خمس فقرات؛ اقرأها منفصلة، رغم أنها متصلة بالوجع... فربما وجدت نفسك في إحداها باكيًا، محتاجًا إلى الاتكاء على كتف والديك...
(1)
في مرحلة من العمر ستبكي وأنت تقرأ هذه الآية الكريمة:
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
من أكثر الأشياء التي ستؤلم قلوبنا أن نرى آباءنا يكبرون أمام أعيننا؛ أن تتسلل الشيخوخة إليهم في هدوء، من دون أن تستأذن أحدًا منا، فتتغير ملامحهم وأجسادهم وقوتهم وحركاتهم، لنكتشف بعد فترة أن الزمن تسلل إلى وجوههم أسرع مما توقعنا، وان كل خطّ في جباههم يحمل شيئًا مما دفعوه ثمنًا كي نكبر نحن بخير.
وأن كل تجعيدة حول أعينهم تبدو لنا كأنها صفحة من أعمارنا، واثار سنوات حملوا فيها قلقنا وخوفنا وأحلامنا، وانتظروا عودتنا أكثر مما ظننا ، وأكثر مما أخبرونا.
،
(2)
كم هو مؤلم أن ترى يد أبيك، التي كانت تحميك يومًا، تبحث اليوم عن يدٍ تتكئ عليها.
وأن تلمح يديه اللتين حملتا احتياجات البيت وحقائب السفر وأثقال الحياة ترتجفان وهما تحاولان الإمساك بفنجان قهوة.
وأن تصبح العصا التي كانت شيئًا عابرًا في بيوت الآخرين رفيقة أبيك الدائمة، وأن تدرك فجأة أن الرجل الذي كان يمشي أمامك بخطوات واسعة صار يحسب للأرض حسابها.💔
ومؤلم أكثر أن تبدأ الذاكرة في خيانة من نحب؛ أن يسقط منها اسمٌ اعتادت عليه، أو وجه�� لا ينبغي له أن يُنسى، أو حكايةٌ روتها لنا عشرات المرات.
أن يحدّق والدك فيك لحظة أطول من المعتاد، وكأنه يحاول أن يعثر عليك في مكان ما داخل ذاكرته.
عندها تبكي لشعورك بأنهم يتدرجون في مغادرة عالمك، ولأنك على يقين من أن هناك أشياء أخرى قد يأتي يومٌ وتنزلق من أيديهم دون قدرة منهم على الإمساك بها.
(3)
ما أقسى أن يأتي اليوم الذي يتحول فيه آباؤنا إلى أطفالنا، ونبدأ فيه بمراقبتهم بقلق، فنسأل عن طعامهم وأدويتهم وأوقات نومهم، وعن قدرتهم على الوقوف والسير دون تعثر وسقوط...
أسئلة صغيرة، لكنها تخبرنا بأن الأدوار بدأت تتبدل، وأن الطفل الذي كان يختبئ خلف أبيه خوفًا من العالم، أصبح يسير خلف أبيه كي يحميه من أذى السقوط...
ويدفعنا خوفنا عليهم إلى الالتصاق بهم، ومسك أيديهم في الطرقات، ورفع أصواتنا حين لا يسمعون، وتكرار الجملة ذاتها دون أن نظهر ضيقًا حين لا يتذكرونها.
نفعل كل شيء، إلا الشيء الوحيد الذي نريده حقًا: أن نوقف سرعة عداد العمر...
(4)
لكن...
أتعلم ما هو الوجع، بل الموت الأكبر بين كل تلك التفاصيل؟
إنها تلك اللحظات التي لا يهيئنا لها العمر:
أن يأتي يوم نُطعم فيه آباءنا بأيدينا.
أن تجلس أمام أبيك، الرجل الذي كان يرفع الملعقة إلى فمك، فترفع الملعقة إلى فمه، وتحاول أن تخفي ارتجاف يدك، وأن تتظاهر بأن الأمر عادي، بينما شيء عميق في داخلك ينهار بصمت.
ثم يأتي الزمن على ما تبقى فيك من مقاومة للسقوط، حين تسكب الماء على جسد أبيك أو أمك للمرة الأولى، فتجد نفسك أمام الجسد الذي كان يحميك من العالم، ��أنت الآن تحاول أن تحميه من عجزه.
