مفارقة التأصيل: المأزق الإبستمولوجي بين اليقين الديني والشك السيكولوجي.
يطرح هذا التساؤل كإشكالية مركبة تستدعي تفكيكًا جادًا للمفاهيم، وهو موجه بالدرجة الأولى للمختصين الممارسين في الحقل النفسي العيادي/الاكلينكي والأطباء النفسيين، وينقسم في جوهره إلى مستويين من المساءلة:
المستوى الأول: جدلية الحياد والتوظيف في الممارسة العيادية
في الفضاء العيادي، هل يلعب "الدين" دور جوهري كأداة علاجية؟ بمعنى، هل يعمد المعالج إلى استدماج البعد الديني ضمن صيرورة/طبيعة العلاج، أم أن الضرورة المنهجية تقتضي تحييد المعتقدات، والالتزام العلمي بالتطبيقات الفنية المجردة للنظريات النفسية؟ هذا التساؤل يفترض الدين "عامل مساعد" ضمن حزمة من العوامل التي قد تسهم في تحسين جودة حياة العميل ورفاهيته، وهو ما يقودنا إلى منعطف مهم.
المستوى الثاني: الهوة الإبستمولوجية بين "الاستخدام العيادي" و"التأصيل النظري"
يجب التمييز بين توظيف الدين كعامل داعم في الجلسة، وبين "التأصيل الديني لعلم النفس". التأصيل في جوهره هو دعوى لفرض رؤية حاكمة ومهيمنة على النظريات المفسرة للسلوك الإنساني، وهو مسعى لتجاوز النظرية العلمية وليس الوقوف بجانبها. وهنا تظهر الأزمة الإبستمولوجية في أعمق صورها.
مشرط كارل بوبر: صدام اليقين والشك المنهجي
إذا ما احتكمنا إلى فلسفة العلم، وتحديدًا معيار "القابلية للتفنيد/التكذيب/الدحض" (Falsifiability) عند كارل بوبر، سنجد أنفسنا أمام تناقض بنيوي يستحيل تجاوزه. فالدين، من حيث منطلقاته الأنطولوجية (الوجودية)، يرتكز على "يقين محض" وثوابت مطلقة لا تقبل النقض، محفوظة حتى قيام الساعة. في المقابل، يقوم علم النفس -كأي علم آخر- على "الشك المنهجي" والقابلية المستمرة للدحض.
النظرية النفسية في حالة مساءلة دائمة، وتصارع لتحسين شروط بقائها عبر اختبارات التفنيد. وعليه، فإن محاولة "تأصيل" علم النفس دينيًا تعني إما تجريد العلم من خاصيته البوبرية (القابلية للتفنيد) وتحويله إلى دوغما غير قابلة للاختبار، أو إخضاع المطلق الديني للنسبية والتجريب والتكرار، وكلاهما يفضي إلى تناقض صارخ ينتج لنا "مسخ إبستمولوجي" لا هو بالعلم الرصين ولا هو بالدين الخالص.
أزمة مشاريع التأصيل المعاصرة
تاريخيًا، لم تسجل البواكير الأولى لحركة التأصيل الإسلامي لعلم النفس أي نجاح يذكر، والشاهد على ذلك غيابها التام عن البنية الأكاديمية لأقسام علم النفس في الجامعات العربية. وفي المشهد المعاصر، تظهر بعض المشاريع (كمشروع د. خالد الجابر)، ولكنها -حتى اللحظة- لا تتجاوز كونها تنظيرات تُطرح عبر منصات الاستهلاك الجماهيري (يوتيوب، بودكاست)، مع غياب تام لأي ورقة علمية محكمة أو أطروحة نظرية رصينة قادرة على الصمود أمام النقد المنهجي.
