قال الله سبحانه وتعالى وتقدس وتنزه في علاه
(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)
(ما أعظم هذه الآية - وما أجلها - وما أبلغها - وما أوسع معانيها - وما أعظم ما تفتح للقلوب من أبواب تعظيم الله سبحانه وتعالى - ومعرفة كمال ربوبيته - وعظيم ألوهيته - وكمال أسمائه وصفاته - فإنها تقرر أن آيات الله لا تنقضي - وأن عجائب خلقه لا تنفد - وأن دلائل ربوبيته تتجدد على مر الدهور - حتى يبقى هذا الكون كله شاهدا بعظمة خالقه - ناطقا بكمال علمه - وعظيم قدرته - وبالغ حكمته - وأنه سبحانه هو الحق المبين)
فتأمل قوله [سبحانه وتعالى تقدس وتنزه في علاه]
(سنريهم آياتنا) - فإنه وعد من رب العالمين لا يتخلف - بأن يظل يُري عباده جيلا بعد جيل - وعصرا بعد عصر - من آياته وبراهين قدرته - ما يزداد به المؤمنون إيمانا ويقينا وتعظيما لربهم - وتقوم به الحجة على المعرضين - فلا يمضي زمان إلا ويكشف الله للخلق من دقائق صنعه - وبديع خلقه - وإحكام تدبيره - ما لم يكونوا يعلمونه من قبل - ليزداد أهل الإيمان إيمانا - ويزداد أهل البصائر يقينا - ويعلم الخلق أن فوق كل ذي علم عليم
(ولهذا فإن كل اكتشاف علمي صحيح - إنما هو كشف لآية من آيات الله - لا إنشاء لحقيقة جديدة - فالحقائق كلها خلقها الله قبل أن يعرفها البشر - وإنما ينتقل الإنسان من الجهل بها إلى العلم بها - وكلما اتسعت معارف الناس - واتسعت أدوات البحث والنظر - ازداد ظهور شيء من آيات الله في الآفاق وفي الأنفس - حتى يشهد العلم الصحيح - مهما بلغ واتسع - بعظمة الخالق - وكمال علمه - وإحكام خلقه - وأن هذا الكون لا يمكن أن يكون إلا من صنع العزيز العليم)
ثم تأمل قوله سبحانه وتعالى تقدس وتنزه في علاه [في الآفاق وفي أنفسهم]
فجمع سبحانه وتعالى العالم الأكبر والعالم الأصغر - لتحيط بالعبد آيات الله من كل جانب - فإذا رفع بصره إلى السماء رأى آيات لا تنقضي - وإذا نظر في الأرض رأى آيات لا تنحصر - وإذا تأمل في نفسه وجد من دقائق الخلق - وبديع الصنع - وإحكام التقدير - ما يعجز العقل عن الإحاطة به
ولهذا قال سبحانه تعالى وتقدس وتنزه في علاه
[وفي الأرض آيات للموقنين -وفي أنفسكم أفلا تبصرون]
فما من ذرة في هذا الكون - ولا خلية في جسد الإنسان - ولا نبضة قلب - ولا نفس يتردد - ولا مخلوق صغير أو كبير - إلا وهو آية قائمة - تنطق بعظمة الله - وتشهد بكمال علمه - وقدرته - وحكمته
ثم ختم سبحانه -بقوله تعالى
[حتى يتبين لهم أنه الحق]
لأن الغاية العظمى من جميع الآيات الكونية
والشرعية - أن يعلم العبد يقينا أن الله هو الحق - وأن أسماءه الحسنى كلها حق - وصفاته العلى كلها حق - وأفعاله كلها حق - ووعده حق - ووعيده حق - ورسله حق - وكتبه حق - ودينه حق - فكلما ازداد العبد نظرا في آيات الله - ازداد تعظيما لله - وخشية منه - ومحبة له - وتسليما لأمره - وعلم أن ما خفي من آيات الله أعظم بكثير مما ظهر - وأن علم الخلق جميعا - من أولهم إلى آخرهم - لا يساوي شيئا أمام علم الله الذي أحاط بكل شيء علما
(فسبحان من وسع كل شيء رحمة وعلما - وسبحان من أحاط بكل شيء علما - وأحصى كل شيء عددا - وأتقن كل شيء خلقا - وأحكم كل شيء تدبيرا - وسبحان من لا تنقضي عجائب خلقه - ولا تنفد آياته - ولا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء - سبحانه وبحمده - له الملك كله - وله الحمد كله - وبيده الخير كله - وإليه يرجع الأمر كله - وهو على كل شيء قدير)
(اللهم يا عظيم يا عليم يا حكيم - ارزقنا قلوبا حية تتفكر في آياتك - وأبصارا نافذة تعتبر بعجائب خلقك - ويقينا يزداد مع كل آية من آياتك - وإيمانا لا يخالطه شك - وتعظيما لا يشوبه نقص - واجعلنا من الذين إذا رأوا آياتك ازدادوا لك خشية ومحبة وإنابة - وقالوا من أعماق قلوبهم
[ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار] وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين).