من مكّة إلى أنقرة وإسلام آباد ....
وقّعت السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة اتفاقا يقوم على مبدأ بالغ الدلالة: أن الاعتداء المسلح على دولة منها يُعدّ اعتداءً عليها جميعا....
وأكد البيان المشترك أن الغاية هي تعزيز الردع الجماعي والأمن والاستقرار، لا تأسيس محور طائفي، ولا استهداف دولة بعينها....
نحن إذن أمام محاولة لبناء مظلة أمنية إقليمية، لا أمام إعلان حرب.
ومكة هنا ليست مكانا محايدا.....
فحين يُولد الاتفاق في مكة، فإن المدينة لا تمنحه السلاح، لكنها تمنحه المعنى...
تقول له إن القوة التي نبحث عنها ليست قوة الغزو والاستعلاء، وإنما قوة تحرس الإنسان والدولة والمقدسات وحق الشعوب في الحياة دون ابتزاز.
وكأن الجغرافيا المقدسة أرادت أن تذكّر السياسة بأن الأمة التي تتجه وجوه المسلمين إلى قبلتها خمس مرات في اليوم ليست أمة زائدة على هامش التاريخ.
هذا الاتفاق، في جوهره، إعلان هادئ بأن دولا كبرى في العالم الإسلامي لم تعد تريد أن تبقى مجرد ساحات تتنافس فوقها مشاريع الآخرين؛ بل تريد أن تنتقل من انتظار الضمانات إلى المشاركة في إنتاجها، ومن استيراد الأمن إلى صناعة بعضه، ومن دفع فواتير الحروب إلى امتلاك القدرة على منعها.
ستقولون: تحالف ضد مَن؟
وسأقول: السؤال الأصح ليس "ضد مَن؟"، بل "ضد ماذا؟"!
إنه تحالف ضد الفراغ الاستراتيجي؛ لأن الفراغ في السياسة الدولية لا يبقى فارغا. إن لم تملأه الدولة بمؤسساتها وجيشها وتحالفاتها، ملأته الميليشيات، أو القوى الأجنبية، أو تجار الحروب، أو أصحاب الخرائط الذين يرسمون حدودنا في غرف لا نجلس فيها.
وهو تحالف ضد التبعية الأمنية؛ ضد أن تظل عواصمنا تنتظر من يقرر عنها متى يكون الاعتداء اعتداء، ومتى تستحق مدنها الدفاع، وأي صاروخ يُدان وأي صاروخ يُبرَّر.
وهو تحالف ضد استباحة سيادة الدول، وضد تهديد المدنيين ومصادر الطاقة والممرات البحرية، وضد تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين.
وهو تحالف ضد تفكيك الدولة الوطنية لمصلحة الفوضى، والسلاح المنفلت، والولاءات العابرة للحدود.
وهو، قبل ذلك كله، تحالف ضد الوهم القديم الذي أقنع المسلمين بأن اجتماع قوتهم خطر، بينما اجتماع الآخرين حكمة؛ وأن دفاع الغرب الجماعي عن نفسه "هندسة أمنية"، أما دفاع المسلمين المشترك عن أوطانهم فـ"محور مقلق".
منذ عقود يقوم حلف شمال الأطلسي على قاعدة أن الاعتداء على عضو واحد اعتداء على الجميع، ويصف هذا المبدأ بأنه حجر أساس دفاعه الجماعي...
فلماذا يصبح المبدأ ذاته مثيرا للريبة حين تتبناه الرياض وأنقرة وإسلام آباد؟
لسنا مطالبين بالاعتذار لأننا نريد لأوطاننا أن تكون محمية....
ولا ينبغي أن نرتبك أمام سؤال: "على من تتآمرون؟"....
فامتلاك باب قوي لا يعني أنك تخطط لمهاجمة جيرانك؛ بل يعني أنك لم تعد راغبا في أن يدخل كل عابر أو دخيل إلى بيتك دون استئذان.
هذا الاتفاق ليس ضد الشعب الإيراني، ولا ضد مذهب، ولا ضد شعب من شعوب المنطقة، ولا يلزم أن يكون خصومة مع الغرب أو الشرق..
إنه، كما ينبغي أن يكون، ضد العدوان أيا كان مصدره؛ ضد تحويل ضعفنا إلى فرصة، وتفرّقنا إلى غنيمة، وثرواتنا إلى جائزة حرب.
الردع الناضج لا يقول: "نريد الحرب"، بل يقول للمعتدي: ؛لن تكون الحرب رخيصة".
والفرق بين التهديد والردع أن التهديد يبحث عن خصم، أما الردع فيبحث عن سلام تحرسه القوة كما القدرة....
السعودية: ليست طرفا في المثلث، بل مركز ثقله ...
من الظلم الفكري اختزال المملكة العربية السعودية في أنها "المموّل" داخل هذا التكتُّل....
فالمال عنصر من عناصر القوة السعودية، لكنه ليس سرّها كله، وربما ليس أهم أسرارها....
السعودية هي الدولة التي اجتمع فيها من عناصر القوة ما ندر أن يجتمع لدولة إسلامية معاصرة:
- الشرعية الروحية التي يمنحها شرف خدمة الحرمين
- والوزن العربي والإسلامي
- والموقع بين الخليج والبحر الأحمر
- والتأثير في أسواق الطاقة
- والحضور في مجموعة العشرين
- والقدرة الاستثمارية والعلاقات الدولية الواسعة ...
ثم مشروع تحوُّل وطني ينقلها من اقتصاد يعتمد على الثروة الطبيعية إلى دولة تسعى لامتلاك المعرفة والصناعة والتقنية والقرار.
إنها ليست مجرد مساحة تصل بين أطراف التحالف؛ إنها الدولة القادرة على تحويل التوافق إلى مؤسسة، والإمكانات المتفرقة إلى مشروع، والعلاقات الثنائية إلى هندسة جماعية....
تركيا تملك خبرة عسكرية وصناعة دفاعية متقدمة، وباكستان تملك خبرة قتالية وثقلا بشريًا وردعا استراتيجيا، لكن السعودية تملك ما هو أندر من السلاح:
**القدرة على جمع القوى المتباعدة حول طاولة واحدة، ومنح المشروع ثقله العربي والإسلامي والاقتصادي والدبلوماسي**
وفي السياسة، ليس القائد دائما هو من يحمل السلاح الأكبر؛ فقد يكون القائد هو من يجعل الأسلحة المتفرقة قوة واحدة، والمصالح المتوازية إرادة مشتركة.
لهذا لم يُسمَّ الاتفاق باسم مدينة محايدة، بل حمل اسم مكة....
ولم تكن الرياض ملحقة بمشروع صاغه الآخرون؛ بل كانت الحاضنة التي التقت عندها أنقرة وإسلام آباد....
السعودية هنا لا تشتري حماية؛ إنها تبني شبكة حماية تشارك في قيادتها، وتنقل علاقتها بالقوى الكبرى من موقع المتلقي للضمان إلى موقع الشريك الذي يضيف إلى ميزان الأمن ولا ينتظر أن يُضاف إليه.
إن المال السعودي لا يقف إلى جانب السلاح التركي والخبرة الباكستانية فحسب؛ بل يستطيع، إذا أحسن التخطيط، أن يحوّلهما إلى صناعة مشتركة، ومراكز أبحاث، وسلاسل إمداد، وتدريب موحد، وقرار أكثر استقلالا.
هناك دول تملك المال ولا تملك الموقع، ودول تملك الموقع ولا تملك الشرعية، ودول تملك السلاح ولا تملك القدرة على جمع الآخرين....
أما قوة السعودية فتكمن في اجتماع هذه العناصر فيها، وفي قدرتها على جعل مكة قلب المعنى والرياض مركز القرار....
السعودية التي نريدها قوية ...
إن محبة السعودية ليست مجاملة مُكررة لشعب كريم، ولا تملُّقا لدولة كبيرة؛ لأن قوة السعودية مصلحة عربية وإسلامية ودولية.
حين تكون السعودية قوية تكون المقدسات في يد دولة قادرة على حمايتها وخدمتها....
وحين تكون مستقرة يبقى قلب الجزيرة العربية مستقرا...
وحين تكون مؤثرة تملك القضايا العربية صوتا أثقل في العواصم الدولية...
وحين تنجح في بناء اقتصادها وصناعتها، فإن نجاحها لا يتوقف عند حدودها؛
بل يفتح أسواقا وفرصا واستثمارات وطُرقا تمتد في العالمين العربي والإسلامي.
السعودية ليست محطة وقود في النظام الدولي كما أراد بعض الخطاب الاستعماري أن يصورها؛ إنها دولة قارة، وموطن الحرمين، ومركز عربي، وفاعل عالمي، وصاحبة مشروع وطني طموح، وتمتلك القدرة على أن تصبح أحد أهم مراكز التوازن بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
والقوة السعودية التي نفتخر بها لا تحتاج إلى إنقاص تركيا أو باكستان؛ بل تظهر عظمتها في قدرتها على مصافحة القوي دون خوف، والتعاون معه دون ذوبان، وقيادة التوافق دون استعلاء....
العظيم لا يجمع حوله الضعفاء ليبدو كبيرا؛ العظيم يجلس إلى جوار الكبار ويصنع معهم تاريخا أكبر.
أما تركيا، فهي ليست ضيفا عسكريا على هذا التفاهم، بل ضلع يصعب أن يقوم من دونه.
تركيا التي تملك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو لا تدخل الاتفاق بعدد جنودها فحسب، وإنما بخبرة طويلة في التصنيع الدفاعي، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والصناعات البحرية، وإدارة العمليات، والعمل داخل التحالفات المعقدة.
وقد أصبح السلاح التركي خلال سنوات قليلة جزءا من المعادلة الدولية، بعدما كانت تركيا نفسها تعتمد إلى حد بعيد على مشترياتها الخارجية.
وهذه التجربة مهمة؛ لأنها تقول إن الاستقلال لا يبدأ بالاستغناء الكامل عن العالم، بل يبدأ بألّا يكون قرارك رهينة قطعة غيار لا تملكها، أو ذخيرة لا تُسلَّم إليك إلا بشروط سياسية.... !
القوة التركية التي نفرح بها ليست قوة عرق في مواجهة عرق، ولا عودة إلى أوهام إمبراطورية؛ إنها قوة دولة مسلمة كبيرة....
وكل دولة مسلمة تملك مصنعا أو مختبرا أو سفينة أو قمرا صناعيا أو منظومة دفاع تضيف - إذا صلحت سياساتها - لبِنة إلى أمن العالم الإسلامي.
ومن يحب تركيا حقا لا يعزلها عن العرب، ومن يحب العرب حقا لا يخاف من تركيا قوية ومُتعاونة....
لقد دفعنا ثمنا باهظا حين جعل بعضنا العلاقة العربية التركية أسيرة ذاكرة انتقائية، أو منافسة حزبية، أو حملات إعلامية....
المستقبل لا يُبنى بإنكار التاريخ، لكنه لا يُبنى أيضا بالسكن الأبدي في أكثر صفحاته مرارة.....
أنقرة لا تخسر حين تقترب من الرياض؛ بل تتسع قوتها....
والرياض لا تتنازل حين تتعاون مع أنقرة؛ بل تضاعف خياراتها.
أما الذين لا يرون العلاقة إلا بوصفها مباراة ينتصر فيها طرف إذا خسر الآخر، فهم يفكرون بعقلية الملعب في عالم تُدار فيه القوة بعقلية الشبكات....
أما باكستان فليست الدولة الثالثة التي أُضيفت لاستكمال الصورة؛ إنها دولة دفعت أثمانا قاسية في الحروب والإرهاب والاضطرابات، وبنت جيشا كبيرا، واكتسبت خبرة عسكرية وأمنية ممتدة، وهي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحا نوويّا.
لكن الأمانة تقتضي ألّا نُحوّل هذه الحقيقة إلى أسطورة غير منصوص عليها؛ فالاتفاق لم يعلن مظلة نووية....
وعظمة باكستان لا تحتاج إلى مبالغاتنا.
يكفيها أنها احتفظت بقوتها ووحدتها رغم ما تعرضت له، وأن علاقتها بالسعودية لم تولد بالأمس، بل قامت على عقود من التدريب والتعاون والثقة، وأن علاقتها بتركيا تجمع بين الوجدان الشعبي والتعاون العسكري.
وإذا كانت السعودية قلب هذا التكوين، وتركيا ذراعه الصناعية، فإن باكستان عمقه البشري والعسكري والاستراتيجي....
والتحالفات الناجحة لا تقوم على تشابه الحلفاء، بل على تكاملهم:
أن يملك كل طرف ما يحتاج إليه الآخر، وأن يعرف الجميع أن قوة الشريك لا تنتقص من قوتهم، بل تحميها....
عزة الإسلام ليست هتافا بلا مصنع .. وقوّة الأمّة ليست بالتبخيس والشيطنة واستحضار الخصومات ..
نعم، ينبغي لنا أن نفرح لكل تقارب صادق بين دولنا؛ لا لأننا نعيش على العاطفة، بل لأن التنازع كان أغلى سلعة صدّرناها مجانا إلى خصومنا.
قال الله تعالى في مُحكم التنزيل:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
والريح في الآية الكريمة ليست مجرد هيبة معنوية؛ إنها القوة والقدرة والتأثير...
كأن القرآن العظيم يرسم معادلة سياسية خالدة:
يبدأ الفشل من التنازع، ثم لا تبقى الهزيمة داخل القلوب، بل تخرج منها فتأخذ القدرة والهيبة والقرار.
وقال تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ… تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.
والمقصود هنا الردع؛ أي أن يرى المعتدي من القدرة ما يصرفه عن العدوان. ولذلك اكتملت العقيدة القرآنية بقوله تعالى:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
الإسلام لا يريد أمة تستمتع بالحرب، ولا أمة تستسلم خوفا منها؛ يريد أمة تمتلك من القوة ما يمنع الحرب، ومن العدل ما يمنعها من إساءة استخدام القوة.
وعزة الإسلام ليست أن نكتب ألف قصيدة في أمجاد الماضي، بينما طائراتنا تُصنع في الخارج، وبياناتنا تُخزّن في الخارج، وطرق تجارتنا يحميها الخارج، وقرارنا ينتظر موافقة الخارج.
العزة الحديثة مصنع وجامعة ومختبر وقمر صناعي وميناء آمن ومنظومة دفاع جوي وغرفة عمليات مشتركة، إلى جانب الإيمان والقيم والثوابت....
فمن يفصل القوة المادية عن الروح يصنع آلة بلا ضمير، ومن يفصل الروح عن القوة يصنع ضميرا لا يستطيع حماية صاحبه.
التقارب السعودي التركي الباكستاني يمنحنا فرصة للانتقال من "وجدانية الأخوة" إلى "مؤسسات الأخوة".....
لقد بالغنا طويلا في الاحتفال بتشابه الشعارات، بينما القوة الحقيقية تبدأ حين تتشابه معايير الذخيرة، وتتصل شبكات الإنذار، وتتكامل مصانع الدفاع، وتتبادل أجهزة الاستخبارات المعلومات في الوقت المناسب.
==
سيخرج من يسخر من الاتفاق؛ بعضهم لأنه لا يصدق أن دولنا تستطيع التعاون، وبعضهم لأنه يخشى أن تستطيع، وبعضهم لأن ولاءه لمشروع سياسي أو حزبي أو طائفي أو أيديولوجي أقوى من ولائه لاستقرار المنطقة.
وسيحاول آخرون زرع الشقاق بالسؤال: من يقود؟ من يدفع؟ من يستفيد أكثر؟ وماذا لو اختلفوا؟ وسيبحثون في كل صفحة من التاريخ عن جرح قديم ليمنعوا التئام جرح حاضر....
هؤلاء يجب الحذر من خطابهم، خصوصا حين تكون سخريتهم انتقائية: يصفقون لكل تحالف في العالم، ثم يطالبون الدول الإسلامية بأن تواجه الأخطار منفردة؛ يحترمون مظلات الدفاع الغربية، ثم يسمّون أي تعاون إسلامي "مغامرة"؛ يريدون السعودية محتاجة، وتركيا معزولة، وباكستان محاصرة، ثم يحدثوننا عن العقلانية....
لكن ليس كل ناقد عدوّا.
من يسأل عن آليات التنفيذ، وسلاسل القيادة، وتعريف العدوان، وحدود الالتزام، والتمويل، والرقابة، وتسوية الخلافات، يطرح أسئلة يحتاج إليها الاتفاق كي يتحول من بيان عظيم إلى مؤسسة فاعلة.
أما العدو الفكري فهو من يرفض أصل التقارب، ويحرّض الشعوب بعضها على بعض، ويستدعي العصبيات القومية والطائفية لهدم كل جسر قبل اكتماله.
علينا ألّا نخلط بين عين تراقب البناء كي يستقيم، ويد تهدمه كيلا يقوم....
وأقوى رد على الساخرين ليس شتمهم، وإنما نجاح الاتفاق؛ فالاتفاقات لا يحميها الحماس الإلكتروني، بل تحميها المصالح المتبادلة، والمصانع المشتركة، والعقيدة الدفاعية الواضحة، والالتزام عند الخطر.
الاتفاق الحقيقي يبدأ بعد التوقيع ...
لا يكفي أن نقول: الاعتداء على واحد اعتداء على الجميع....
لا بد من تعريف "الاعتداء"، وتحديد آلية التشاور والاستجابة، وإنشاء مجلس دفاع دائم، وغرفة إنذار مبكر، وقيادة تنسيق لا تمس سيادة الدول، ومناورات دورية، ومنظومة مشتركة لمواجهة الصواريخ والمسيّرات والهجمات السيبرانية.
ولا بد من نقل الاتفاق من شراء الأسلحة إلى صناعتها؛ ومن صفقات متفرقة إلى سلاسل إنتاج مشتركة؛ ومن تدريبات موسمية إلى عقيدة عمليات؛ ومن تبادل المجاملات إلى تبادل المعرفة.
