عندما ننظر إلى شهر رمضان من منظورٍ عميق، سنجد أنّهُ شهرٌ يأتي ليُطهِّر الأرواح، ويُصفّي النفوس، ويُخفّف الأثقال، ويرتقي بالأفئدة إلى منازل سماوية، هو شهرٌ عظيم يتجلّى فيه معنى التجارة الرابحة مع الله، فطوبى لمن استثمر فيه وجنَى من نفحاته المُباركة أطيَب الثمار.
لا يدرك قيمة الهدوء إلا الأرواح الراقية، التي تختار مواضعها بعناية، فلا تدخل في معارك تستنزفها، ولا تتواجد في أماكن لا تشبهها، ولا تمدّ أواصرها مع مَن يُؤرّق سكينتها، التي تهوى التحليق في آفاق السلام، بعيدًا عن الضجيج والزحام، فتظفر بشعور الراحة والطمأنينة.
تأمّل ملامح النُضج بين طيّات نفسك، عندما يتغيّر ترتيب أولويّاتك، وتتبدّل مقاييس تفضيلاتك ومعايير إعجاباتك، عندما تكون نظرتك أكثر عُمقًا، وتفكّرك أكثر صدقًا، ورأيك أكثر رصانة، وخطوتك أكثر رزانة، عندما تقيس الأمور بميزان العقل والحكمة، وتكون غايتك التوفيق والسداد.
عندما تملك القدرة على فعل الخير فافعَل، وعندما يضع الله في يدك عطاءً قد ينفع غيرك فلا تبخل، وعندما يكون بإمكانك إضاءة طريق، أو بناء إنسان، أو تشييد بُنيان، أو إقالة عثرة، أو بذل إحسان؛ فكُن مبادرًا ولا تجفل، واعلم بأن كل شيء يفنى إلا الفعل النبيل، والأثر الجميل.
عندما تمتزج الحكمة بالثقة في شخصيّة الإنسان؛ ستجد صاحبها حليمًا، رحيمًا، هيّنًا، ليّنًا، مُقَدّرًا للظروف، يضع نفسه موضع الآخر أناةً ورِفقًا، يغضّ الطَرف سماحةً وهو عارِفٌ عالِم، ويتجاوز كرمًا وهو قادِرٌ على عدم التجاوز، ويصمت حكمةً وهو يمتلك كل مفردات الكلام.
من أجمل الصفات في نظري، وأعزّها وأقربها إلى قلبي (الكرم) إذّ أن هذه الصفة إذا امتلكها الإنسان لا تقتصر على العطاء المادي فحسب، بل تمتدّ لتشمل العطاء المعنوي، وكرم الأخلاق والتعامل، ورحابة النفس والبِشْر، وطِيب المعشر، طوبى للكُرماء الطيبين أينما حلّوا وارتحلوا.
قُوّة الشخصيّة ليست في الشدّة، والحدّة، وسرعة الانفعال، إنما تتجلّى في أسمَى صورها وأدقّ تجليّاتها في الحِلم، والوقار، والهدوء الحكيم، والقدرة على الثبات الانفعالي، وضبط المشاعر في المواقف المختلفة، فمَن يملك زمام نفسه، ويُحسِن قيادتها وتوجيهها؛ هو القوّي حقًا.
إذا كنت ساعِيًا إلى شيء في هذه الحياة، فكَرِّس مساعيك نحو (الطمأنينة) فإنها أثمَن ما يظفر به قلبك، وأنفَس ما ينبض به فؤادك، معها تحلّق في آفاق السلام والسكينة، وتعانق شعور الرضا والراحة.
والطمأنينة عزيزة جدًا، لا تمنح سِرّها إلا للمُوفّقين، الصادقين، المُخلصين.
