مهما علا منصبك وارتفع اسمك، وتعددت شهاداتك هناك فن واحد أهم من كل ما سبق، فن احترام مشاعر البشر، أن تحترم الناس حتى وإن اختلفوا معك، فذاك هو المحك الحقيقي الذي يعكس للكل عمق تربيتك، ونقاء أخلاقك، ومدى إنسانيتك، بغض النظر عن أي مكسب أو رتبة دنيوية.
المرء يفيض بما في داخله، فالمعطاء يمنح، والناجح يُلهم، والمتفائل يزرع الأمل، وعلى العكس من رديء النفس الذي لا يورث إلا الضيق، ولا ينفث إلا العتمة، فكل إناء بما فيه ينضح، ونحن لا نعطي الآخرين إلا نسخة من أعماقنا.
صدق من قال المُدرك لا يعود، المدرك ليس غاضبًا حتى تُرضيه، ولا مُتأثرًا حتى تعتذر له، هو لم يرحل بدافع الزعل، بل برحلة وعي .. رأى المشهد كاملاً، عرف قيمته، فطوى الصفحة بهدوء ومضى دون رجعة، الغاضب ينتظر التفاتة، أما المدرك فقد أغلق الباب بسلام ومشى.
المقولة تقول: اعتزل ما يؤذيك، ولم تقل تحمله، ولا اصبر عليه لأجل العشرة، ليس كل أحد يستحق فرصة جديدة، ولا كل شخص يستاهل أن تقيم حربًا لأجله، ليست من واجباتك أن تعيش تحت الضغط، وتبتلع الأذى، فقط ليقال عنك وفي وطيب، خلي في بالك دائماً ان الوفاء لنفسك يأتي قبل الوفاء لمن لا يصونك.
لم أشاهد أقبح من إنسانٍ يؤذيك ثم يقف أمامك بوجه المظلوم كأنك أنت من أذاه، يقلب الحقائق بجرأة، ويحملك ذنب جرحٍ صنعه بيديه، ثم يمضي وكأن ضميره في إجازة، فلا تستهلك روحك في تبريرٍ لن يُسمع، ولا تنتظر عدلًا ممن اعتاد تزييفه، بعضهم لا يكتفي بأذاك بل يريدك أن تعتذر له عنه.