فالسلاح الذي تشتريه يحميك ما دام البائع موافقا، أما السلاح الذي تشارك في صنعه فيحمي قرارك أيضا.
والتحدي ليس في جمع ثلاث ميزانيات دفاعية، بل في تحويل جزء منها إلى سيادة صناعية ومعرفية.
إن قوة التحالف لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدر عنه، بل بعدد القرارات التي يستطيع اتخاذها دون إذن من خارجه، وعدد الأخطار التي يمنعها قبل أن تتحول إلى حروب.
هو ليس حلفا للحرب… بل إعلان بلوغ سياسي ...
قد يختلف الحلفاء غدا في ملف أو موقف؛ فالتحالف ليس زواجا عاطفيا، ولا إلغاء للمصالح الوطنية....
لكن النضج السياسي لا يعني غياب الخلاف، بل امتلاك مؤسسات تمنع الخلاف من هدم الضروري المشترك.
لقد حان الوقت كي تفهم شعوبنا أن اختلاف الرياض وأنقرة وإسلام آباد في مسألة لا يجعل التقارب بينها خيانة، وأن الاتفاق ليس امتحان ولاء يطلب من دولة أن تتخلى عن نفسها، بل صيغة تحمي حق كل دولة في أن تبقى نفسها داخل قوة أكبر.
هذه ليست وحدة اندماجية، ولا عودة إلى إمبراطورية، ولا إلغاءً للحدود الوطنية. إنها شراكة بين دول مستقلة اكتشفت أن السيادة لا تُحمى دائما بالانفراد، وأن بعض الاستقلال لا يتحقق إلا بالتكامل.
الدولة المنفردة قد تملك جيشا، لكنها لا تملك وحدها كل السماء والبحار والأسواق وسلاسل الإمداد....
لهذا لم يعد التحالف في العالم الحديث نقصا في السيادة، بل قد يكون أداة لحمايتها.
يا إخوة الدين والجغرافيا والتاريخ ...
ارفعوا رؤوسكم… وافتحوا أعينكم ...
نعم، اهتفوا لهذا التقارب....
نعم اهتفوا لأن السعودية وتركيا وباكستان اختارت أن تجعل الأخوة سياسة، والسياسة مؤسسة، والمؤسسة قدرة على الردع.
اهتفوا للسعودية؛ قلب العالم الإسلامي، وحامية الحرمين، والدولة التي لم تعد تقبل أن تكون ثروتها بديلا عن إرادتها، بل تجعل من ثروتها وقودا لبناء الإرادة.
واهتفوا لتركيا؛ لصناعتها وجيشها وشعبها الذي يعرف معنى أن تقاتل الدولة من أجل استقلال قرارها....
واهتفوا لباكستان؛ لعمقها وخبرتها وشعبها الذي ظل يرى في الحرمين قضية تتجاوز المسافات والحدود....
لكن لا تجعلوا هتافكم بديلا عن الوعي....
طالبوا بأن يتحول الاتفاق إلى مصانع وجامعات ومراكز أبحاث ومنظومات دفاع وتكامل اقتصادي؛ فالأمة لا تستعيد مكانتها بالصوت الأعلى، وإنما بالعقل الأعمق والقدرة الأثبت.
وحين يسألوننا مرة أخرى: "هذا التحالف ضد من؟"، نقول:
ليس ضد شعب، ولا مذهب، ولا جار يريد السلام.
إنه ضد الصاروخ حين يستبيح مدننا، وضد المسيّرة حين تعبر حدودنا، وضد الميليشيا حين تختطف الدولة، وضد الحصار حين يخنق تجارتنا، وضد الفوضى حين تُقدَّم إلينا على أنها قدر، وضد من يظن أن دماءنا أقل قيمة، وأن سيادتنا قابلة للتفاوض، وأن تفرّقنا حق مكتسب له.
إنه ضد زمن كانت فيه الحروب تُصنع لنا، ثم يُطلب منا أن ندفع ثمنها...
مكة وأنقرة وإسلام آباد ليست ثلاث نقاط متباعدة على الخريطة؛ إنها ثلاث طاقات إذا التقت صنعت قوسا من الردع يمتد من قلب الجزيرة العربية إلى الأناضول وجنوب آسيا.
لسنا نريد أن نخيف العالم من إسلام قوي؛ بل نريد أن نطمئن العالم إلى أن الإسلام القوي العادل أكثر قدرة على حماية السلام من عالم إسلامي ممزق تتنازع أرضه الميليشيات والقوى الأجنبية.
فالقوة إذا سكنت يد العادل كانت سياجا، وإذا غابت عنه أصبحت أرضه طريقا لكل غازٍ....
وفي مكة، لم تجتمع ثلاث دول لتعلن أن لها أعداء جددا؛ بل لتعلن أن ضعفها القديم لم يعد صديقا لأحد.
وربما كانت هذه هي العبارة التي تختصر الاتفاق كله:
السعودية تمنحه المركز والمعنى والقدرة على الجمع...
وتركيا تمنحه ذراع الصناعة والخبرة..
وباكستان تمنحه العمق والردع...
فإذا صدقت الإرادة، فلن يكون اتفاق مكة تحالفا بين ثلاث دول فحسب، بل بداية انتقال العالم الإسلامي من جغرافيا تُدار إلى قوة تشارك في إدارة التاريخ....
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
===
إحسان الفقيه
الأردن
🔴 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته🙏❤️
فانجينغشان.. جبل يلامس السحاب
تصوير جوي مذهل لـ جبل فانجينغشان في مقاطعة غويتشو، حيث تغمره الغيوم ويلفه الضباب في مشهد طبيعي ساحر.
ويُعد الجبل من أبرز المعالم الطبيعية في الصين، كما أُدرج ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو.
بداية انتشار سيارات عليها شعار الجيش الليبي باللون الأخضر في طرابلس ممكن تكون أتفاق مسعد بولس بين صدام والزوبي بدء في التنفيد المرحلة أولى في طرابلس
#العاصمة
قراءة مكثفة وعميقة للكاتبة إحسان الفقيه، تتجاوز الخبر إلى ما وراءه، وتقرأ الحدث في سياقه الأوسع، لتضع أمامنا سؤال المستقبل: هل نحسن تحويل هذا التقارب إلى قوةٍ مؤسسية، وقدرةٍ استراتيجية، وقرارٍ أكثر استقلالًا؟
🇸🇦🇹🇷🇵🇰
#اتفاق_مكة#محور_مكة
نعود إلى السياسة…
لكننا هذه المرة لا نعود لنكتب عن جراح الأمة، بل عن مجدها المُمكن وعزّتها حين تجتمع قواها....