تساؤلات منهجية:
أمام هذا الخلل في البناء المنهجي، تظهر مجموعة من التساؤلات الإلحاحية/الضرورية التي تُضعف هذا التوجه:
الحاجة للتأصيل: هل نحن حقًا بحاجة إلى تأصيل النظريات وفق رؤية دينية؟ وما هي الضمانة ألا تختل بنية النظرية منهجيًا لتنتج لنا مقاربات مشوهة؟
غنى الدين عن النظرية: هل يحتاج الدين، الممتد في تفاصيل حياتنا، إلى نظرية نفسية لتبرير فاعليته؟
انتقائية التأصيل: ولعل التساؤل الأكثر سخرية ووجاهة: لماذا يُطالب علم النفس وحده بحركة التأصيل؟ بناءًا على هذا المنطق التوسعي، لماذا لا نؤسس لفيزياء إسلامية، أو كيمياء إسلامية، أو جغرافيا مذهبية؟ أليس العلم بجوانبه الإبستمولوجية والعملية يخضع لمناهج لا تخضع للأهواء الثقافية؟
كيف ترى إمكانية أن يناقش المختصون في الحقل النفسي العيادي هذه الإشكالية دون الوقوع في فخ الاستقطاب بين الرفض المطلق لأي بعد روحي/ديني في العلاج، وبين الانزلاق في التشويه الإبستمولوجي للعلم؟
في جولة سريعة داخل بثوث التيك توك، وجدت وعاظ جدد يرتدون معاطف حداثية. يتصدر أحدهم الشاشة بعلامة "استشارات نفسية وأسرية وتربوية وأخر معالج نفسي اعرض مشكلتك وأخر علاج نفسي مجاني"، ويستمع لمآسي البشر المتراكمة. لا توجد مشكلة عصية على الحل في هذه البقالة. يمتلك هذا المختص/غير المختص عصا موسى لشق بحار العقد المتجذرة بضغطة زر ولايك. يدخل أحدهم بمأساة عمرها 20 عامًا، ليختزلها هذا الكاهن الإلكتروني في دقيقتين فقط، ثم يصرف له وصفة معلبة. ادعاء القدرة على تفكيك ألم مزمن عبر بث مباشر هو تندر صريح بكل المواثيق المهنية/الاخلاقية. العلم براء من هذه الممارسات المخجلة. يمارس هؤلاء دورًا أبويا فجًا، يوزعون أوامر الإعدام على العلاقات (افعل كذا، اقطع علاقتك فورًا، ابني حدودك وعش في قلعتك وحيد). الضحية في هذه المعادلة الرديئة هو الشخص المأزوم الذي يتوهم أن شفاءه يكمن في البث. التوجيه المباشر في قضايا معقدة مضر، ويكدس لعنات الإرشاد/العلاج النفسي فوق رأس السائل. الذهن البشري أعمق من أن يُعالج في طابور وجبات سريعة في تيك توك. الشفاء يتطلب مواجدة/ إنصاتًا حقيقيًا، ومساحة آمنة لا يشاركك فيها آلاف المتفرجين/المتابعين الفضوليين. تسليع الألم وتحويله إلى مادة ترفيهية خام لجلب الهدايا والتكبيسات والمشاهدات ينهش ما تبقى من ضميرنا أن كان موجود اصلاً.
في قراءة مُتفحصة للجزء الثالث من سلسلة "الأخصائي النفسي العيادي: الطريق للممارسة"، والذي يحمل عنوان "الإشراف العيادي" للدكتور ماجد بن مطر الهذلي (@malhothali)، نجد أنفسنا أمام التفاتة ذكية وجوهريه تعيد للممارسة النفسية طبيعتها، وتنتزعها من فخ الاختزال النظري والقوالب الجاهزة. ما يظهر بوضوح، وتحديدًا في الفصل الثالث عشر (الإشراف العيادي في السياق العربي والسعودي)، هو ذلك الإدراك الأصيل بأن الإنسان -سواء كان معالج أو عميل- ليس آلة بيولوجية تتلقى التعليمات المباشرة أو موضوع خاضع لتشخيصات في أدلة إحصائية محددة سلفًا، هو "كينونة/وجود في العالم/حضور في الوجود" (Dasein)، متجذر في سياق تاريخي، وثقافي، واجتماعي وتفاعلاتي ونفسي لا يمكن بتره عنه. يضع د. الهذلي يده على الجرح المنهجي في الممارسات النفسية المعاصرة حين يوضح أن الإشراف العيادي "لا يُمارس في فراغ مهني أو سياق محايد، بل يتشكل دائمًا داخل منظومة أوسع من العوامل الثقافية والمؤسسية...". هذا الطرح يتوافق إلى حد ما مع النظرة الظاهراتية (الفينومينولوجية) التي ترفض عزل الإنسان عن عالمه المعاش. فالنظريات النفسية، مهما بلغت دقتها وصرامتها ومنهجها وفنياتها، تقف عاجزة ومبتورة إذا لم تتقاطع مع التجربة الذاتية والثقافية للفرد ذاته. محاولة تطبيق نماذج إشرافية أو علاجية صممت في سياقات مختلفة وإسقاطها مباشرة على السياق العربي والسعودي دون تفكيك وتمحيص وفهم، هي محاولة اغترابية تسلب الإنسان حقيقته في العالم الذي ينتمي إليه. أطروحة د.