لعبة العودة الى ما قبل ٢ اذار بلوها وشربوا ميتها وبلا افلام وفزلكات.
اطلعوا من تمرير الشروط الاميركية الاسرائيلية والتفاوض لن يكون على حساب دمنا واشلائنا.
هذا الشاب الذي تحدثت عنه إسرائيل بوصفه قائداً لقوة الرضوان لا ينتمي الى الجيل المؤسس ولا يحمل ذاكرة البدايات الأولى التي صنعت الأسطورة. عمره ثمانية وثلاثون عاماً فقط ما يعني أنه ولد عام ١٩٨٨ أي أنه لم يكن قد أبصر النور حين كانت النواة الأولى للحزب تتشكل وسط النار والفوضى والاجتياح. كان طفلاً يوم التحرير عام ٢٠٠٠ ومراهقاً في حرب تموز ٢٠٠٦ يتابع صعود الأسماء التي تحولت لاحقاً الى رموز عظيمة كالشهداء عماد مغنية ومصطفى بدر الدين وفؤاد شكر وإبراهيم عقيل وغيرهم من رجال المرحلة الثقيلة.
لكن التاريخ في لحظات التحول الكبرى لا يسأل عن العمر بقدر ما يسأل عن القدرة على الإمساك باللحظة.
الشهيد أحمد غالب بلوط المعروف بمالك ليس ابن الجيل الذي صنع الحزب بل ابن الجيل الذي ورث حرباً مفتوحة واستنزافاً واغتيالات متلاحقة طالت الصف الأول بأكمله تقريباً منذ ٢٠٢٣. ومع ذلك ففي أكثر المراحل تعقيداً صعد هذا الشاب الى رأس هرم قوة الرضوان خلفاً للقائد الميداني البارز الشهيد وسام الطويل الذي اغتالته إسرائيل في جنوب لبنان في يناير ٢٠٢٤. ومنذ تلك اللحظة لم تكن المهمة التي أُنيطت به مجرد إدارة تشكيل قتالي بل إعادة بناء نخبة كاملة تحت النار. كانت الرضوان قد تعرضت لضربات كبيرة استهدفت عقولها الميدانية وخبراتها التراكمية وكان المطلوب من قائد لم يعش زمن التأسيس أن يمنع الانهيار وأن يعيد ترميم الصفوف وأن يحافظ على تماسك البنية القتالية في أخطر مواجهة عرفها الحزب منذ تأسيسه.
وهنا تحديداً يظهر معنى صعود الجيل الجديد. لم يعد المشهد حكراً على الأسماء التاريخية التي صنعت المجد الأول بل باتت الحرب نفسها تنتج رجالها الجدد بسرعة وقسوة. جيل لم يتربى في زمن الانتصارات فقط بل في زمن الاغتيالات والطائرات المسيرة والحروب الاستخبارية المركبة. جيل لم يرث تنظيمات مستقرة بل ورث فراغاً هائلاً تركه ارتقاء القادة تباعاً واضطر أن ينضج في قلب العاصفة لا على هامشها.
وبحسب ما تعكسه الوقائع الميدانية الحالية في هذه الحرب نجح الشهيد مالك في المهمة. استطاع إعادة تنظيم الوحدات وضبط الإيقاع العملياتي وترميم السلسلة القيادية بحيث بدت الرضوان اليوم وكأنها تجاوزت الصدمة الأولى واستعادت جزءاً كبيراً من فعاليتها. إن أخطر ما تكتشفه إسرائيل اليوم ليس اسم الشهيد أحمد بلوط بحد ذاته بل حقيقة أن الفراغ لم يعد يعني الانهيار وأن كل قائد يرتقي يفتح الطريق أمام جيل أصغر وأكثر صلابة وأشد تكيفاً مع طبيعة الحرب الحديثة. هذه هي المعادلة الجديدة التي تتشكل في هدوء حيث صعود الشباب من الهامش الى مركز القرار الميداني وتحولهم من أبناء مرحلة الى صانعي مرحلة…
البندقية مع السيد الشهيد هي قناصة دراغونوف، أصلها روسي، كانت تصنعها الجمهورية الإسلامية بأعلى جودة، وترسلها كأنها عرائس في الحُلل، مشطوبة الرموز والأرقام التسلسلية، حتى تعمي على عرب الردة مصدرها، تهديها إلى المجاهدين في غزة، بها فلقوا هام العدو.
اللهم تقبله وتقبل جهاده.
كلهم إجتمعوا عليك يا علي وأنت بيّد واحدة. خسرت يمناك ذات جمعة من فوق المنبر حيث أعلنت دمك!
كلهم إجتمعوا على رجل بيد واحدة. يُسرى رفعها في وجه الإستكبار نحو فلسطين! يد واحدة ألهمت آلاف المصابيح على الحدود، يد واحدة كانت حدود.
قتلوك مع بعض صحبك، وبعض أهلك، كانت إبنتك هدى هناك وكانت حفيدتك تحمل نحرها عن يسراك تحت الركام. هل كنت عطشانا؟
كان يمكنك يا سيّد أن تقول نعم، ما مشكلتك مع ال نعم تلك؟ كلهم يقولوها، كلهم قالوها. لكن حاشاك.
حاشاك يا إبن فاطمة، حاشاك يا علي من نسل عليّ!
"أشرف الموت قتل الشّهادة"
ماذا لو استشهد القائد؟!