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والجانب الباكستاني في صفٍّ واحد... وقبلةٍ واحدة؛ مشهد يتجاوز الصلاة إلى معنى أكبر:
"أن السعودية قلب الأمة، وتركيا ذراع قوتها، وباكستان عمقها الاستراتيجي"
وحين تجتمع القبلة والقوة والمصلحة، يبدأ التاريخ بكتابة صفحة جديدة....
فهل نحن أمام تحالف ضد أحد؟
ليس ضد شعب ولا مذهب ولا جار يريد السلام؛ بل ضد الفراغ والتبعية واستباحة السيادة، وضد زمن كانت تُصنع فيه الحروب لنا ثم ندفع نحن أثمانها....
مقالتي القادمة: من مكة إلى أنقرة وإسلام آباد…
حين قررت ثلاث قوى إسلامية ألّا يبقى أمنها وديعة في خزائن الآخرين، ولا سيادتها رهينة لضمانات تُمنح عند الرضا وتُسحب عند الحاجة؛ فانتقلت من استئجار الحماية إلى صناعة الردع، ومن انتظار التاريخ إلى المشاركة في كتابته.
كيف حولنا الصلاة من عبادة شخصية تؤدى باحترام في المنازل والمساجد إلى وسيلة للإستنطاع على الناس في الشوارع والمؤسسات والمطاعم والكافيهات من أجل الرياء والسمعة والشهرة والتريند؟؟؟
هذه مهزلة سمحت بها الدولة وتمادى فيها الغوغاء الذين لم نحسن تربيتهم ولا تعليمهم آداب العبادة.
قال رسول الله ﷺ:
"أفضل الإيمان الصبر و السماحة"
المصدر: صحيح الجامع 1097.
قال الإمام الحسن البصري رحمه الله:
الصبر: عن معصية الله،
والسماحة : بأداء فرائض الله عز وجل .
الحلية لأبونعيم: (156/2).
قال سفيان الثوري - رحمه الله:
" وليكن جليسك مَن يزهدك
في الدنيا، ويرغبك في الآخرة،
وإيَّاك ومجالسة أهل الدنيا
الذين يخوضون في حديث الدنيا،
فإنهم يفسدون عليك دينك وقلبك ".
[حلية الأولياء (٨٢/٧)]
يبدو أن جيناتي اختيرت بعناية شديدة لكي أقوم بهذه المهمة على الأرض:
أن أكون كاتبة ...
لا الكاتبة التي تقف في منطقة آمنة، وتكتب ما يحبه الجميع، ثم تعود إلى بيتها نظيفة من الخصومات؛ بل الكاتبة التي تمشي بين الألغام، وتقول ما تراه حقا ولو لم يكن كاملا، ثم تراجعه، وتنضج، وتتراجع عن بعضه وتعتذر، وتدفع ثمن كل مرحلة من عمرها كأنها لم تكن مجرد أفكار، بل اعترافات علنية أمام محكمة لا تهدأ....
خُلقتُ، فيما يبدو، بتركيبة لا تساعد صاحبها على الراحة:
- قلبٌ يريد أن يُرضي الله، وعقلٌ لا يكفّ عن السؤال....
- نزعةٌ إلى الثورة، وخوفٌ عميق على ما تبقى من الأوطان....
- رحمةٌ بالمظلوم، وحذرٌ من أن يتحول المظلوم حين يمتلك القوة إلى ظالم جديد....
- توقٌ إلى الحرية، وإيمانٌ بأن الحرية التي تهدم الدولة قد تترك الناس أسرى للفوضى....
- انحيازٌ إلى الأمة، وإصرارٌ على أن الوطن ليس تفصيلا صغيرا في الطريق إليها..
- حبٌّ لفلسطين لا يحتاج إثباتا، وحبٌّ للأردن والسعودية وبقية الدُول الإسلامية القائمة لا أسمح لأحد أن يجعله موضع اتهام أو مساومة....
ولذلك سأبدو متناقضة لمن يقرأ عناويني، لا رحلتي....
-سيراني أحدهم معارضة حينا، ووطنية حينا..
-قاسيةً في موضع، شديدة اللين في موضع آخر...
-سيراني من يؤمن بالثورة متراجعة
- ومن يؤمن بالصمت متمردة
- ومن يريد كاتبا يوافقه دائما،، سيراني امرأةً لا يمكن الوثوق باتجاه بوصلتها...
= لكنني أعرف سر هذه البوصلة:
إنها لا تشير إلى الأشخاص، ولا إلى الجماعات، ولا إلى التيّارات ولا إلى الشعارات التي تتغير بتغير المصالح؛ إنها تحاول، بكل ارتباكها البشري، أن تشير إلى الحق كما أراه في لحظته، ثم تملك الشجاعة لتصحح اتجاهها حين ترى ما لم تكن تراه....
أنا لا أستحي من تغيُّري...
فالجماد وحده لا يُراجع نفسه، والميت وحده لا تتبدل رؤيته للواقع والأحداث والأشياء ..
أما الإنسان الحي فيدفع من كبريائه ثمنا كلما اتسعت معرفته....
وقد قلت يوما كلاما كنت أراه حقا ..
ثم علّمتني الوقائع أن الحق أوسع من عبارتي، وأن العالم لا يُدار بنقاء الأمنيات...
وأن إسقاط الشر لا يعني دائما ولادة الخير ..
وأن بعض الذين يرفعون رايات الخلاص قد يحملون في داخلهم بذور استبداد جديد.
* تعلمتُ أن بناء الدول أعقد من الهُتاف ضدها، وأن الأمن الذي يسخر منه الآمنون يصبح أمنية مستحيلة حين يفقدونه، وأن المؤسسات الناقصة يمكن إصلاحها، أما الفراغ فتملؤه البنادق، والطوائف، والميليشيات، وتُجّار الدم !
