رحمة الله.
ولم أصل إليها من كتابٍ قرأته، ولا من عبارةٍ حفظتها، بل من شيء أراه أمامي كل يوم.
أراها في الرحمة التي أحاول أن أقدمها لمرضاي.
يأتيني إنسان لا أعرفه ولا يعرفني، وربما كان ذلك أول لقاء بيننا في هذه الحياة، ومع ذلك أجد في نفسي رغبة صادقة أن أخفف عنه وطأة الألم، وأن أهوّن عليه التعب، وأن أساعده ما استطعت على استعادة شيءٍ من جودة حياته.
وأحيانًا لا يبدأ ذلك بعلاجٍ معقد، بل بابتسامة.
بأن أتذكر شيئًا قاله لي عرضًا في جلسة سابقة، أو أعرف ما يحبه وما يكرهه، أو ألاحظ أن هذا الأمر الصغير يسعده، فأفعله.
تفاصيل قد تبدو تافهة في ظاهرها، لكنها قد تصنع فارقًا عظيمًا في يوم إنسان يتألم.
ثم وقفت عند هذه الفكرة:
أنا أفعل كل هذا وأنا إنسان.
مخلوقٌ ضعيف، لا أملك لنفسي حولًا ولا قوة، ورحمتي ناقصة، وقدرتي محدودة، وصبري ينفد، وعلمي يقصر، ومع ذلك وضع الله في قلبي من الرحمة ما يجعلني أحزن لألم إنسان لم أعرفه من قبل، وأسعى لأن أهوّن عليه ما استطعت.
فكيف برحمة من خلقني؟
كيف برحمة من خلق ذلك القلب، ثم أودع الرحمة فيه؟
كيف برحمة من وسعت رحمته كل شيء؟
حينها بدا الأمر أبسط من كل فلسفتي وأسئلتي:
إن كنتُ، وأنا المخلوق الضعيف، لا أرضى أن أرى من أمامي يتألم دون أن أحاول مساعدته، فكيف أظن بربي، وهو أرحم الراحمين، أنه يراني في ضعفي ثم يتركني؟
ولعلني لا أرى المخرج الآن.
ولعل الطريق لا يزال طويلًا.
ولعلني أجهل أين النور الذي كنت أبحث عنه في نهاية النفق.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
أن الذي قال:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
لم يقلها مواساةً عابرة، بل وعدًا.
ومنذ أن فهمت الرحمة بهذه الصورة، تغيّر السؤال عندي.
لم أعد أسأل: أين النور؟
بل صرت أقول:
إن كان الذي أودع الرحمة في قلبي هو الذي يدبّر أمري، فحسبُ قلبي أن يمضي إليه، ولو لم يرَ بعدُ نهاية الطريق.
اعتزلَ باختياره، واستوحشَ رغمًا عنه
- محمد العمري
خاطرة | ثريد | ٢٠:٣٤م
من المبادئ التي اتخذتُها أساسًا في حياتي أن أُيسّر على الناس، لعلّ الله ييسّر أمري، وأن أفرّج عنهم شيئًا من همومهم، لعلّ الله يفرّج همّي.
لذلك، كلما أتاني أحدٌ في حاجة، حاولت جاهدًا أن أكون بابًا للتيسير لا جدارًا للمنع، وسببًا في انحلال العقدة لا في اشتدادها. لا أحب أن أتشبث برأيٍ لا يحقق غاية، ولا بمبدأٍ لا يحمل وراءه معنى حقيقيًا، لمجرد أنني قلته يومًا أو اعتدته. وقد يرى البعض في ذلك ضعفًا أو انهزامًا أو عجزًا عن المواجهة، لكنني لا أراه كذلك.
كل ما في الأمر أنني كثيرًا ما أتذكر قول رسول الله ﷺ:
«كُنْ في الدُّنيا كأنَّكَ غريبٌ أو عابرُ سبيل».
فالغريب لا يتخذ مقامه وطنًا، وعابر السبيل لا يُثقل ظهره بما يعلم أنه سيتركه عند أول منعطف. ونحن في هذه الدنيا كذلك؛ مهما جمعنا، ومهما بلغنا، ومهما حصدنا، فلن نصحب معنا في الرحيل إلا أعمالنا، ولن نترك خلفنا إلا أثرنا.
أفهم ذلك جيدًا، وأؤمن به، ومع ذلك لا يمنع هذا الفهم شعورًا قديمًا بالغربة؛ غربة لا تتعلق بالمكان بقدر ما تسكن في الداخل، ووحدةً لم تعد هادئة كما كانت.
وربما كنتُ أنا من صنع شيئًا منها.
