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾.
في عالم "أثر الفراشة"، ترفرف اجنحة لا تراها، بعضها يُغلق أبواباً تظنها خسارة، وبعضها يفتح أبواباً تظنها نعمة.
أنت ترى رفة واحدة، وهو يرى العاصفة كلها، فإذا أغلق باب فاعلم أن وراءه جناحاً لم تُبصره، وخلف الجناح قصداً "لم تُحِط به علما".
ليس عليك أن تفهم، بل أن تثق ، والثقة هنا ليست جهلاً، بل تواضعاً لعلم أوسع من عقلك.