لذلك صرتُ أخاف على الدولة حتى وأنا أنتقدها، وأنتقدها لأنني أخاف عليها...
- أدافع عن الوطن الخاص، لا لأنني أراه كاملا، بل لأنني أعرف أن الأوطان لا تُحب بسبب كمالها، كما لا تُحب الأم لأنها لم تخطئ قط....
الوطن يُحب لأنه الوعاء الذي نحاول إصلاحه من داخله؛ البيت الذي قد نختلف على أثاثه، لكن العاقل لا يحرقه فوق رؤوس أبنائه.
ومع ذلك، أنا لست تلك المرأة الصلبة التي تتخيلونها خلف المقالات.
* كل من عرفني عن قُرب سيقول لكم - غالبا :
- إن هذه المرأة التي تخوض المعارك الكبرى في الكتابة، قد تهزمها كلمة صغيرة من شخص تحبه...
- وإن التي تكتب عن الدول والمشروعات والحضارات والصراعات والحروب قد تبكي لأن أحدهم تغيّر صوته معها في مُكاملة ...
- وإن التي تبدو في المنابر حاسمة، تمضي نصف حياتها تسأل نفسها:
هل ظلمت أحدًا؟ هل قسوتُ في ردّي على فلان؟ هل قلتُ أكثر مما ينبغي؟ هل كان الصمت أنبل؟
- سيقولون لكم بأنني، على الرغم من كل ما كتبته عن القوة والكبرياء والشموخ والعزّة، غلبانة وطيبة وعلى باب الله...
- وقد يظن بعضهم أن هذه سذاجة، لكنني لم أعد أخجل منها....
فما قيمة أن ينتصر الإنسان في كل الجدالات ثم يخسر الجزء النظيف من روحه؟
وما نفع الذكاء إن كان يجعل صاحبه أقل رحمة، أو أكثر قدرة على إيذاء الذين وثقوا به؟
أنا ابنة الفلاحين المنسيين في القُرى الأردنية البعيدة ...
أنا ابنة تناقضات كثيرة:
- أريد أن أكون معروفة، ثم أتعب من أن يراني الناس.... فأعتزل الجميع مع محبّتي الخالصة للجميع ..
- أكتب كي أشرح نفسي، ثم تجعلني الكتابة أكثر غموضا....
- أريد أن أصل إلى أصحاب القرار وأؤثّر فيهم، لكنني أخشى أن أصبح جزءا من جوقة التصفيق....
- أحب التأثير في الناس والواقع، وأرتعب من مسؤولية أن يصدقني أحد... فيخذله رأيي..
- أحلم بمشروعات كبرى ومراكز أبحاث وبرامج ومؤسسات، ثم قد أفرح برسالة تقول إن مقالةً لي أعادت الأمل إلى شخص واحد خذلته زوجته بعد رُبع قرن من زواج مستقرّ ...
- أفكر في كسب المال.. نعم .. وأطمح في الاستقلال المادي والنجاح، لكنني لا أريد نجاحا يجعلني مَدينة لأحد أو مضطرةً إلى بيع صوتي وقلمي لأي جهة أو وعد...
-أطمح إلى أن أكون قوية بما يكفي لأغيّر الواقع، وأدعو الله في سرّي أن أبقى ضعيفة أمام الحق، وألا تمنحني القوة قلبا لا أعرفه....
قلبا لا يُشبه قلب إحسان بنُسختها الأولى..
لم يكن قلبي يُشبه قلوب السياسيين... ولا قلوب الكُتّاب الذين يتقنون الخصومة أكثر مما يُتقنون الرحمة....
كان قلبي يُشبه تلك الطفلة الصغيرة التي ربّتها جدّة قروية لا تعرف الفلسفة، لكنها كانت تحمل من الحكمة ما تعجز عنه مكتبات بأكملها....
كانت كلما أرادت أن تختصر معنى صفاء النيّة، قالت بلهجتها البسيطة:
"أريدلك... أريدلك... بس الموت ما أريدلك."...
لم تكن تعرف أنها بذلك كانت تضع أول تعريف لفروسية القلب الذي لا ينتظر مقابلا، ولا يطلب انتصارا، ولا يتمنى الهزيمة لأحد....
هناك... في ذلك البيت الطيني البسيط في الحيّ الشرقي في كفرأبيل، تعلّمت أن الإنسان قد يغضب، لكنه لا يتمنى أن يعيش خصمه ألم الفقد...
وأن الخصومة لا تُسقط الدعاء وأمنية الخير حتى لمن تختلف معهم....
وأن الاختلاف لا يُسقط الرحمة...
وأن القلوب الكبيرة تستطيع أن تقول: "لقد أوجعتني..." ثم ترفع يديها إلى السماء قائلة: "اللهم احفظه.. ولا تضرّه."...
ربما لهذا لم أستطع يوما أن أكون قاسية كما أرادني بعض الناس...
كنت أتعلم الكتابة في عالمٍ يكافئ القسوة، بينما كانت جدتي، دون أن تدري، تزرع في داخلي قلبا لا يعرف كيف يتشفى بأحد....
وكلما حاولت الحياة أن تجعلني أصلب، كانت تلك الجملة القديمة تعود من مكان بعيد، لتسحبني من حافة القسوة:"أريدلك... أريدلك... بس الموت ما أريدلك."...
واليوم، بعدما كبرت، وها أنا اقتربت من الخمسين... أدرك أن جدتي "طيب الله ذكرها ومقامها ".. لم تكن تعلمني كيف أحب الناس فقط...
كانت تعلمني كيف أبقى إنسانة، حتى وأنا أختلف معهم.وربما لهذا، مهما اشتدت معاركي الفكرية، ومهما قيل عني، ومهما اتُّهمت أو ظُلِمت، بقي في داخلي شيءٌ لا أريد له أن يموت...
تلك الطفلة الطيبة التي كانت تظن أن الخير الذي تمنحه للناس سيعود إليها يوما من طريق لا تعرفه....