رجل على أعتاب التّسعين واجه بقوّة وثبات وشجاعة ويقين أعتى قوّة في العالم، دفاعًا عن سيادة وشرف وكرامة بلده وأهله وكلّ المستضعفين، في أشرف معركة في أشرف أيّام، ونال أجر المجاهدين الشّهداء الصّائمين!
إذا كان ترامب يعتبر اغتيال القائد انتصارًا لإمبراطوريّته فتلك مكرمة تضاف إلى مكارم السيد القائد.
إذا كان استشهد القائد، وإيران الدّولة والثّورة تقاتل بكلّ بأس وإرادة وشجاعة، فتلك دلالة على متانة النّظام ووفاء الشّعب الإيراني للثّورة، وهذا ما كان يؤكّد عليه السيد علي.
وإن كان القائد حيًّا يدير الحرب، فتلك شجاعة وإيمان وثبات ويقين راسخ أين منه الجبال الرّاسخة!
عندما تكون الحقيقة أكثر قسوةً من الخيال.
أمس، في بلدة طلّوسة، كان الشهيد أحمد ترمس (62 عاماً) في زيارة عائلية. جلس مع زوجته في منزل شقيقها. صوتُ مسيّرةٍ في السماء، ثم مسيّرة ثانية. لم يكد يدخل ليجلس حتى رنّ هاتفه. ردّ أحمد. جاءه الصوت بارداً واضحاً: معنا أحمد ترمس؟ فأجاب بنعم، ليخبره المتّصل: "معك الجيش الإسرائيلي يا أحمد. بدك تموت إنت واللي معك… أو لحالك؟" فأجاب على الفور: لحالي.
أقفل الهاتف. تغيّر وجهه. نظر إليه شقيق زوجته سليم وسأله: "شو صار يا أحمد؟" قالها بهدوءٍ حاسم: "هول الإسرائيليّة. قوموا اطلعوا واتركوني هون. عم بقولوا يا بتموتوا معي… يا بموت لحالي."
لم يتوسّل. لم يصرخ. طلب منهم أن يخرجوا، أن ينجوا، أن يتركوه يواجه المصير وحده. رفضوا في البداية وأخبروه أنهم لن يتركوه، وأنهم سيموتون معه. هدّأ من روعهم، ثم أقنعهم بالمغادرة.
للحظةٍ لم ينتبه أنه ليس في منزله. ثم انتبه. لا يريد أن يكون الموت في بيتٍ ليس بيته. قرر أن يأخذ الموت بعيداً عنهم. طلب منهم البقاء ليُغادر هو. ودّعهم. صعد إلى سيارته. أدار المحرّك وقاد مبتعداً عن المنزل، ثم ركن سيارته. مرّت ثوانٍ، فأطلقت المسيّرة صاروخين.
احترقت السيارة. تناثر جسد أحمد. احترق … لكن قصته باقية. هو واحدٌ من أبطال أيامنا.
لقد ودّع أحمد ابنه حسن شهيداً قبل سنتين. ثم رآه في المنام قبل نحو سنة، يخبره بأنه ملاقيه في شهر شباط. أخبر زوجة ابنته بذلك، فأجابته ممازحة: يعني باقية الحرب بعد سنة؟! بلكي بعد خمس سنين. فأجابها أنّ ابنه حدّد شباط المقبل. صوّره أحدهم وهو يكرّر أنه سيُستشهد في شهر شباط، ثم اليوم بدأ أهل بلدته يتداولون ذلك الفيديو، كما تداولوا المحادثة على الواتساب.
لا أحد يعرف ماذا يشعر إنسان حين يتلقى اتصالاً يخبره بموعد موته. لا أحد يعرف كيف تُوزن الحياة في ثوانٍ، ثم يُطلب منه أن يختار: أن يموت وحده… أو يموت معه أحباؤه. أيُّ قلبٍ يحتمل اتصالاً يخيّره بطريقة موته وفراق أحبّته؟ أيُّ صلابةٍ، وأيُّ شجاعةٍ، وأيُّ إيثارٍ يحمله هؤلاء ليتمكنوا من مجرّد الوقوف على أقدامهم في هكذا لحظة؟
قبل أحمد، شابٌ آخر كان يقود سيارته وزوجته إلى جانبه. تلقّى الاتصال ذاته. أوقف السيارة. أنزل زوجته. أبعدها. ثم مضى وحده نحو الصاروخ.
نماذج تتكرر في الجنوب. اتصالٌ يفصل بين الحياة والموت. شبابٌ يمشون إلى موتهم بأقدامٍ ثابتة…
لا يمكنني إلا أن أسأل: أين دولتنا من كل هذا؟ أين الدولة التي تزعم أنها بالدبلوماسية ستحمي شبابنا؟ ماذا تفعل لوقف ذلك؟
كل جريمة تُرتكب بحق هؤلاء الشباب، يوماً بعد يوم، تعزّز حقيقةً واحدة… مشروعية المقاومة كخيارٍ وحيد بعدما سُدّت كل السُبل.
ما أقسى هذا الزمن… وأوضح مواقفه.
ترددت قبل أن أكتب. لم أعلم إذا كانت تُجدي أمام هول ما يحصل. وسألت نفسي: هل يكون ذلك انكساراً… أم إيغالاً في حزنٍ لا يمكننا دفعه؟ ثم رأيت أنّ صوتنا وكلماتنا قد تكون شكلاً من أشكال الثبات في وجه آلة القتل الإسرائيلية.
ما أنبل هؤلاء الشهداء. فعلاً، العزُّ يبدأ من أشلاء قتلانا.