الهذلي تتجاوز النظرة السطحية لـ "الكفاءة الثقافية" بوصفها حصرًا مهارة إضافية يكتسبها الأخصائي، لترتقي بها إلى مصاف "الضرورة التي ينبغي على المعالج الإلمام بها". في الجلسة العلاجية أو الإشرافية، نحن لا نشهد لقاء بين "نظرية" و"مريض"، هو لقاء بين ذاتين بشريتين مثقلتين بالخلفيات الثقافية الخاصة بها، والمسلمات، والتاريخ، والقيم. عندما يشدد د.الهذلي على أن السياق "فاعل لا مجرد خلفية"، فإنه يعيد الاعتبار للتجربة الإنسانية نفسها بكل تعقيداتها وتجلياتها. الثقافة التي ينتمي إليها الفرد -بنسيجها الاجتماعي، ومفاهيمها حول المعاناة، وطبيعة العلاقات فيها- هي التي تمنح المعنى للأعراض وتوجه للتعافي. لقد وُفّق د.الهذلي في الإشارة إلى التحديات الخاصة التي يواجهها الإشراف العيادي في السياقات العربية، وربطها ببنية المؤسسات والثقافة السائدة وتداخل التخصصات. هذا الوعي يحرر الأخصائي النفسي من وهم "الحياد السريري"، ويدفعه للانخراط الحقيقي والمتبصر في بيئته. المعالج الذي لا يدرك أبعاد ثقافة عميله، ولا يتفحص تحيزاته الثقافية الخاصة، سيبقى يدور في حلقة مفرغة من التنظير الذي لا يلامس طبيعه الألم الإنساني. يُحسب كذلك للدكتور الهذلي في هذا السِفر القيم، شجاعته المعرفية في مساءلة النماذج الإشرافية وتأطيرها سياقيًا. هي دعوة صريحة ومُقدرة لإعادة أنسنة الممارسة النفسية، حيث تتراجع النظريات ولو جزئيًا لتصبح أدوات، ويتقدم الإنسان بسياقه، وثقافته، وحمولاته، ووجوده المعاش، ليحتل المركز الأساسي والأهم في مساحة العلاج والإشراف على حد سواء.
@AnwrKsa أشكر لكم هذه القراءة الناقدة والمتفحصة، والتي تناولت العمل بعمق يتجاوز ظاهر النص إلى الأسس الفكريةوالإنسانية التي بني عليها.
ممتن كثيراً لكم ولهذا الطرح الواعي والتناول الذي منح الفكرة أبعادها الحقيقية في سياق الممارسة النفسية والإشراف العيادي.
تخيل نفسك في مسبح، تحاول إغراق كرة تطفو أمامك.. تضغط عليها بكل قوتك لتختفي، لكنها تعود لتطفو من جديد. هكذا تبدو محاولاتنا المستمرة في كبت القلق أو المشاعر المزعجة.
#ACTtherapy#المرونة_النفسية
كتاب ممارسة العلاج الجمعي
المؤلف : وليم هـ. فريد مان
المترجم : ناصر بن إبراهيم المحارب
عدد الصفحات : 298 صفحة
السنة : 1418هـ
وصف الكتاب:
يتحدث هذا الكتاب عن العلاج الجمعي وهو أحد طرق العلاج النفسية حيث يرشد الكتاب إى الطريق السليم الذي يسلكه العميل بدءً بالإحالة ومقابلات الفرز إلى الجلسات العلاجية الجمع حتى الوصول إلى عملية الإنهاء.
يجد الممارس في هذا الكتاب تعليمات محددة حول ما يجب عمله عندما لا يوفق المعالج المحول في تحويل حالة ملائمة، أو عندما يتردد أو يرفض العميل الإفصاح عما لديه أو عندما لا يتوافر الإشراف المطلوب. وهو كتاب معد أساساً للمعالجين الجمعيين الإلكينيكيين الذين أنهوا دراساتهم النظرية وتدريباتهم على العلاج الفردي أو الإرشادي.
يتألف الكتاب من 12 فصلاً
ة
العلاج النفسي ليس مساحة للفضفضة أو استقبال حلول جاهزة من قبل المعالج، بل هو عملية منهجية تهدف إلى إعادة تنظيم الخبرة الداخلية، وفهم الأنماط المعرفية والانفعالية التي تحكم السلوك. كما انه ايضا مساحة لرفع مستوى الوعي بالذات وبالمحيط، بما يعزز القدرة على الفهم والتكيف.