ربما يظن الناس أن الذي صنعني هو ما قرأته من كتب... لكن الحقيقة أن أكثر ما صنعني امرأة لا تُجيد الكتابة شقيقة الأخ الوحيد "طعمة الحسن الفقيه" عليه رحمة الله .. والذي كان لا يختلف عنها نقاء ونُبلا ورفعة ..
لم تترك لي مالا ولا شهادة، بل تركت لي جملة واحدة... وما زلت أعيش على معناها حتى اليوم:
"أريدلك... أريدلك... بس الموت ما أريدلك."...
أنا أردنية حين يصبح الأردن موضع مزايدة ..
وعربية حين تُراد لنا الحدود سجونا للكراهية..
ومسلمة حين يُختزل الإسلام في جماعة أو شعار أو مظهر...
وإنسانة حين يحاول بعضهم أن يقنعني بأن الرحمة خيانة للموقف....
لا أرى تناقضا في أن أحب بلدي وأتعاطف مع غيره، ولا في أن أرفض المشروع الإيراني والصهيوني معا.. وأرفض في الوقت نفسه أن تتحول كراهيته إلى صك براءة لكل خصومه، ولا في أن أفهم مصالح الدول من دون أن أعبدها، أو أن أحترم القانون الدولي من دون أن أتخيل أنه عادل دائما...
لقد تعبت من العقول التي لا ترى إلا معسكرين:
معنا أو ضدنا، ملاك أو شيطان، وطني أو خائن، مؤمن أو منافق....
فالإنسان أعقد من لافتة، والسياسة أوسع من تغريدة، والتاريخ لا يكتبه الطاهرون تماما ولا الأشرار تماما، بل بشرٌ مختلطون، يصيبون ويخطئون، ويبنون بأيدٍ قد هدمت، ويهدمون أحيانا وهم يظنون أنهم يصلحون....
وأنا واحدة من هؤلاء البشر.
لستُ قديسة، ولا أدّعي العصمة، ولا أقدم سيرتي بوصفها رحلة مستقيمة من اليقين إلى اليقين.....
إنها رحلة من سؤال إلى سؤال، ومن اندفاع إلى مراجعة، ومن انكسار إلى كتابة، ومن كتابة إلى انكسار جديد.....
- كل خيبة جعلت لغتي أعمق.
- كل اتهام أجبرني على معرفة نفسي أكثر.
- كل صديق فهمني أعاد إليّ جزءا مني ظننته مات....
- كل خصم أساء إليّ كشف لي موضعا في روحي يحتاج إلى تهذيب...
- كل بلد سكنتُ فيه ترك في لغتي نافذة.....
- كل فقدٍ مر بي أخذ شيئا مني، لكنه فتح في داخلي غرفة جديدة لفهم أحزان الناس.
ولهذا لا أكتب من برج عاجي.... رغم أني أعيش عزلتي بعيدة عن همهمات الناس وفضولهم ..
أكتب من قلب الحياة: من البيت حين يضيق، ومن الحب حين يصير امتحانا
ومن الغيرة حين تكشف ضعف الإنسان
ومن الفقد حين يصبح الصمت أثقل من الكلام
ومن الجسد حين يذكّرنا بأننا لسنا أفكارا تمشي على قدمين
ومن الطموح حين يصطدم بالوقت والمال والعمر
ومن الإيمان حين لا يكون جوابا جاهزا ... بل حبلًا نتشبث به ونحن نعبر مناطق لا نفهمها....
ربما لهذا وصلت كلماتي إلى كثيرين....
ليس لأنني أعرف أكثر منهم، بل لأنني أتألم أحيانا بالطريقة التي يتألمون بها ولا يستطيعون وصفها...
أجد العبارة التي كانت محبوسةً في صدورهم، فأكتبها، ثم يسألون بدهشة:
كيف عرفت هذا عني؟
والحقيقة أنني لم أعرفهم....
لكن الجرح الإنساني واحد، وإن اختلفت أسماؤه.
وربما كانت هذه مهمتي فعلا:
- أن أحوّل الفوضى التي في داخلي إلى معنى ينتفع به غيري..
- أن آخذ الأسئلة التي أرهقتني، وأصوغ منها مصباحا لشخص يمشي في عتمته
- أن أستخدم ما كسرني لا لأكسر به الناس، بل لأفهمهم..
- وأن أجعل من تناقضاتي جسرا بين المتخاصمين..
لأن من عاش في جهتين من الفكرة يستطيع أحيانا أن يرى ما لا يراه المقيمون في جهة واحدة....
سيظل بعضهم يتهمني بالتناقض، ولا بأس.
فأنا لا أكتب عقد ولاء لنسخة قديمة مني....
أنا مَدينة للحقيقة، لا لأرشيفي الشخصي.
وإن كان ثمن النضج أن يقولوا إنني تغيرت أو مُتناقضة أو غير مفهومة،
فسأقول:
نعم، تغيرت؛ لأنني رأيت، وقرأت، وخسرت، ونجوت، وأخطأت واعتذرتُ وتعلمت أن الإنسان الذي لا تغيّره الحياة... لم يعشها حقا...
لكن خلف كل هذه التحولات ستبقى أشياء لا تتغير:
- أنني لا أريد الشر لأحد.
- وأنني أخاف على الأردن وعلى كل وطن من أوطانكم كما يخاف المرء على بيته في ليلة عاصفة....
- وأنني أرى في الكلمة أمانة قد تنقذ إنسانا أو تهدمه....
- وأنني مهما بدوت حادة في ردودي على بعض الرسائل التي لا تليق بي أو يستهين أصحابها بمنزلتي أمام نفسي، فإن أكثر معاركي شراسةً هي مع نفسي....
- وأنني، بعد كل الشهرة والكتابة والاتهامات والمواقف، ما زلت تلك المرأة التي تريد أن يطمئن قلبها، وأن يرضى عنها ربّها وأن يختم لها بالصالحات وأن تترك وراءها كلمات كانت أرحم بالناس من العالم المُشوّه الدنيء.
ربما اختيرت جيناتي فعلا لهذه المهمة:
أن أكون عالية الصوت حين يجب الكلام، وصامتة حين يصبح الكلام فتنة...