ربّ البدايات الجديدة، والأعوام المديدة،
نسألك يا مُصيّر الأمنيّات حقًا، والأحلام واقِعًا، أن تكتب لنا في هذا العام من هِباتك الكريمة، وأقدارك الطيّبة، وأرزاقك المُباركة، وأن تجعل الرِضا رفيقًا لأرواحنا، والطمأنينة مُستقرّة في قلوبنا، والتوفيق مُلازِم لخطواتنا، إنّك وهّاب كريم.
كل نهاية تحمل في طيّاتها بداية جديدة، ولا شيء أجدَى أن تفعلهُ في النهايات من أن تُودّع معها كل أمر كان يُنهكك، كل شعور كان يُثقلك، كل ما كان يستنزفك بغير جدوى، وتطوي صفحة ماضية وتنطلق بروح جديدة في بداية جديدة، وبنفسٍ خفيفة، وبقلبٍ يستقبل الحياة بسِعَة وانشراح.
عندما تتأمّل حقيقة الحياة، ستجد أنه لا شيء يستحق أن تتوقّف طويلاً عنده، فلا حُزن باقٍ، ولا ألَم مُستمر، وأنّ الحياة بكل ما فيها عابرة، ولن تقف عند حدَث مُعيّن، وستدرك أن التجدُّد والتغيير سِمَة للأيام، وأنّ الانطلاق والمُضِيّ إلى الأمام سيأخذك نحو دروب النور.
اسأل الله دومًا أن يهبك البصيرة، التي تريك الأشياء على حقيقتها، وتجعلك تدرك أبعادها بيُسر، وتمنحك نورًا تسير به في الطُرقات، وتجنّبك الظلمات، وتأخذك دومًا إلى الخيارات الصحيحة، وتبعدك عن الدروب الشحيحة، فكم من مُبصِر أعمى، وكم ممن يظنّ أنه على صواب وهو بعيدٌ عنه.
أن تكون هادِئًا أمام الضجيج، وحليمًا عندما يعلو صوت الغضب، ورصينًا في أوقات السفَه، ومُتّزنًا عندما تختَلّ عجلة الاتّزان؛ فذلك وَجهٌ من وجوه الحكمة التي لا يقدر الكثير عليها أمام سَطْوَة الانفعالات والمشاعر، ومَن يؤتى الحكمة فقد أُوتِيَ خيرًا كثيرًا.
المرونة واللِين نصف جمال شخصيّة الإنسان، وهو المفتاح الأول لقبولها، وإنّ النفوس بطبيعتها تنفر ممن تجد فيه حِدّة، أو قسوة، أو شِدّة، أو غلظة، أو كبرياء فارِغ. طوبى للهيّنين الليّنين، أصحاب الأرواح الخفيفة، الذين تألفهم القلوب بيُسر، لما تجد فيهم من لُطف وسماحة.
النُضج يُوفّر على الإنسان الكثير، يُرِيه حقائق الأشياء كما هي، يجعله مُدركًا لما يستحق وما لا يستحق، وما هو نفيس وما هو زهيد، يكون معه واضح الرؤية، حاضر البصيرة، لا يميل مع الريح أينما مالت، مُقيّمًا الأمور بمقياس الرُشد والعقل، ويطوي عنه مسافات طويلة.
ما أجمل الشخصيات التي تتقن فَنّ (اللباقة) لباقة الحديث، والحضور، والتصرف، وتدرك أساليب التعامل الحسن، وتعرف مفاتيح قلوب البشر، فلا تؤذي، ولا تُلقِي كلمة عوجاء بلا داع، وتحفظ نفسها عن ما يعيبها، وتُثمّن أقوالها وأفعالها، كم تفرض هذه الشخصيات احترامها ومودّتها.
ليس كل شيء يستحقّ الالتفات، فإنّ الحياة مليئة بالأمور التي لا تستدعي منك لحظة انتباه، فلا تُكثِر التدقيق أو التفصيل فيما يستنزفك ولا يزيدك، واحفظ وقتك وجُهدك للأهَمّ، واختَر المواضِع التي تُنزِل نفسك فيها بعناية تامّة، فإنّ اهتمامك ثمين فاعرف أين تُوجّهه.