أتفكر في حال نبيّ يبعثه الله وينزل عليه الوحي ويؤيده بالملائكة ثم يُقتَل.
ونبيٍّ آخر يمكث في الدعوة ٩٥٠ سنة ثم لا يؤمن معه إلا القليل..
وفي أكرم الناس، يوسف النبي حفيد الأنبياء ثم يباع ويشترى بثمن بخس..
وفي سيد الناس محمد ﷺ حين يوضع عليه سلا الجزور وهو ساجد..
وفي خليفة خليفة رسول الله ﷺ: عمر حين يمزّق الخنجر أحشاءه، وفي خليفته عثمان حين يشق السيف جسمه، وفي خليفته عليّ حين يغتاله الخارجيّ..
"فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا"
والتفكر في هذا مهم حتى نفهم شيئاً من نظام الابتلاء في الإسلام، وشيئاً من قدر الله في أحبابه وأوليائه..
وهذا مما يثبت أهل الابتلاء؛
فصبراً،
يا رب أفرغ علينا صبراً،
اللهم وعلى أهل غزة والسودان،
وعلى المأسورين في سبيلك،
اللهم وسائر المستضعفين من المؤمنين..
ومن يدري؟ لعلهما كانا في الحياة كما كانا في الممات، كانا أبناء مسجد واحد، ومن المسجد في غزة يبدأ كل شيء، ثم أبناء منطقة واحدة، ومن المنطقة في غزة يتكثف كل شيء، وأبناء معسكر واحد، ومن المعسكر في غزة يتوحد كل شيء، وأبناء كتيبة واحدة، ومن الكتيبة في غزة ينصهر كل شيء، وأبناء مصير واحد، وإلى المصير في غزة ينتهي كل شيء.
لعل كلًّا منهما كان الخزنة حين يحمل صاحبه البندقية، وكان الطلقة حين يضغط صاحبه الزناد، وكان القذيفة حين ينصب صاحبه الراجمة، وكان المكبس حين يؤقّت صاحبه اللغم، وكان المعول حين يحفر صاحبه النفق، وكان السند حين يطوي صاحبه الأرض، وكان الوافد التالي حين يضع صاحبه أولى قدميه في الفردوس!
ومن يدري؟ لعل ذلك كان العهد بينهما، لعله كان السر الذي احتفظا به في صدريهما طوال الليالي الثقال، بأن يترافقا على خطوتين مترادفتين، نحو الحياة والموت معًا، في الكفاح والرباط معًا، وألّا يقف أحدهما وصاحبه مسجى أمامه، وإنما أن يصليا بثماني تكبيرات معًا إذا جاء نصر الله والفتح، أو أن يُصلى عليهما معًا بتكبيرات أربع، في جنازة واحدة!
هل لا زلت على عهدك بتغيير حياتك ومستوى تفكيرك وآمالك مع أحداث غزة؟ أم أنك رجعت إلى آمالك المحدودة الضيقة واهتماماتك الصغيرة التافهة؟
إذا كنتَ ممن تألَّم لإخوانه في بداية الأحداث واكتشفْتَ حينها زيف النموذج الغربي وكذب شعارات حقوق الإنسان وعرفت مقدار التآمر والتواطؤ والخذلان فإن الأمر لا يزال كما هو إلى اليوم بل لم يزدد إلا شدة ووضوحا؛ فلماذا تراجعتَ وتوقفت ونسيت؟
أم أنها كانت موجة تفاعل عاطفي وانتهى كل شيء؟
أم أنك لم تنس ولكنك يئست وأصابك القنوط والإحباط؟ فلماذا؟ ألست تؤمن بالله ولقائه؟ ألستَ تعلم أنه الحق سبحانه؟ ألم يخبرنا في مواضع كثيرة من كتابه الحق بسنة الابتلاء؟
أنسيت ما أصاب المؤمنين به على مر التاريخ من الشدائد والابتلاءات؟
ألستَ تقرأ سورة البروج وآل عمران؟
ثم؛ ألستَ تؤمن أنه لا تزال للإسلام مرحلة عزّ قادمة بشّر بها النبي ﷺ في كثير من أحاديثه؟
وصدقني هي ليست عنّا ببعيد، وما هذه الجرائم الشديدة في حق المستضعفين إلا مقدمات لعقوبات إلهية تطال المعتدين والظالمين ومن شايعهم.
ثم ينصر الله دينه ويورث الأرض من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
فقم يا صاحبي، ولا تيأس، واستعن بالله ولا تعجز، وأحسن الظن بالله، وعش همّ إخوانك في غزة وغيرها من البقاع التي يُستَضعَف فيها المسلمون، واجعلهم في دعائك وبذلك وحديثك واهتمامك ونصرتك وعطائك،
وارقَ بحياتك وآمالك عن التفاهات والمعاصي والصراعات الشخصية، واجعل وقتك وتفكيرك في السعي الحقيقي لتكون من حملة هذا الدين العظيم ومن السائرين على طريق الأنبياء والمرسلين.
