الزمن ثابت… ووعينا هو المتحوّل.
حين استمعت إلى قصيدة الشاعر بديوي الوقداني المتوفى سنة 1296هـ لفتني أن الشكوى من الدنيا والحنين إلى ما مضى ليست وليدة عصرنا كما نتصور بل فكرة قديمة تتكرر منذ قرون.
نحن لا نكتشف شيئاً جديداً بل نعيد اكتشاف الإحساس نفسه كل جيل.
كثير من الناس حين يقترب من نهاية عمره يقول:
الناس تغيّرت؟ الدنيا لم تعد تُحتمل؟ راحو الطيبين؟
المثير أن هذا الكلام يتكرر تقريباً كل ستين أو سبعين سنة.
كل جيل يذم الجيل الذي بعده ويترحّم على زمن كان هو نفسه جزءاً منه يوماً ما، ولو تأملنا هذه الدائرة المتكررة بصدق سنصل إلى نتيجة منطقية وهي أن الزمن هو الزمن والناس هم الناس لكن الذي تغيّر هو وعي الإنسان.
الإنسان يبدأ حياته داخل إطار مثالي،،
أسرة، تعليم، قيم تُقدَّم له بصورتها النقية ( الصدق، الطيبة، الإحسان، التقوى).
فيظن أن الحياة كلها تُدار بهذا المنطق.
ثم يكبر ويحتك بالواقع فيكتشف أن ما تلقّاه لم يكن وصفاً للحياة كما هي بل تصوراً ذهنياً عنها.
فيحنّ إلى الماضي لا لأنه كان أفضل بالضرورة؟ بل لأنه كان أبسط في وعيه وأقل صداماً مع الحقيقة.
ولهذا فإن كثيراً من الحنين الذي نراه اليوم ليس حنيناً إلى زمن جميل بل حنين إلى نسخة ساذجة من وعينا القديم.