ذهبت إلى العزلة باختياري، واستأنست بها حتى ظننت أنني وجدت فيها ضالتي. فتحت لي أبوابًا لهوايات جميلة، وللكتب، وللتأمل، وللوقت الذي لا يقتحمه أحد. ثم طال المقام، وما حسبته ملاذًا بدأ يسحبني إليه شيئًا فشيئًا، حتى تحولت العزلة التي أحببتها إلى وحدةٍ أثقلتني.
حتى إنني وجدت نفسي يومًا أنظم أبياتًا لم أقوَ على إتمامها:
لَعَمري، نفسٌ بالجوى تكدّرتْ
صَهْ يا عقلُ، لا يحنُّ ولا يبالي
أشعلَ شيبَ الرأسِ فكرٌ يؤرّقني
يطوفُ بصدري ثم يغزو خيالي
وحيدًا، حتى النفسَ لستُ أملكها
فلم يبقَ لي إلا همٌّ أضنى احتمالي
بكتني الأنامُ وظنّت بأنّي مفارقٌ
أُشيّعُ نفسي راثيًا نعشيَ الخالي
ولعل هذا أحد الأسباب التي تجعلني أحرص دائمًا على إسعاد من حولي، ومساعدتهم، وتيسير أمورهم، وتخفيف ما أستطيع من أثقالهم. كأنني، وأنا أفعل ذلك، أبحث عن شيء يعيدني إلى بساطة الدنيا، ويذكّرني بأنها أهون مما نصنعه في رؤوسنا.
ولهذا صنعت لنفسي بعض الطقوس الصغيرة.
في كل يوم جمعة، بعد الصلاة، لدي ما أسميه «الفرّة المقدسة»: أركب سيارتي، وأجوب الرياض بلا غاية عظيمة، أرى الطرق والناس، وأجرّب مقهى جديدًا. ويوم السبت أفعل شيئًا قريبًا من ذلك؛ أختار مقهى، وأحمل معي كتابًا، وأقضي شيئًا من الوقت بين صفحاته.
محاولات بسيطة، وربما جميلة.
لكن الغريب أن الإنسان قد يملأ يومه كله، ويبقى داخله فارغًا.
فأسكن أحيانًا في فراغٍ عارم؛ لا نور فيه، ولا حتى صدى للصوت. مبعثرٌ أنا في فوضى منظّمة، محسوبة ومقدّرة. مكاني هو البَيْن، وأنا البَيْن، وما بين البَيْن أنا. أتهاوى في أعماقي ولا أدري أين أنا؛ أشعر بدفءٍ بارد، وإزعاجٍ هادئ، وغضبٍ حالم.
وتأتيني الأسئلة:
هل وجودي جريمة، والحياة عقابها؟
أم أنني فقط أُلبس ضعفي ثوب الأسئلة الكبيرة؟
هل ما أشعر به ذنبي، أم ذنب ذلك الصوت الذي لا يكف عن الحديث في داخلي؟
أم أنها جميعًا أعذار واهية صنعتها حين تمزق شيءٌ من ثباتي، ووهَن شيءٌ من عزمي؟
أحيانًا أشعر أنني لو استطعت لصهرت سيف معاركي كلها، لا لأقاتل به معركة أخرى، بل لأعلن أنني تعبت من حمله.
فأنا لم أقضِ هذه السنوات مؤجلًا ولا مسوّفًا، بل ساعيًا خلف شتات أمنيات وأحلام ظننتها يومًا تلمع كالياقوت والماس، حتى إذا اقتربت منها اكتشفت أن بعضها لم يكن إلا حجارةً من طين.
سعيت كثيرًا.
وما يؤلمني ليس أنني لم أسعَ، بل أنني في بعض اللحظات لم أعد أرى الوسيلة ولا الحيلة. كأنني أركض خلف سراب أعرف أنه سراب، ومع ذلك لا أعرف طريقًا آخر.
وأخشى، أكثر ما أخشى، أن يراني من أحبهم يومًا كما أرى نفسي في تلك اللحظات.
ثم خطر لي سؤال:
ماذا لو كانت هذه آخر أيامي؟
ماذا لو لم يبقَ إلا عام واحد؟
هل سأعود فأفرح بالأعياد كما كنت صغيرًا؟
هل سأجد السعادة في أصغر الأشياء؟
هل يعود للطعام والشراب مذاقهما؟
هل سأشعر أخيرًا بالانتماء؟
هل سأتعبد كناسكٍ علم أن الرحيل قريب، فيسقط عنه ضجيج الدنيا كلّه ولا يبقى بينه وبين الله إلا الرجاء؟
ثم جاء السؤال الأصعب:
وماذا إن لم تكن هذه آخر أيامي؟
ماذا لو بقي أمامي من العمر الكثير؟
هل أستطيع أن أشعر من جديد؟
وبعد كل هذه الأسئلة، لم أجد جوابًا يشفيها جميعًا. لكنني وجدت شيئًا واحدًا كان كافيًا لأن يوقف هذا السيل للحظة:
خاطرة | ٢١:١١م
لست إنسانً صالحًا…..