هل تتذكرون المقاوم الذي قصفته الطائرة في غزة ثم رفع سبابته ملوحًا لها، ثم تحامل على نفسه رغم مصابه ليلقى ربه شهيدًا ساجدًا.
ها هو يُذكر اليوم في مسجد رسول الله عليه وسلم بالمدينة المنورة خلال خطبة الجمعة.
أيُ كرامة بعد هذا؟ الله يتقبله شهيدًا، وجزى الخطيب كل الخير!
"حكمة الله تتجلى في حرب غزة"
الله سبحانه يحب من عباده أن يلاحظوا آثار أفعاله في الأحداث التي يعيشونها ويشاهدونها، ويكره لهم أن يمرّوا عليها بجمود وكأنها صنع بشري محض.
ومن يتأمل في أحداث غزة منذ بدايتها إلى اليوم فسيرى فيها من آيات الله وآثار أسمائه وصفاته وحكمته الشيء الكثير، ومن ذلك:
١- ما شاهدناه من تثبيت المؤمنين وتقوية قلوبهم في مواجهة أعدائه سبحانه، وصبرهم وإقدامهم وإثخانهم، حتى إن المشاهد ليوقن أن وراء تلك الشجاعة والثبات إيماناً عظيماً ومدداً إلهيًّا، وقدرة متجاوزة للمشاهد البشرية المعتادة: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾
٢- ما شاهدناه من شدة عداوة أعداء الله لعباده المؤمنين، ومدى وحشيتهم في قتل المستضعفين والتنكيل بهم؛ حتى إنك لترى الفرق جليًّا بين من كان الشيطان وليّه، ومن كان الرحمن وليّه.
وفي هذا الفرقان حجة من الله على خلقه: أن يفهموا إلى أي مدى من السوء يمكن أن يصل الإنسان إذا هو استغنى عن الرحمن، وإلى أي مدىً يمكن أن يرتقي الإنسان إذا هو اتبع هدى الله، وهذا الفرقان حجة عظيمة: ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم﴾
٣- ما شاهدناه من إقبال كثير من الكفار على الإسلام، ودخولهم فيه حبًّا وطوعاً، وذلك لرؤيتهم الحجة والفرقان، ولمشاهدتهم أثر الإيمان على صاحبه في الثبات أمام المصائب العظيمة، ولرؤيتهم أولياء الشيطان كيف كفروا بشعاراتهم وتبرؤوا من بشريتهم وصاروا آلات قتْلٍ بغير هدى، وما كانت هذه الأعداد من الناس لتُقبِل على دين الله في مثل هذا الوقت اليسير إلا بقدَر الله وحكمته؛ ﴿ليدخل الله في رحمته من يشاء﴾
٤- ما شاهدناه من يقظة ما لا يحصى من الغافلين من المسلمين، الذين يئس المصلحون من إيقاظهم بالمواعظ والحجج والبراهين؛ فأيقظهم الله -برحمته- بهذه الأحداث المهولة الشديدة؛ ليستقبلوا حياة جديدة بعد التوبة من الغفلة، والسعي إلى العمل، وهذا كله مِن فعل الله ومن آثار صفاته سبحانه؛ فإنه (لا أحد أحبّ إليه العذر من الله) كما في الحديث الصحيح.
٥- ما شاهدناه من مواقف المنافقين والمتآمرين والمستهزئين ممن ينتسبون إلى الإسلام، بل ويتزيّا بعضهم بزيّ العلم ولغة الشرع.
والله سبحانه يريد منّا أن نعرفهم ونبغضهم ونعاديهم ونقطع صلتنا بهم، فإنه: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾. ولم يكن ليحدث كل هذا الظهور والكشف لولا هذه الأحداث العظام، والخطوب الجسام.
٦- ثم -وهو الأهم-: أنّ كل هذه المشاهد المذكورة، وغيرها الكثير مما لم أذكره، هي: حجج وبيّنات وآيات، وقد يُفهَم من ضخامتها وشدتها وعظمتها أنها متعلقة -في سنن الله- بأمور أعظم منها لم تقع بعد؛ وأن الله يريد من هذه الأمة أن تتهيأ لها بمراجعة شاملة ويقظة وبصيرة ووعي وإيمان، كما أنه يريد بأعدائه الذين طال ليلهم واشتد ظلمهم أن تُطفأ نارهم ويأفل نجمهم -والعلم عنده سبحانه-.
فما أتعس الغافلين بعد كل هذه المشاهد والأحداث،
وما أسعد المستبصرين الذين استقبلوا حياة جديدة شعارها هذه الآيات:
- ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾
- ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾
- ﴿استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾
#مدرسة_غزة
—
#كلنا_مع_غزة
#ألم_وأمل
المعركة التي تدور في نفسك..
لا تقل أهميّة عن التي تدور في الميدان هناك! الأحداث العظيمة تُولّد في الطّريق عظماء، وتُنتِج أبطالًا يُصنعون في الخفاء، يُجاهدون النّفس بالغرس، والانتكاس بالإخلاص، ما شاهدوا الأحداث دون تحديث! فكان للظلّ دوره، وللسّر ثغره، فما مَرّت الأيام دون إقدام.