أصبحنا وأصبح المُلك لله ربِّ العالمين، اللهم إني أسألك خير هذا اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه، وأعوذ بك من شرِّ ما فيه و شرِّ ما بعده، لا تنسَ اذكار الصباح.
المدن ليست كتلًا من الإسمنت والحجارة، بل أرواح تنبض بالحياة، تحفظ ذاكرة أهلها وتسكن قلوب من أحبها. وجدة، هذه المدينة الساحلية الجميلة التي تحتضنها مياه البحر الأحمر، ليست استثناءً من ذلك.
عشت فيها ما يقارب ثلاثين عامًا، تشكلت فيها ملامح طفولتي، وخطوت فيها أولى خطوات الدراسة، ولم أغادرها إلا لظروف العمل. شاءت الأقدار أن أنتقل إلى مدينة ساحلية أخرى لا تبعد عنها كثيرًا، لكن جدة بقيت تسكنني قبل أن أسكنها، وأتنفسها في كل ذكرى تعود بي إلى الماضي.
لا تزال تفاصيلها حاضرة في ذهني؛ ليالي رمضان في “البلد”، والأزقة القديمة التي كانت تعج بالحياة، وأصوات الباعة التي ما زالت ترن في أذني وهم ينادون: “بليلة… بليلة… كبدة… كبدة… اتفضلوا عندنا.” كانت تلك الأصوات جزءًا من هوية المكان، ومن دفء الأيام التي لا تُنسى.
لكن جدة، كغيرها من المدن، لم تكن بمنأى عن رياح التغيير. فقد ارتفعت ناطحات السحاب، وتعالت الأبراج الشاهقة، وأخذت الحداثة تزحف على كثير من ملامحها القديمة. صحيح أن التطور ضرورة، وأن المدن لا بد أن تنمو وتواكب العصر، لكن بعض ذلك النمو جاء على حساب البساطة التي كانت تمنح جدة سحرها الخاص، وعلى حساب أماكن كانت تختزن حكايات الناس وذكرياتهم.
ومع ذلك، ستبقى جدة في نظري أكثر من مدينة؛ ستبقى حنينًا لا يشيخ، وذاكرةً لا تُمحى، ومرفأً يعود إليه القلب كلما أثقلته الحياة. فالمكان الذي شهد طفولتك، واحتضن أحلامك الأولى، لا يمكن أن تغلبه السنوات، ولا أن تمحوه الأبراج، لأنه يعيش في القلب قبل أن يعيش على الخرائط.
"تخيل أن إنسانًا ما يتذكَّر كلمات أثنيت بها عليه، فيقاوم انهياره أمام زهد الآخرين به ورفضهم له تخيل أن إنسانًا ما مرَّت عليه ساعة ضاقت به الدنيا فيذكرك ويهرع إليك وهو يعلم أنه سيعود من عندك بغير الوجه الذي ذهب به إليك.!
تخيل أن يضعك أحدهم فوق جرحه فيطيب!"
إن رأينا إنسانا منهكا من قسوة ما طرأ عليه، مشوشا، وشبه عاجز أحيانا، فلنتوقف قليلا، ونسأل الله أن يجعلنا قادرين على مساعدته حقا، بدون لوم أو استبطاء لسعيه في التحسّن.
الأمر ليس سهلا، فليس من ذاق كمن عرف، ويحتاج منا إلى تذكير دائم لأنفسنا أننا لسنا في مكانه، مهما بدا لنا ذلك.
لسنا سواء في عمق طبيعتنا النفسية، وضعفنا الخاص، والابتلاء الخاص من الله لكل واحد منّا، ولندرك أن استبطان لومه لا يقل ثقلا عن مكاشفته به، فهو يصل إليه ويزيد من إحساسه بالثقل والغربة.
أحب التوجيه النبوي الشريف في أن أول منزلة في الخير هي في كف الأذى، ولكأن بداية طريق الرحمة هو أن نكف أذانا باطنا وظاهرا.