لي عادةٌ ألجأ إليها كلّما أضناني الاحتمال؛ لعلّها ضربٌ من أحلام اليقظة. أقف عند نافذةٍ أو شرفة، وأنظر إلى العالم كما لو أنّه لوحةٌ حُبست داخل إطار، ثم أتوهمني رسّامها.
أمدّ فوق فوضى الواقع خيطًا من خيال، وأترك لريشتي أن تعيد خلق الأشياء كما أودّها أن تكون؛ فأستر قتامتها بلون، وأهذّب قبحها بجمال، وأصنع من بعثرتها مشهدًا يصلح للتأمّل، وأجمع شتات حلمٍ قد انهدّ؛ كأنني أرمّم بالخيال ما عجز الواقع عن إبقائه قائمًا.
وحين تكتمل اللوحة أمامي، أرفع عيني عنها؛ فيتبدّد كل ما رسمت، ويُمحى كل لون، ويحترق كل خيط، وينكشف كل ستار. عندها يعود العالم إلى هيئته الأولى؛ كما هو، لا كما تمنّيت.
وأعود أنا أيضًا إلى حقيقتي، ولكن بفراغٍ أوسع.
غير أنني، مهما اتّسع ذلك الفراغ، لا أترك نفسي له؛ فأنا متوكّلٌ على من إذا دعوته أجاب، وإذا استغفرته غفر، وعلى من أنجى عبده من الظلمات حين انقطعت به الأسباب. فأسلّم أمري لمن بيده الأمر كلّه، وأفوّض إليه ما عجز قلبي عن حمله؛ فهو يهدي من يشاء، ويجعل بعد العسر يسرًا.
وحتى إن اشتعلت الأرض من حولي وكنت في ألسنة لهبها، فسأرقب نارها وهي تعلو، وأنظر إلى السماء وهي تكتسي برمادها، وأنتظر غيومها وإن أمطرت نعيًا على ما احترق. وإن غمرتني المياه، وأخذت تهوي بي إلى أعماقها حتى يعميني ظلامها، فلن أنسى أن للكرب في دار الفناء أمدًا، وأن ما له أمدٌ لا بدّ أن ينقضي.
لذلك سأصبر على ما ابتُليت به، وأحمل يقيني بالأحد الصمد؛ فما دامت الدنيا دار عبور، فلا حزنها خالد، ولا فرحها باقٍ، ولا شيء فيها يستحق أن يُظنّ به الخلود.
ولعلّ أكثر ما يسكّن اضطرابي أن أتذكّر أن لا شيء يبقى.
بعد قرنٍ من الآن سأكون في قبري، وسيصير ما ملكتُه يومًا إلى غيري. غرباء سيسكنون بيتي، ويمشون في طرقٍ كنت أعرفها، ويضعون أيديهم على أشياء ظننتها يومًا لي. وسيأتي أحفاد أحفادي فلا يعرفون عنّي إلا اسمًا، إن بقي الاسم. وسأُذكر بعد موتي أعوامًا قليلة، ثم يخفت ذكري شيئًا فشيئًا، حتى أمضي كما مضى من قبلي الملايين.
وحين أتذكّر ذلك، يصغر في عيني كثيرٌ مما أثقل صدري؛ فما حدث، وما يحدث، وما سيحدث، ليس أبديًّا، وإنما له أمد. وكل ابتلاءٍ في هذه الحياة امتحانٌ وتمحيص، وكل ضيقٍ إلى انقضاء، وكل فقدٍ إلى لقاءٍ أو عوضٍ عند من لا يضيع عنده شيء.
فما دامت النهاية إليه، وما دام الأمر كلّه بيده، فلا أطلب من الدنيا أن تدوم لي كما أشتهي؛ يكفيني أن أمضي فيها صابرًا، مطمئنًا إلى أن ما فاتني لم يَفُت علمه، وما أصابني لم يخرج عن حكمته، وأن دار الفناء — مهما طال ليلها — ليست دار البقاء.
….بقدر ما أنا مستور.
الحالم،
محمد العمري
إني شديدُ بأسِ الا لحسنها
فلا يكسف الشمس الا القمر
أقيم امامها راسخً كالجبل
وان هتفت لانَ صخري وانصهر
لها من سكون الليل سرً ،وإنما
بعينيها ليلٌ بالضياءِ قد ازدهر