أن أعارض حين يكون التصفيق خيانة، وأن أدافع حين يصبح الهدم بطولة زائفة.
أن أكون مفهومة للقلوب، ملتبسة على التصنيفات.
أن أبدو قويةً أمام الجمهور، ثم أعود إلى الله بكل ضعفي....
أن أحمل وطنا في قلبي، وأمة في ضميري، وإنسانا صغيرا خائفا في أعماقي.
وأن أمضي في هذه الحياة كما أنا:
كاتبةً تتهمها المعسكرات والتيارات كلها، لأنها لم تُخلق لتكون صوت مُعسكر أو ناطقة باسم تيّار؛ بل لتبحث، ما استطاعت، عن الكلمة التي تنقذ الإنسان، وتحفظ الوطن، وترضي الله....
==
إحسان الفقيه
من كتاب "مُصابة بالوضوح "
كتاب لم ينضج بعد
العراق بعد 2003: وطنٌ أُنهكته المحاصصة وباعته الصفقات
منذ احتلال العراق عام 2003، دخل البلد مرحلة سياسية جديدة رُفعت فيها شعارات الديمقراطية والحرية وبناء الدولة، لكن الواقع أثبت، بعد كل هذه السنوات، أن أغلب القوى السياسية التي تصدرت المشهد فشلت فشلًا ذريعًا في بناء وطن عادل، آمن، ومستقر. لم يكن الفشل عابرًا أو محدودًا، بل كان فشلًا في إدارة الدولة، وفي حماية المال العام، وفي صيانة كرامة المواطن، وفي الحفاظ على هوية العراق الجامعة.
لقد جاء الدستور الجديد ليؤسس، بدل دولة المواطنة، واقعًا مشوهًا يقوم على التقسيمات الإثنية والطائفية والقومية. وبدل أن يكون الدستور عقدًا وطنيًا يوحّد العراقيين تحت راية الوطن، تحوّل في كثير من مفاصله إلى بوابة للمحاصصة وتقاسم النفوذ، حتى أصبح الانتماء للطائفة أو الحزب أو القومية في كثير من الأحيان أقوى من الانتماء للعراق.
أما المحاصصة، فهي السرطان الحقيقي الذي نخر جسد الدولة العراقية. باسم التوازن والشراكة، تقاسمت القوى السياسية الوزارات والمؤسسات والمناصب، لا على أساس الكفاءة والنزاهة، بل على أساس الولاء الحزبي والحصة السياسية. وهكذا تحولت الدولة إلى غنيمة، والوزارة إلى مزرعة، والمنصب إلى باب للثراء، والمواطن إلى ضحية تنتظر أبسط الخدمات في بلد يطفو على بحر من الثروات.
إن ما ظهر من ملفات الفساد حتى اليوم ليس إلا جزءًا يسيرًا من الحقيقة، وقطرة صغيرة من بحر واسع. المليارات التي سُرقت أو هُدرت أو اختفت في العقود الوهمية والمشاريع المتلكئة والمنافذ والصفقات المشبوهة تكشف حجم الكارثة، لكنها لا تكشف كل شيء. فالأخطر من سرقة المال هو سرقة الأمل من قلوب الناس، وتحويل الوطن إلى سوق للنفوذ، وترك المواطن يبحث عن الكهرباء والماء والدواء والعمل والكرامة.
لقد فشلت القوى السياسية الدينية، كما فشلت القوى القومية والإثنية، لأنها جميعًا شاركت، بدرجات مختلفة، في تكريس نظام المحاصصة. لم ينجح الخطاب الديني في صناعة دولة عادلة، ولم ينجح الخطاب القومي في حماية وحدة الوطن، ولم تنجح الشعارات الوطنية في منع نهب المال العام. والنتيجة أن العراق، بكل تاريخه وثرواته وشعبه، بقي يدور في حلقة مفرغة من الأزمات.
لكن المسؤولية لا تقع على السياسي وحده. فالمواطن الذي يبيع صوته الانتخابي بثمن بخس يجب أن يسأل نفسه: من الذي أوصل هؤلاء إلى مواقع القرار؟ إن الصوت الانتخابي ليس ورقة عابرة، بل هو أمانة ومسؤولية. ومن يبيع صوته اليوم، قد يدفع غدًا ثمن ذلك من مستقبل أبنائه، ومن أمن بلده، ومن كرامته وحقوقه.
لقد جاء بعض قطاع الطرق إلى السلطة عبر صناديق انتخابية ملوثة بالمال السياسي، وشراء الذمم، وخداع الفقراء، واستغلال حاجاتهم. وحين يتحول الفقر إلى وسيلة للابتزاز الانتخابي، تصبح الديمقراطية شكلًا بلا روح، وتصبح الانتخابات بابًا لإعادة إنتاج الفاسدين أنفسهم.
العراق لا يحتاج إلى شعارات جديدة، ولا إلى وجوه تعيد تدوير الفشل، بل يحتاج إلى مشروع دولة حقيقي يقوم على المواطنة، وسيادة القانون، ومحاسبة الفاسدين مهما كانت مواقعهم، وإنهاء المحاصصة التي قتلت روح الدولة. يحتاج العراق إلى وعي شعبي يرفض بيع الصوت، ويرفض تقديس السياسي، ويرفض أن يكون تابعًا لهذا الحزب أو ذاك على حساب الوطن.
إن الطريق إلى إنقاذ العراق يبدأ من الاعتراف بالحقيقة: ما بُني بعد 2003 لم يكن دولة مواطنة حقيقية، بل نظام مصالح ومحاصصة تقاسمت فيه القوى النفوذ والثروة، وتركت المواطن يدفع الثمن. ولا خلاص للعراق إلا بإعادة بناء الدولة على أساس العدالة والكفاءة والنزاهة، لا على أساس الطائفة والحزب والسلاح والمال الفاسد.
ويبقى السؤال الأهم لكل عراقي: هل سنبقى نلعن الفاسدين ثم نعيد انتخابهم؟ أم آن الأوان أن نفهم أن الوطن لا يُباع بصوت انتخابي، وأن العراق أكبر من كل الأحزاب، وأغلى من كل الصفقات؟