عندها لا يكون البكاء على الشيخوخة وحدها، بل على انقلاب الحياة؛ على تلك المسافة الهائلة التي قطعها الزمن بين طفلٍ كان يُحمَل على ذراعي أبيه، وأبٍ صار يحتاج إلى ذراعي طفله.
تبكي لأنك لم تتخيل يومًا أن تصل بك الحياة إلى هذا المكان من ال��جع، وأن تصبح خدمتك لمن أحبك طوال العمر أشبه برسالة أخيرة تكتبها بيدين مرتجفتين قبل أن يأخذ الزمن الصفحة من أمامك.
(5)
يكبر آباؤنا، ونكبر معهم، لكننا لا نكبر بالطريقة ذاتها. هم يقتربون من العمر الذي يخيفنا، ونحن نقترب من الحقيقة التي كنا نؤجلها:
أن هؤلاء الذين ظنناهم ثابتين كالجدران، عابرون مثلنا.
وأن البيت الذي كان يكفينا لأن آباءنا فيه، قد يأتي يومٌ يصبح فيه أوسع مما ينبغي، لأن أصواتهم لم تعد تملؤه.
لهذا، حين تجد والدك يكرر الحكاية نفسها، لا تخبره انه سردها من قبل .
وحين تتأخر أمك في ارتداء ملابسها، لا تستعجلها.
وحين يمشي أحدهما ببطء، امشِ إلى جواره ب��لسرعة التي اختارها العمر له.
اجلس أكثر. أصغِ أكثر. انظر طويلًا إلى وجهيهما، واحفظ تفاصيلهما جيدًا.
فبعض الوجوه لا نعرف قيمتها إلا حين يصبح النظر إليها ذكرى، وبعض الأصوات لا نكتشف أنها كانت وريد حياتنا إلا حين نصير نبحث عنها في صمت البيت.
،
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾
❤️
أخطر موظف في المؤسسة ليس الموظف الكسول، ولا المهمل، ولا حتى قليل الكفاءة؛ فهؤلاء من السهل اكتشافهم والتعامل معهم.
الأخطر، في واقع الأمر، هو الموظف المنسحب. ذلك الذي كان في يومٍ ما واحداً من أفضل العاملين في المؤسسة والأكثر عطاءً، والأشد حرصاً على الإنجاز. كان يبادر، ويقترح، ويتحمل المسؤولية، ويعتقد أن الاجتهاد والكفاءة والطموح هي الطريق الطبيعي إلى التقدم، ثم حدث شيء ما.
تعرض للمحاربة، أو التهميش، أو التجاهل، وربما رأى الأقل كفاءة يتقدمون عليه، بينما بقي هو في مكانه. حاول في البداية أن يقاوم، ثم حاول أن يثبت نفسه أكثر، لكن تكرار الخيبات يستنزف حتى أكثر الموظفين حماساً، وفي لحظة إحباط قرر الانسحاب.
لم يستقل من وظيفته، ولم يطلب نقله، ولم يدخل في مواجهة مع أحد بل بقي في مكانه، لكنه خرج من حلبة السباق.
أصبح يؤدي الحد الأدنى من المهام، وينجز ما يُطلب منه، ولا يزيد عليه. توقف عن المبادرة، وت��قف عن تقديم الأفكار، وتوقف عن الاهتمام بما يحدث حوله.
وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية، فالمؤسسة لا تخسر موظفاً كفؤاً فحسب، بل تخسر معه نموذجاً ملهماً كان يصنع الطموح لدى الآخرين. والأخطر أن هذا الموظف لا يختفي من المشهد بل يبقى حاضراً أمام زملائه كل يوم.
يراه الموظف الطموح، فيتساءل: ماذا حدث له؟ ولماذا لم تنفعه كفاءته؟ ولماذا وصل غيره بينما بقي هو في مكانه؟
ومع الوقت تتحول قصته إلى رسالة صامتة تصل إلى الجميع: لا تتعب كثيراً.. لا تنافس.. لا تبادر.. فربما تلقى المصير نفسه. وهكذا قد يؤدي ظلم موظف واحد إلى إحباط مجموعة كاملة.
لذلك فإن المؤسسات الذكية لا تسأل فقط: لماذا أصبح هذا الموظف قليل العطاء؟
بل تسأل السؤال الأصعب: ماذا فعلنا به حتى أصبح هكذا؟
https://t.co/GoBMK0sAkQ
أين قرّاء ماجد القدامى؟
وماذا فعلت بهم الحياة؟
أنا هنا يا ماجد…
لكنني لا أعرف كيف أجيب عن سؤالك من دون أن أفتح بابًا على عمرٍ كامل.
