تكبُر.. وتعرف أن جُل مايعوزه الإنسان من الزمان هو الاطمئنان، وجُل ما يسعى لتركه الأثر الطيّب، ولقاء الصُحب والاحبة، ودعاء الوالدين الذي لا ينقطع؛ وغير ذلك لا مرجوٌ عندهُ ولا محسُوب 🌿
العُقلاء ستجدهم غالبًا ذوي طبع هادئ ورزين، يُقَيِّمُون الأحداث بقيمتها المُستحَقّة، لا يُعظّمون أمرًا صغيرًا، ولا يُحقّرون أمرًا كبيرًا، يتعاملون مع المواقف بحكمة ورصانة، لا يميلون مع هبوب الرياح، تهدأ بين أيديهم الأمواج المُتلاطمة، وتسكن أمامهم أعاصير الحياة.
في المواقف تتبايَن المعادِن، وتمتاز الأخلاق والشخصيّات، وتطفو على السَطح الحقائِق، فهي تُضِيء البصائِر، وتُبدِي السرائِر، وكم صدَق في قوله الشاعِر:
"جزَى الله الشدائِدَ كل خيرٍ
وإنّ كانت تُغَصِّصني بِرِيقي
وما شُكرِي لها إلّا لأنّي
عرفتُ بها عدوّي من صديقي"
{يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
عوض الله لا يكون أبداً بقدر المفقود بل خيراً منه وأن هناك حكمة وراء كل شي فأصبر على مرارة الفقد وكن مطمئناً بأنه حتماً سيرضيك وبأفضل مما تريد أنت !
لا تُعامِل الحياة بمبدأ "المُقايَضة" بحيث كُلّما قَدَّمت وأعطيت انتظرتها ان تُعطِيك، بل عامِلها بمبدأ الإحسان، تبذل الخير حُبّاً ورِضى، وتمضي بدافِع حُبّ العطاء، تُلقِي البذور الطيّبة في الدروب، دون التفات، فتجدها فيما بعد ذات ظِلّ، وثمَر، وسخاء.
الحياة بها كثير من المنافذ والطرق المتشعبة والأمور المدهشة والألطاف الخفية أن بها من السعة كما فيها من الضيق ومن العسر كما اليسر ومن الجمال كما البشاعة ومن الأُنس كما الحزن ومن الرضا كما السخط أن الحياة متقلبة لا حال دائم فهون عليك وابتسم.
مع الوقت يزدادُ يقِيني أن باطن الإنسان سيظهر على السّطح عاجلًا أم آجلًا، من يَحمل الجمال لن يفيض مِنه إلّا الجمال والحُب، وحامل السّوء مَهما تقنّع وتصنّع لابُد للداخل أن يفيض للخارج؛ ستعيش الحياة وتُقابل الكثيرين وسَتعرف بكُل سهولة فيما بعد معدنهم من انعكاسِ دواخلهم على خارجهم.
وما تكَبَّرَ إنسان، إلّا من نقصٍ يُخَبِّئهُ بين جوانِح شخصيّته، يُحاوِل مُواراته بالهالة المُضخَّمَة التي يُحِيط بها نفسه، وما تواضَعَ إنسان إلّا لأنّهُ كبيرٌ حقّاً، ولو تأمّلت العُظماء الفُضلاء من البَشر لوجدتهم أكثر الناس تواضُعًا، وانبساطًا، وسماحةً، ولُطفًا.
البشر مختلفون في حالاتهم وأحوالهم، فما يسرّ البعض قد يكدر صفو البعض الآخر،ومن طبع الضعفاء أن يحاولوا إظهار قوتهم على حساب الآخرين الأقوياء.
فالبدر المضيء لا مفر من أن يثير حسد النجوم الخافتة.
ولهذا فعلينا ألا ننتبه لأقوال الكثيرين، بل نتمسك بما عندنا من فضائل وعلم وحكمة.
النخلة الشامخة لن يضرّها ذَمّ النبتة الهزيلة لها، ولا يُرمَى بالحجر إلا الشجر المُثمر، وإنّ الذين لا يعملون يؤذي نفوسهم أن يعمل الناس؛ استحضر ذلك عندما ترى مَن يحتقر النجاحات ويسعى إلى تحبيط الهِمَم والإنجازات.
سلامٌ على أصحاب القلوب النقيّة، والأرواح الكريمة، الذين تطمئن لهم الأفئدة وتأنس بهم، الذين تكون معهم كما أنت، لا يُشكّلونك كما يشاؤون، ولا يُقلّبون أفعالك كما يشتهون، ولا تجد معهم حاجة للتبرير لأنهم يفهمونك ويعرفونك جيّدًا، الذين من فَرط الأُلفَة معهم تشعر بأنّك تُجالِس نفسك.
احترامك وتقديرك في نفوس الآخرين لا يصنعهُ منصبك، أو سُلطتك، أو ما تحملهُ من ألقاب، بل يصنعهُ (تعامُلك) فلا شيء يُوازِي التعامُل الكريم الذي يُجَسَّد بالأفعال والأقوال.
احتَرِم تُحتَرَم، وقَدِّر تُقَدَّر، كل شيء زائل سوى أثر أفعالك وأقوالك ومواقفك.
كنتُ ولا زلتُ أسألُ الله أن لا يُرِيني ضُعف عزيز، ولا بُؤس نبيل، ولا حاجة كريم، ولا حُزن قلب طيّب، وأرجو الكريم أن يؤتيهم أجمل الأقدار، وأكرَم الهِبات، وأجوَد العطايا، وأن يُمطرهم بغيثٍ من الألطاف والمكرُمات، إذّ أنّ مِن البشر مَن هم منابِع خير، ويستحقون كل خير.
"يُؤتِكُم خيرًا مما أُخِذَ منكُم"
يأتي دومًا عوَض الله كريمًا، مُضاعفًا، يُنسيك كل مرارة تذوّقتها، يأتيك كمكافأة على تسليمك وصبرك، هو لا ينسى أمنياتك التي استقرّت في فؤادك، قد يؤجّلها قليلاً لتنمو بصورة أجمل، حتى إذا أقبلت عليك أقبلت مُبهرة، تغمرك بالهناء والرِضا.
ستظهر لك الحكمة والعبرة من ذلك ولو بعد حين، ستتجَلّى لك بين طيّات الطريق، وأنت ماضٍ في دربٍ مُختلف لا يتقاطَع مع دربك السابِق، فهذه سِمَة الحياة تُهدِيك الإجابات أحيانًا حين تنسى الأسئلة، وتُعطِيك الثمرة حين تتوقّف عن التطلُّع إلى الشجرة، وتُقَرِّبك من الغاية عندما تزهد بها.