فأنا ما زلت هناك، أعيش ليل الثلاثاء الذي كنت أنتظر مروره بفارغ الصبر، كي ألتقي في صباح الأربعاء بأصدقائي: كسلان، ونشيط، ودانة، وشمسة، وخلفان، وفهمان، والعم صالح، والجمل صابر، وموزة الحبوبة، وشقيقها رشود، والدلة، والفنجان، وزكية الذكية.
ها أنا أتذكرهم في الوقت الذي نسيت فيه أصدقاء حقيقيين عشت معهم حياة واقعية؛ فعلاقات الصحف والكتب قد تكون أحيانًا أقوى من العلاقات الحقيقية…
هل أبوح لك بسر؟ لم أكن أحب زكية الذكية؛ كانت شخصيتها تستفزني كثيرًا، بينما كان كسلان صديقي المفضل…
لم أدرك إلا متأخرًا أن أبي لم يكن يحمل إليّ مجلةً فحسب، بل كان يحمل إليّ فرحة من أفراح طفولتي.
وكان يحمل معها شيئًا آخر لم أكتشفه إلا بعدما كبرت: كان يحمل إليّ صباحًا سأقضي بقية عمري أحاول العودة إليه.
رحل أبي، يا ماجد، وكبرت أنا.
وأدركت أن الباب الذي خرج منه ذات يوم أُغلق خلفه إلى الأبد، وأن بعض الأبواب، حين يغيب الذين نحبهم، لا تعود أبوابًا للبيوت، بل تصبح أبوابًا للذاكرة.
أتعلم، يا صديقي؟
ما زلت أحتفظ ببطاقة المندوبين، وبأعدادك القديمة التي نجت من تبدّل البيوت، ومن عبور السنوات، ومن يد الحياة وهي تمحو أشياء كثيرة بلا استئذان.
احتفظت بها كأنني أحتفظ بأدلة مهمة على أنني كنت طفلةً لها أب، وبيت، وم��لة، وأمنيات صغيرة لا تعرف بعدُ معنى الفقد.
وكنت أشارك في مسابقاتك الأسبوعية، وأبحث عن «فضولي»، وأكتب إليك كما يكتب الأطفال إلى الأشياء التي يحبونها، وأنا لا أعرف أن بعض الرسائل لا تصل إلى أصحابها فحسب، بل تصل إلى المستقبل.
أنا هنا يا ماجد…
الطفلة التي تعلّمت منك القراءة والكتابة، ولم تكن تعرف، وهي تقرؤك في صباحات الأربعاء، أنك كنت تضع بين يديها أول مفاتيح عالم ستقضي عمرها فيه… إنه عالم الكتابة.
كم كنت نقيًّا، يا صديقي، وأنت تضع الكلمات في يدي، ولا تعرف أنك كنت تضع أول حجر في الطريق الذي سأمشيه طويلًا.
ولهذا، يا ماجد، حين تسأل: أين قرّاؤك القدامى؟
أقول لك:
إنهم في كل مكان من هذه الحياة؛ في رجل تجاوز الخمسين وما زال يبتسم حين يرى غلافك، وفي امرأة تشتري عددًا جديدًا وهي لا تحتاج إلى مجلة أطفال، لكنها تحتاج إلى دقيقة واحدة من عمرها القديم.
في بيت ما، داخل صندوق منسي، هناك رسائل لم تُرمَ، وبطاقات لم تُنسَ، وأعداد اصفرّت أطرافها؛ لأن الزمن، حين يعجز عن قتل الأشياء التي نحبها، يترك عليها بصمته.
أنا كبرتُ يا ماجد ..
لكنني كلما رأيتك، أعود طفلة؛ فأنت لا تزال تملك تلك المعجزة القديمة، تلك التذكرة التي تعيدني إلى منزلي القديم، وتملأ ذاكرتي برائحة أبي.
كبرت يا ماجد، وأصبحت كاتبة، لكنني، مهما كتبت من الكتب، ومهم�� امتلأت رفوفي بالحكايات، سأظل أبحث في مجلة قديمة عن أول حكاية كتبتها الحياة لي: حكاية طفلة كان أبوها يأتيها بما تحب.
وكانت مجلة ماجد من الأشياء التي أحب.
❤️